رؤى

خمسة عقود من الأزمات في سوق العمل المصري (3-3)

في العقد الثاني للألفية الجديدة، برزت أزمة ثورة 25 يناير 2011، وبعكس الحال عقب الأزمة المالية العالمية، كان للفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير عواقب وخيمة على سوق العمل المصري، بسبب التخبط السياسي والاقتصادي، واضطراب الأنشطة الإنتاجية. وقد تمثلت في انخفاض صافي نمو التشغيل بين 2010و2011من نحو 400 إلى 500 ألف وظيفة نتيجة للأزمة الاقتصادية التي أعقبت الثورة. وبحلول عام 2016 كان الذهاب الثالث لصندوق النقد الدولي تحت وطأة مشكلة النقد الأجنبي. وما يعنيه من تعويم الجنيه ورفع أسعار الطاقة وأسعار الفائدة، وما لذلك من أثر على تكلفة الاستثمار وتكاليف المعيشة.

شهدت تلك الفترة تغيراً في خصائص سوق العمل بشكل كبير، نتيجة لاعتماد الاقتصاد المصري على قطاع التشييد والبناء كقطاع رائد. مما أدى إلى ارتفاع الطلب على المهارات الخاصة بهذا القطاع فقط دون باقي القطاعات. ونظراً لارتباط هذا النمط من التشغيل بفئات عمرية ومراحل تعليمية معينة، فقد سادت هذه الفترة مزيد من التشوهات في سوق العمل.

مع اقتراب العقد الثاني من الألفية الثانية من نهايته، وبالتحديد في ديسمبر2019 ضربت جائحة كورونا سوق العمل، والتي تختلف كليا عن الأزمات سابقة الذكر من حيث أثرها المضاعف، وإصابتها لجانبي العرض والطلب معا في سوق العمل المصري.

فالزيادة في المعروض من العمالة، نتيجة للاستغناء عنهم سواء في الداخل أو العائدين من الخارج. فقد عاد عدد مماثل من المصريين العائدين في أعقاب حرب الخليج. ونفس نسبة الزيادة في أعداد المتعطلين عقب ثورة 25 يناير. إضافة إلى المعروض الحالي من الخريجين والباحثين عن عمل.

من أكثر الفئات المتضررة جراء الأزمة، الإناث، نظرا لتمثيلهن بشكل مرتفع في قطاع الخدمات (التعليم والصحة)، وأنشطة القطاع غير الرسمي. فضلا عن التأثير السلبي عليهن جراء الإجراءات الاحترازية (مثل تعليق الدراسة) وكذلك شباب المتعطلين، والعاملين لحسابهم الخاص والعمالة المؤقتة. بجانب العمالة المصرية بالخارج. وكان لنتيجة الأزمة تفاقما كبيرا في البطالة ومعدلاتها، قد يصل إلى 20%، نتيجة عودة العاملين بالخارج خاصة من دول الخليج بأعداد ضخمة من جراء الأزمة.

ومن جهة أخرى استفاد من الأزمة بعض الفئات المحدودة من العمالة غير المنتظمة (خدمات توصيل الطعام بشكل عام)، وتحديدا في قطاع تجارة التجزئة في المواد الغذائية. ومن أكثر الفئات التي لم تتأثر هم ذوو المهارات المرتفعة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وبالرغم من أهمية دور القطاع الطبي، وحصوله على شيء من اهتمام الدولة لأول مرة نتيجة للأزمة، بدأ أيضا وبوضوح هروب الكثيرين من العمل بهذا القطاع، واتجاه عدد غير قليل للهجرة إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي فتحت الباب لاستقبالهم على مصراعيه، استغلالا لظروف عملهم غير المناسبة في مصر (أجور متدنية، ظروف عمل صعبة). مما سيسبب خلل في هذا القطاع من سوق العمل شديد التخصصية.

ويظهر بوضوح تأثير الأزمة في زيادة نسب بطالة الشباب تحديدا، خاصةً في قطاعات الخدمات الغذائية (المطاعم وخلافه) والأنشطة الترفيهية (دور السينما والمسارح وخلافه) وما يرتبط بذلك من خدمات النقل (سيارات الأجرة، أوبر)، لارتباطهم بشكل مباشر وبأعداد ضخمة، حيث تستوعب هذه القطاعات أعداد ضخمة من العمالة اليومية، العمالة غير المنتظمة والباحثين عن عمل. كما أن هناك قطاعات بعينها واجهت هبوطا حادا في التشغيل، وتحديدا قطاع السياحة، ومما يزيد من وطأة الأمر أن العاملين به لا يتجهون إلى البحث عن وظائف أخرى إنما ينتظرون عودة رواج السياحة.

يعد استمرار تحيز الدولة لقطاع التشييد والبناء ومتطلباته من أنماط العمل (والتي تترجم مباشرة في طبيعة العرض والطلب في سوق العمل) نقطة سلبية في هذه الظرف، فاتجاه دول العالم أجمع هو للتركيز على التعليم والصحة والقطاعات الإنتاجية زراعية وصناعية وبالأخص الأساسي منها في المرحلة القادمة.

القطاع غير الرسمي الذي كان يستوعب الأزمات السابقة، هو من أكثر القطاعات التي تأثرت سلبا بهذه الأزمة. كذلك القطاع التصديري بشكل عام من أكثر القطاعات المتضررة. ولا يتوقع عودة المنشآت الصغيرة – التي تعرضت للإفلاس في كافة المجالات – إلى العمل. مما سيؤدي إلى ازدياد صفوف الباحثين عن عمل جديد، بين من كانوا يعملون فيها. كما أن الفئات العمالية منخفضة المهارات، هم أكثر من يواجهون فقدان الوظائف نتيجة لتعثر الصناعات التحويلية.

لقد زادت مشكلات سوق العمل، بوضوح مع دخول مصر في أزمة كورونا. حيث ترتفع معدلات البطالة بين كل من المتعلمين، والشباب، والإناث، وفي المناطق الحضرية. فسوق العمل المصري يعاني من اختلالات هيكلية كثيرة (تعليم لا يخدم احتياجات السوق، هيكل أجور مختل، بطالة بين الشباب، غياب فرص العمل في محافظات بعينها فضلا عن ضعف الإطار المؤسسي والتشريعي).

لقد أدت التطورات الديموجرافية الأخيرة إلى الحد بشكل كبير من الضغوط على عرض العمل في سوق العمل المصري في العقد الماضي. بعد أن بلغت ذروتها 13.4٪ بعد ثورة 2011 وما أعقبها من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، بدأت البطالة في الانخفاض ببطء حتى عام 2017 ثم بسرعة من 11.9% في 2017 إلى 7.8٪ في 2019 حسب التقديرات الرسمية.

قد يعزى انخفاض البطالة إلى الانتعاش في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن البيانات المتاحة تشير إلى أن ذلك كان بسبب تناقص ضغوط عرض العمالة. فعلى الرغم أن معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت من أدنى مستوياتها التي وصلت إليها بعد الثورة مباشرة، من 1.8٪ سنويًا في عام 2011 إلى 5.5٪ سنويًا في عام 2019، فقد استمر معدل التشغيل إلى السكان في الانخفاض بشكل مطرد من أعلى مستوى لها عند 47.8٪ في عام 2010 إلى 38.5٪ في عام 2019، وهو أدنى مستوى منذ عام 2000.

إن نقص الضغوط الديموجرافية مؤقت فقط، وتشير مسارات السكان والقوى العاملة على مدى الثلاثين سنة القادمة إلى أنه سيكون من الضروري توفير المزيد من فرص العمل في المستقبل القريب للحفاظ على المستوى المنخفض مستويات البطالة التي لوحظت في السنوات الأخيرة، ناهيك عن خفضها أكثر.

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock