رؤى

الصحة في مصر في القرن ١٩: مدرسة الحكيمات المصريات (3)

الحديث عن فيروس كورونا وطبيعة المخاطر التي تواجه الأطباء ومختلف العاملين في مجال الخدمات الصحية استدعي طرح تاريخ نشأة مهنة «الحكيمات» بمصر التي ولدت من رحم ممارسي الطب الشعبي على عكس طلاب مدرسة الطب المصرية الذين تتلمذوا على يد مشايخ الأزهر.

الدكتورة لافيرن كونكه في دراستها المعنونة «أرواح في خطر .. الصحة العامة في مصر القرن التاسع عشر» التي نقلها للعربية الدكتور أحمد زكي تواصل رحلتها مع طرح قضية الصحة العامة في مصر خلال القرن التاسع عشر وتاريخ نشأة أول مدرسة للحكيمات بمصر وطبيعة الدور الذي قمن به حكيمات مصر في مواجهة الأوبئة والأمراض المتوطنة.

مدرسة الحكيمات

استهلت الدكتورة لافيرن كونكه استعراض تاريخ نشأة مدرسة الحكيمات بمصر بالإشارة إلى أنها تعد أول مدرسة أو مؤسسة تعليمية للنساء بالشرق الأوسط وأن تأسيسها جاء تحت رعاية محمد علي باشا مؤسس نهضة مصر بالنصف الأول من القرن التاسع عشر في سياق اهتمامه بتطوير منظومة الخدمات الصحية بالجيش المصري ومنظومة الصحة العامة لمواجهة الأوبئة والأمراض المتوطنة: «الكوليرا والطاعون والجدري» بمصر.

تأسست مدرسة الحكيمات عام 1832 أي بعد نحو خمس سنوات من تأسيس مدرسة الطب المصرية التي تأسست عام 1827 على يد الطبيب الجراح الفرنسي أ.ب كلوت بك الذي استعان به محمد علي باشا لإدخال النظام الصحي الغربي إلى مصر خلال عمليات التوسع في الجيش المصري.

مستشفى ومدرسة الطب بالقصر العيني ١٨٣٨
مستشفى ومدرسة الطب بالقصر العيني ١٨٣٨

تأسست المدرسة لتعليم وتدريب الحكيمات كمساعدات طبيات وتم تسمية المدرسة «مدرسة القابلات» وقد شدد المنهج الدراسي بالمدرسة على عمليات الوضع ورعاية الطفل وأطلقت المدرسة على خريجاتها لقب «حكيمة» كي يتم التمييز بينهن وبين «القابلات» الشعبيات غير المدربات المعروفات بلقب «الداية».

الملتحقات بمدرسة الحكيمات كن في حاجة لست سنوات دراسية كاملة للتخرج من المدرسة وهى فترة كبيرة للغاية لم تعهدها النساء بالعالم بذات الوقت وتمثلت أولى العقبات التي واجهت كلوت بك عند تأسيسه للمدرسة في مشكلة إيجاد مرشحات لهذا التدريب، إذ كيف للنساء بمصر أن يخرجن ويبدأن في التعامل مع الأطباء الذكور بالنصف الأول من القرن التاسع عشر؟!

اقترح كلوت بك على محمد علي باشا أن يعتمد على النساء من فئة «العبيد» حيث لم تكن العبودية قد انتهت من مصر بذاك الحين فوافق الوالي على تجنيد فتيات شابات من العبيد كأول تلميذات بالمدرسة وأكد كلوت بك عند حصوله على التمويل اللازم لتاسيس المدرسة على أنه سيحرص على تعليم النساء بأماكن منفصلة بالقرب من المستشفى العسكري الذي كان يقع خارج القاهرة ومع انتقال مدرسة الطب إلى القاهرة عام 1837 انتقلت مدرسة الحكيمات إلى العاصمة أيضا والحقت أجنحة إقامة الحكيمات بجناح النساء بالمستشفى المدني.

كلوت بك
كلوت بك

تم إلحاق ثماني طالبات سودانيات وحبشيات بالمدرسة في المرحلة الأولى، أجادت الفتيات القراءة والكتابة باللغة العربية خلال عامين، أما سنوات الدراسة التخصصية فكانت مدتها أربع سنوات اكتسبن خلالها مهارة التعامل مع الجروح والتشريط والتكبيس بكاسات الهواء وأتقنوا عمليات الوضع عبر دليل تعليمي أساسي واستعمال الحجامة والتعرف على العقاقير الأكثر شيوعا وطريقة تحضيرها، والأكثر مهارة من بين المتدربات تصبح فيما بعد مشرفة ومدربة لفرق الطالبات بالسنوات الدراسية الأدنى.

وفرت المدرسة للملتحقات بها الإقامة والملابس والطعام وخلال السنتين  تلقت كل تلميذة عشرة قروش كمصروف شهري زاد هذا المصروف إلى 35 قرشا مع تقدمهن في التدريب المتخصص والتلميذات اللائي تمكن من اجتياز الامتحان بتفوق تم تعينهن كمساعدة مدرس مقابل مصروف ما بين 75 ومائة قرش في الشهر، أما التليمذات اللائي لم يجتزن الامتحان فتم طردهن من المدرسة وتعينهن معاونات بالمستشفى المدني، ومُنِحَت خريجات المدرسة ترخيصا لإعطاء التطعيمات وإجراء عمليات الوضع وعلاج النساء والأطفال مجانًا، كما تم منحهن رتبة ملازم ثان.

احتفت الجريدة الرسمية «الوقائع المصرية» عام 1845 بمدرسة الحكيمات مشيرة إلى أنه قد جرى ترتيب زواج بعض خريجات المدرسة بأطباء مصريين، وفي عام 1847 نشرت الجريدة أن عدد طالبات المدرسة قد بلغ ستون طالبة، ومع قدوم عام 1849 باتت كل تلميذات المدرسة من المصريات.

جريدة الوقائع المصرية
جريدة الوقائع المصرية

دور الحكيمات

أزمة رحلة الحكيمات المصريات لم تقتصر على صعوبة السماح للفتيات المصريات بالالتحاق بالمدرسة في بداية نشأة مدرسة الحكيمات ولكن الأزمة ربما الأكبر تمثلت في عزوف النساء المصريات بذاك الحين عن الذهاب للمستشفيات لتلقي العلاج أو للوضع، ما جعل الحكومة المصرية تقترح تقديم منح مالية للنساء اللاتي ترتاد المستشفيات من أجل الوضع قيمة المنحة ثلاثين قرشا إلى جانب مجموعة من الملابس لوليدها ثمنها 12 قرش.

بمرور الوقت اتسع مجال نشاط الحكيمات بصفة خاصة بمجال تطعيم الأطفال ضد الجدري وقد أشارت الجريدة الرسمية إلى أن 61 ألف طفل تم تطعيمهم ضد الجدري خلال الفترة من إبريل إلى يوليو 1840، وخلال عام 1848 نشرت الوقائع المصرية تقارير دورية حول التطعيمات التي قدمت للأطفال والتي بلغت أكثر من 600 طفل شهريا.

ساهمت الحكيمات إلى جانب دورهن في التطعيم في عمليات التحقق من وفاة النساء حين تقرر إصدار حصر دوري بالوفيات وبذلك فقد ساهمن في دعم عمليات إحصاء الوفيات، ورغم كل الصعوبات التي أعاقت رحلة الحكيمات المصريات إلا أن التاريخ مازال يحفظ لهن ذاك الدور البارز الذي قمن به في القضاء على مرض الجدري من مصر خلال القرن التاسع عشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock