رؤى

الكتب العشرة المؤسِسَةُ للعنف (6): بين ممارسة العنف وقناعات التطرف

أثارت سلسلة مقالات “الكتب العشرة المؤسسة للعنف” نقاشا واسعا على بعض صفحات السوشيال ميديا ، وكان موقع “أصوات” قد نشر السلسلة مؤخرا والتي كتبها الدكتور كمال حبيب الباحث المرموق في العلوم السياسية وشؤون الجماعات الإسلامية،  وهو من أخبر الناس في هذا الحقل المعرفي وأكثرهم نزاهة ومصداقية.

 قدمت المقالات تحليلا عميقا للدور الهام الذي لعبته الأفكار، كتابا بعد كتاب، في تقديم التبرير الشرعي والفقهي  لحالة التوحش والتوسع في العنف والقتل من قبل هذه الجماعات طوال العقود الأخيرة، بداية من كتب المودودي ثم سيد قطب وصالح سرية  حتى كتب سيد إمام الشريف وما تلاها من كتب اعتمد عليها تنظيمي الجهاد وداعش وغيرها من التنظيمات العنيفة في تجنيد الكثير من شبانا حتى يومنا هذا.

مثّل هذا الاهتمام والجدل من قبل القراء حول الموضوع نوعا من الخرق الملفت لحالة العزوف العام عن النقاش الفكري، بما فيه ما يخص الإسلام السياسي عموما والحركات التي ترفع راية الدين لتبرير استخدام العنف ضد مخالفيها خصوصا.

واستجابة لهذا الاهتمام، سيوالي الموقع نشر عدد مختار من المقالات المهمة التي علقت على سلسلة د. حبيب، تأييدا أو اختلافا أو تصحيحا أو تطويرا من أجل المزيد من الفهم لهذه الظاهرة المعوقة لأى أمل في استعادة تماسك مجتمعاتنا واستئناف نهضتها المؤجلة.

ثم سننشر في النهاية تعليقاً ختامياً إضافياً للدكتور كمال حبيب كاتب السلسلة يستوعب ويتفاعل مع هذا الجدل وهذه التعليقات، ويضع رؤيته الخاصة كخبير في هذا الملف عن خطر هذه الكتب وانحرافها العقدي..
وهذا هو المقال السادس في تلك التعليقات.. لـ علاء سعد حميدة

[divider style=”solid” top=”20″ bottom=”20″]

دعاني أستاذي الكريم دكتور كمال حبيب، وهو من أعلام الفكر  في مصر والعالم العربي، إلى تجميع مناقشاتي لحلقات مراجعته الفكرية (الكتب العشرة المؤسسة للعنف) والتي كنا نتبادلها مع كثير من قراءالدكتور على صفحته الشخصية على الفيسبوك، وتقديمها في نهاية عرض الحلقات كمساهمه في تعميق النقاش حول ما طرحه الدكتور من خلال بحثه القيم.. لا سيما أن كثيرا من آراء القراء وتعقيباتهم كانت تنصب على أن السبب الرئيسي الباعث على استخدام تيارات شبابية للعنف،محصور في قمع أنظمة الحكم للحريات، وانسداد سبل التغيير السلمية، وممارسة الاضطهاد والتعذيب ضد شباب التيار الإسلامي، والمؤامرة العالمية التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين وضد صحوتهم!

وكأن الكتب التي تؤسس للعنف والتي تناولها الدكتور كمالفي بحثه ما هي إلا صرخات في وجه الظلم والظالمين، ولولا الظلم ما عملت هذه الكتب عملها في عقول الشباب المسلم!

وكانت مجموعة أفكاري تجاه ظاهرة العنف على النحو التالي:

أولا: العلاقة بين ممارسة العنف وبين الغلو أوالتطرف

العنف هو ممارسة عملية، بينما الغلو أو التطرف أوالتعصب هو توجه فكري وشعور نفسي.. لكن العنف غيرالمشروع لا يمكن له أن ينشأ في فراغ بدون رؤية وتوجيه فكري منحرف، سواء عرَّفناه بالغلو أو التطرف أو التعصب أو الشذوذ الفكري في فهم النصوص، فكل عنف يمارس على الأرض هو في الواقع نتاج فكرة متطرفة شاذة عنيفة.. أو بمعنى آخر العنف غير المشروع هو عرض لمرض مؤسس له اسمه الغلو والتطرف والتعصب.. ومن الواجب مواجهة المرض لينتفي العرض..

مكافحة التطرف
مكافحة التطرف

ثانيا: الغلو غريزة بشرية

من استقراء التاريخ البشري نجد أن الغلو غريزة بشرية ضارة أو سيئة مثل غرائز أخرى كثيرة يولد بها الإنسان، كالطمع والشح والأنانية والنرجسية والكبر والحسد.. وكلها غرائز مولودة مع الإنسان يعمل الدين والنسق القيمي الاجتماعي على تهذيبها وتحجيمها في أصغر صورة ممكنة.. إن عبادة الملوك في الأمم السابقة ما هي إلا صورة من صور الغلو في تقدير هؤلاء الملوك والحكام تصل إلى تقديسهم، وعبادة الأصنام كانت أصلها غلوا في أشخاص صالحين تم تخليدهم في صورة تماثيل ثم أعقب ذلك أجيال عبدت تلك التماثيل، كما حدث مع قوم نوح عليه السلام (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَاسُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) سورة نوح23، وفي التفسير أن هؤلاء أسماء رجال صالحين من قومهم، وقد أدى الغلو فيهم إلى عبادة تماثيلهم لاحقا.. ولو راجعنا كل خروج عن دين الله في الأمم السابقة لوجدناه بسبب الغلو في التدين أو الغلو في الأنبياء أو الصالحين: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖيُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ) سورة التوبة30، ولذلك حذر القرآن الكريم أهل الكتاب من الأمم السابقة على الإسلام من الغلو في الدين:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ) سورة النساء172، وحذرت السنة النبوية المسلمين من الغلو في الدين، حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغلو في الدين سبب هلاك الأمم السابقة: «أيها الناس! إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» أخرجه أحمد:1/215، والنسائي:268، وابن ماجه:3029.

ثالثا: الغلو في الاعتقاد أو المذهب أو الأشخاص سبب العنف في أنحاء العالم

​إذ يؤدي هذا الغلو دائما إلى تحقير المخالف ونفي إنسانيته وسرعان ما يتحول إلى شرعنة قتله والتخلص منه، إن المجازر الذي يتعرض لها المسلمون في بورما (ميانمار) على يد البوذيين من سكان المنطقة يعطي انطباعا قويا بأن تعاليم بوذا ولا شك تدعو إلى العنف الإجرامي وتؤسس له، لكن بالرجوع إلى تعاليم بوذا نجدها تحث على التسامح حتى تكاد تحرِّم القتل كما تحرِّم الخمور والموبقات (القواعدالخمس التي تشكل أساس الممارسات الأخلاقية للبوذية:

الكف عن القتل، الكف عن أخذ ما لم يُعطى له، الكف عن الكلام السيئ، الكف عن السلوكيات الحِسية المُشينة، الكف عن تناول المشروبات المُسْكِرة والمخدرات..بإتباع هذه التعاليم يمكن القضاء على الأصول الثلاثة للشرور: الشهوانية، الحِقد والوَهم). بالمقارنة بين التعاليم المتسامحة وبين الممارسات العدوانية الإجرامية التي تشكل جرائم ضد الإنسانية يكمن الغلو في الاعتقاد.. هذا الغلو الذي قد يكون لجنس بشري على حساب جنس، أو لون على حساب لون، أو عرق بشري على حساب آخر.. فكل عنف يمارس في هذا العالم نتج حتما عن غلو أدى إلى نفي إنسانية الآخر ومن ثم محاولة محوه من الوجود.

رابعا: الغلو بسبب الخطأ في قراءة وفهم النص المقدس، والتأثر الخاطئ بالتراث.. وذلك على نحو:

1 – اقتطاع النص من سياقه اللغوي وسياقه الظرفي الموضوعي. مثل رفع شعار قوله تعالى: (وقاتلوهم)، دون النظر إلى السياق اللغوي الذي يعلل الأمر بقتالهم للمسلمين، أو قتالهم كافة كما يجتمعون كافة لقتال المسلمين.. ليس الأمر هنا لمطلق القتال لا لغة ولا موضوعا، ومثل قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنرِّبَاطِ الْخَيْلِ) سورة الأنفال60 ، فيتخذها البعض شعارا عاما دافعا –ربما إلى العدوان، بينما استكمال الآية الكريمة يقول (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَاتَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)، والقرآن الكريم هنا يقر أعظم أنواع السلم العالمي القائم على توازن القوى، وهو خيار سلام استراتيجي قائم على مبدأ تكافؤ القوى الذي يمنع أي قوة من محاولة الاعتداء مخافة من رد الاعتداء بالمثل.. ومثل الاستشهاد بقوله صلى الله عليه وسلم لأئمة الكفر من قريش: “تسمعون يا معشر‏ ‏قريش، ‏أما والذي نفس‏ ‏محمد ‏ ‏بيده‏ ‏لقد جئتكم بالذبح؛” رواه أحمد في مسنده! إن الاستدلال بمثل هذا الحديث مقتطعا من سياقه الزمني والظرفي الموضوعي يتنافى ولا شك مع نصوص الإسلام الأخرى المحكمة، كقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)سورة الأنبياء107، وكقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا رحمة مهداه”، بل وتجلى ذلك في فعله في كل سيرته، فلما عرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، قال: “لا لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا”، ومع أسرى بدر إذ قبل الفداء مرجحا إياه على قتلهم، وبعد فتح مكة إذ قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء”.. فأين موضع قوله: “لقد جئتكم بالذبح” من نصوص القرآن والسنة، ومن سيرته صلى الله عليه وسلم؟! كل ذلك معناه أنه تم اقتطاع النص من سياقه الظرفي الموضوعي..

2 – عدم رد النصوص الظرفية إلى النصوص الحاكمة التي عليها مدار الدين

فلا شك أن قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ) سورة البقرة256 ، وقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) سورة يونس99، هي من أصول الدين الذي لا يقبل الإكراه، بل وجعل الإكراه على الكفر غير محقق للكفر، إذ يبقى المؤمن على إيمانه ولو نطق بكلمة الكفر مكرها، لقوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)سورة النحل106، فكيف نحتج بحديث: “أمرت أن أقاتل الناس ،حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ،ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى” رواه البخاري ومسلم، ولا شك عند المتأمل أن هذا الحديث الشريف إنما يحث على قتال المشركين المحاربين، وأما المشرك المسالم أو المعاهد ، الذي يكف أذاه عن المسلمين فهو معصوم الدم، وهذا مقتضى سيرته صلى الله عليه وسلم مع المشركين فلم يقتلهم أو يأمر الصحابة بقتلهم إلا من خلال مواجهة حربية، بل كان يتفاوض معه المشركون وهم على شركهم، كما حدث عند الحديبية، وكما جاءه أبو سفيان إلى المدينة بعد نقضهم العهد، ولم يقتلهم النبي ولم يأمر بقتلهم، وكذلك فعل مع يهود المدينة إذ صالحهم حتى حاربوه، بل لما أطلق طلقاء مكة بعد الفتح لم يشترط عليهم الإسلام قبل الإطلاق.. فإن رد النص الظرفي إلى النص الذي عليه مدار الدين هو العاصم من الغلو في الفكر أو الشذوذ في الفهم.

الارهاب

3 – عدم تنقيح مرويات التراث بشروط علم الحديث

​لقد رأينا في الفكرة السابقة أنه حتى إذا صح الحديث فيجب قياسه إلى النص الأعلى وهو القرآن الكريم، وفهم المعنى في ضوء فهم توجيهات القرآن الكريم قطعية الثبوت والدلالة.. لكننا أيضا أمام معضلة أخرى وهي الاستناد إلى أحاديث ضعيفة السند أو غير قطعية الدلالة بما تحمله من أوجه متعددة للتأويل، ومثال ذلك تعرض كثير من كتب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حوادث اغتيال أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها مبالغات بالغة الشذوذ تروي أن سرايا الاغتيال كانت تقطع الرؤوس وتحتفظ بها ثم تضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم!! إن أغلب كتب السيرة تنسب إلى النبي والصحابة القيام بسبع عمليات اغتيال لقادة الشرك، ومن الكتب ما زاد في العدد على هذه السبع المشهورة، ولقد وجدت بتطبيق شروط صحة الحديث من اتصال السند وعلوم الجرح والتعديل أن الثابت من هذه العمليات ثلاث عمليات فقط وقد تم تنفيذها وفق ضوابط احترازية شديدة، وهي مقتل كعب بن الأشرف، وخالد بن سفيان الهذلي، وأبي رافع سلام بن أبي حقيق، وأما بقية الوقائع فهي غير قطعية الثبوت، وكل ما قيل عن إلقاء الرؤوس المقطوعة بين يدي رسول الله موضوع لا صحة له ولا أصل!!..

إنه بدون تنقيح التراث من المرويات الضعيفة الواهية سيظل هناك مجالا خصبا لكل داعية إلى العنف أن يأخذ من نصوص التراث مسوغا لدعوته، ناسبا إياها إلى النبي الأعظم وإلى كبار الصحابة!

خامسا:

إن الغلو في فهم النص نشأ قديما على عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على النحو الذي كان من الخوارج إذ تأولوا النص القرآني تأولا خاطئا فرفضوا التحكيم في كتاب الله رغم أمر القرآن الكريم بتحكيم الرجال بوضوح في غير موضع من مواضعه.. وأن هذا الغلو الدافع للعنف والذي مارسه الخوارج مع صحابة النبي إذ قتلوا الإمام علي بن أبي طالب، وتآمروا على قتل معاوية وعمرو بن العاص.. فأسس الخوارج للعنف قبل أن يؤسس له غيرهم من الأجيال اللاحقة!

والخلاصة أن مواجهة العنف تحتاج قبل أي شيء إلى مواجهة الفكر الغالي أو المتطرف الذي يدفع إليه، سواء إن كان ذلك في تلك الكتب العشرة التي أشار إليها مولانا الدكتور كمال حبيب، أو كان ذلك كامنا في المرويات ضعيفة السند أو الموضوعة أو المأولة تأويلا شاذا في كتب التراث القديمة!

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock