فن

شادي عبد السلام: حارس “المومياء ” وأخناتون السينما 

ما تزال أصداء فعاليات “موكب المومياوات” تسيطر على الرأي العام العالمي خاصة مع نجاح مصر فى تقديم صورة شديدة الإبهار لهذا الحدث الاستثنائي.

وقد ظهر مشاهير الفن في مقدمة الصفوف للترويج للحدث التاريخي مما أثار التساؤلات مجددا حول قدرة السينما المصرية والعالمية على التعبير عن عظمة الحضارة المصرية القديمة ومدى استلهامها لأفكار ورؤى سينمائية من روح وتفاصيل تلك الحضارة التي ما يزال معظمها يستعصي على التفسير أو التكرار.

فى السينما العربية يقف شادي عبد السلام ورائعته “المومياء” في صدارة الأعمال المبهرة وقد امتلك سحرًا فنيًا خاصًا ورغم أنه تم تقديمه عام 1969 إلا ان الزمن لم يكن كفيلا بتقديم عمل يضاهى المومياء سواء على المستوى الفني والتكنيك السينمائي أو على مستوى قدرة صناعه على الغوص فى أعماق الروح المصرية مما جعل الفيلم يستحق أن يحتل المركز الأول بقائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية

وقد قال ” شادي ” عن هذا الفيلم: ” أريد أن أعبر عن نفسي وعن مصر. أريد أن اعبر عن شخصية الإنسان المصري الذي يستعيد أصوله التاريخية وينهض من جديد “

ويعتبر “فيلم المومياء…يوم أن تحصي السنين ” من أهم الأفلام العربية التي قدمت في تاريخ السينما وهو يعالج قضية الهوية والحفاظ على التراث الحضاري لمصر فقد كان شادي يرى أن الحضارة المصرية القديمة هي عبارة عن تجربة إنسانية وفكرية عميقة تستحق أن تدرس وتستلهم لتكون مصدرا لنهضة وتقدم مصر. وقد استهل شادي فيلمه المومياء بعبارة

“يا من تذهب سوف تعود

يا من تنام سوف تصحو

يا من تمضي سوف تبعث”

وكانت تلك العبارة التي تصدرت الفيلم تحمل رسالة واضحة من مخرجه وهي أن الاجداد قادمون وأن هذا الماضي بعظمته سوف يعود

وقد حصد فيلم المومياء العديد من الجوائز في المهرجانات العالمية منها جائزة (سادول) وجائزة النقاد في مهرجان قرطاج 1970 م

عن ” المومياء “

استخدم “شادي عبد السلام ” قصة حقيقية حدثت في عام  (1871) عن قبيلة اسماها قبيلة “الحربات”، في صعيد مصر تعيش على سرقة وبيع الآثار الفرعونية. وعندما يموت شيخ القبيلة يرفض أولاده سرقة الآثار فيقتل الأول على يد عمه بينما ينجح الثاني في إبلاغ بعثة الآثار عن مكان المقبرة التي تبيع قبيلته محتوياتها. أما القصة الأصلية فأبطالها  أفراد من عائلة “عبد الرسول ” ينجحون في اكتشاف ما بات يعرف بخبيئة مومياوات الدير البحري (الدير البحري 320) والتي ضمت مومياوات أعظم الآثار الفرعونية في مصر  مثل أحمس الأول وسيتي الأول ورمسيس الثاني.

المومياء الذي أنتجته المؤسسة المصرية العامة للسينما وكتبه شادي عبد السلام وقام برسم كل مشاهده قبل تنفيذها لتكون المرة الأولى فى تاريخ الفن السابع التي يبدأ  فيها مخرج العمل بتلك الخطوة حتى أن الفيلم كان قبل تنفيذه بمثابة ألبوم كامل للوحات التي تجسد كل تفاصيله

استطاع “شادي ” من خلال “المومياء ” أن يعيد اكتشاف نجوم العمل ويضعهم في مناطق مختلفة من حيث الاداء التمثيلي ولعل شخصية “ونيس “ التي جسدها ” أحمد مرعى ” كانت  كفيلة  بأن تجعله واحدا من أهم نجوم الصف الأول في السينما العربية لولا معوقات الإنتاج وسوء الحظ الذى صادفه في اختياراته فيما بعد المومياء.

أما النجمة “نادية لطفي ” فتعرفت على شادي أثناء عمله مساعداً للمخرج يوسف شاهين في رائعة ” الناصر صلاح الدين ” وتوثقت الصداقة بينهما فقد قبلت في عز مجدها الفني دور ضيف شرف لشخصية “زينة ” التي لم تنطق كلمة واحدة فى الفيلم وانحصر أداؤها في تعبيرات الوجه ونظرات العين.

نادية لطفي من فيلم المومياء
نادية لطفي من فيلم المومياء

وقد كتب الناقد فتحي العشري في كتابه “سينما نعم. سينما لا.. ثاني مرة”: “لأن نادية لطفي تقدر الصداقة، فقد تطوعت للعمل في فيلم (المومياء)، وفي دور صغير؛ حتى يتمكن شادي من تنفيذ الفيلم الذي تعثر إنتاجيا، ولم تكتف بذلك، بل اشتركت في فيلمه التسجيلي (جيوش الشمس)، وأنتجت الفيلم التسجيلي (سانت كاترين) “

وفي مقال منشور في مجلة “القاهرة” في ديسمبر عام 1994 -العدد 145-بعنوان “حكايات منقوشة على حائط القلب “

تحكي نادية عن فترة تصوير الفيلم التي استمرت عامين: “توطدت أواصر الصداقة والمحبة بيننا، وأحسست أنني أمام شاب ممتلئ بالكبرياء والمعرفة، ومن خلاله تعمقت علاقتي بالفنون على مر العصور، وازدادت اهتماماتي بمعرفة التاريخ، والتقت شخصيتي وشخصيته في أمر غريب، وهو حبنا لمتابعة الأعمال الفنية الراقية ومناقشاتنا لها والاستمتاع بها بالدرجة نفسها التي نتابع بها الأعمال الرديئة الهابطة من أجل الضحك والسخرية وتدريب ذكائنا على القفشات السريعة والتلاعب بالألفاظ “

 والمؤكد أن فيلم المومياء قد وضع صاحبه في مكانة كبيرة ومميزة بين مخرجي العالم فاختير شادي ضمن أهم 100 مخرج على مستوى العالم خلال تاريخ السينما في العالم من رابطة النقاد الدولية في فيينا كما احتل المومياء المرتبة الأولي في استطلاع الأفلام الأجنبية الذي أجري في فرنسا عام 1994م

رسم شادي عبد السلام لفيلم المومياء
رسم شادي عبد السلام لفيلم المومياء

 شادي عبد السلام … المسيرة الغنية

شادي عبد السلام هذا الجنوبي المبدع ولد في مدينة المنيا في 15 مارس 1930 م. وتخرج من كلية فيكتوريا بالإسكندرية عام 1948 م. ودرس لاحقا فنون المسرح في لندن في الفترة من 1949 م. إلى 1950 م.

التحق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة وتخرج منها عام 1955 م. وأتاحت له تلك الفترة أن يكون تلميذا للمعماري السكندري الشهير حسن فتحي فعرف من خلاله الفنون الإسلامية

بدأ شادي عبد السلام حياته السينمائية عن طريق المخرج صلاح أبوسيف في فيلم (الفتوة)، وكان عمله وقتها يقتصر على تدوين الوقت الذي تستغرقه كل لقطة،

 ثم عمل مصمماً للديكور وعمل مساعداً للمهندس الفني رمسيس واصف عام 1957 م ثم شارك شادي في الفيلم البولندي ” الفرعون ” من إخراج كافليرو فيتش. وهي نقطة البداية الحقيقية في مشواره وشارك في إعداد ديكورات الفيلم وأزيائه واكسسواراته

فيلم الفرعون لكافليرو فيتش
فيلم الفرعون لكافليرو فيتش

عمل أيضا كمساعد مخرج في فيلم ” وإسلاماه ” إخراج أندرو مارتون. والفيلم الإيطالي ” الحضارة ” للمخرج ” روبرتوسلليني “والفيلم الأمريكي ” كليوباترا ” للمخرج ” جوزيف مانكوفيتش “

بعد المومياء قدم شادي عددا من الأفلام القصيرة التي تمثل نقطة مضيئة في مسيرة الأفلام القصيرة المصرية منها فيلم الفلاح الفصيح ” 1970 الفيلم الرائع المأخوذ عن إحدى البرديات الفرعونية القديمة والمعروفة باسم ” شكوى الفلاح الفصيح “. وقد فاز فيلم ” الفلاح الفصيح ” بجائزة السيدالك في فينسيا في نفس العام

وفى عام 1974 قدم شادي  فيلم “جيوش الشمس ” عن ملحمة العبور وشاركته الفنانة نادية لطفى كما قدم ” كرسي توت عنخ آمون الذهبي ” وفى عام 1984 قدم “الأهرامات وما قبلها ” 1984 و”رع رمسيس الثاني ” 1986 “

حلم “إخناتون “

ظل شادي عبد السلام مولعا بالتاريخ الغائب مشغولا بالهوية متمسكا بالجذور كان عشقه للتاريخ الفرعوني. وحضارة قدماء المصريين طريقه نحو بعث الروح فى  تاريخ الأجداد  ومحاولة لم تتوقف لاستحضار تلك العبقرية المصرية القديمة كى تكون نبراسا وحافزا وملهما لواقع أفضل ومستقبل يستحقه هذا الشعب

كان يبحث فى ماض مجيد عن مصادر لتعميق قيمة الوطن فى وجدان الأجيال الجديدة من خلال ربطهم بماضيهم وحضارتهم وجذورهم

بعد “المومياء” عكف  شادي على مشروعه الكبير الثاني – والذي لم ير النور  – وهو فيلم “مأساة البيت الكبير” أو كما عرف باسم (إخناتون) نسبة إلى الشخصية المحورية فيه شخصية إخناتون. وظل يعيد في كتابته عشر سنوات، وقام بإعداد تصميمات وديكورات الفيلم بالإضافة إلى الأزياء والإكسسوارات

محمد صبحي من كواليس فيلم إخناتون
محمد صبحي من كواليس فيلم إخناتون

ورغم تعثر الإنتاج بعد تخلى الدولة عن دعم السينما منذ بداية السبعينيات فقد رفض “شادي “عدة عروض لإنتاج الفيلم فقد كان يرفض المنطق التجاري من أساسه وسعى إلى أن تقوم وزارة الثقافة بإنتاج الفيلم الذي يتطلب تكلفة إنتاجية عالية لكن جهوده باءت بالفشل ليرحل العبقري العظيم دون أن يحقق حلمه في إنتاج فيلم “إخناتون “

وبعد كل هذا الزمن ما نزال ننتظر “إخناتون “جديدا بروح شادي وتوهج موهبته وولعه الذي لا يهدا بتاريخه وعظمة أجداده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock