رؤى

القطب الشمالي ليس بديلًا عن قناة السويس.. لذا  يجب أن نحافظ عليها بهذه الطريقة

تتمثل إحدى الطرق الواضحة للحد من التوترات في منطقة القطب الشمالي في إبطاء وتيرة تغير المناخ واستخدام طرق البحر الشمالي

أثار توقف حركة الملاحة الأخير في قناة السويس العديد من التعليقات حول جدوى طريق بحر الشمال كبديل لخطوط التجارة العالمية المليئة بالنقاط الخانقة. ولكن لا يزال هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن تحويل حركة المرور إلى الشمال لا يمكن أن يحدث الآن، ولن يحدث في أي وقت في المستقبل القريب. وربما، كمسألة تتعلق بالسياسة الأمريكية، لا يجب أن يحدث ذلك على الإطلاق.

عادة ما ترتكز الحجج الاستراتيجية لزيادة الاستثمارات والحضور الأمريكي في القطب الشمالي إلى ظاهرتين متداخلتين، وهما زيادة إمكانية الوصول البحري، والقدرة على المزيد من الاستغلال التجاري. وتشير الاستراتيجية الأخيرة لسلاحي البحرية ومشاة البحرية (المارينز) إلى أن “ذوبان الجليد البحري يجعل مياه القطب الشمالي أسهل في الوصول والملاحة، ما يؤدي إلى مزيد من التجارة في العقود القادمة”.

وتحذر “استراتيجية الجيش” من”طرق التجارة البحرية السريعة المحتملة في المستقبل”، في ظل وجود طرق أقصر من أوربا إلى آسيا” تتجنب الممرات البحرية الخانقة. كما تشير استراتيجية وزارة الدفاع إلى المكاسب الصينية، التي ترتكز مصالحها في القطب الشمالي على “الوصول إلى الموارد الطبيعية، والفرص التي تتيحها الطرق البحرية في القطب الشمالي لحركة الشحن الصينية”.

ذوبان الجليد وتأثيره على الحياة البرية
ذوبان الجليد وتأثيره على الحياة البرية

التغير المناخي

المنطق السائد هو أن التغير المناخي سيؤدي إلى مزيد من التجارة والشحن في القطب الشمالي، ما سيؤدي إلى زيادة الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، الأمر الذي سيتطلب المزيد من الموارد الدفاعية.

لكن الحلقات الأولى في هذه السلسلة المنطقية تستحق  أكثر من مجرد إشارة. فالطريقة الأكثر شمولا لاحتواء القضايا الأمنية في القطب الشمالي، والحد من الطلب على الموارد الدفاعية، تتمثل في معالجة التغير المناخي وتداعياته المباشرة على الشحن هناك.

وإذا كان من الحكمة أن تتحوط وزارة الدفاع ضد إخفاقات التقليل من حدة التغير المناخي، فإنه يصبح من الأهمية بمكان تشجيع التنمية المستدامة لتجنب النتائج المزعزعة للاستقرار بهذه المنطقة. إحدى هذه النتائج، كما تظهر الاستراتيجيات، هي التحول في خطوط الاتصال البحري، والذي يغذي، على سبيل المصادفة، مصدر القلق الأساسي المتعلق بتغير المناخ.

من ناحية أخرى، يمكن ان يؤدي ذوبان الجليد البحري والأنهار الجليدية، الناتج عن انبعاثات الكربون الأسود (التي تزداد حتى مع تراجع المصادر الأخرى)، واحتمال وقوع كوارث بحرية نتيجة لطرق بحر الشمال المحدودة إلى تسريع الاحترار وتدهور النظام البيئي الحساس بالمنطقة.

ربما يكون هذا أمرا سيئا بشكل عام، ولكنه يزداد سوءا إذا نظرت وزارة الدفاع إلى ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي على أنه مزعزع للاستقرار الاستراتيجي، ما يستدعي ضخ الموارد لإدارة ديناميكيات القوة المتغيرة.

وإذا كانت مجتمعات المنطقة لا يمكن أن تقبل بالضغط من أجل القضاء على الاستثمار الاقتصادي في القطب الشمالي، فإن الولايات المتحدة يمكن أن تأخذ موقفا مناهضا للأنشطة الأكثر إضرارا بالبيئة، أو تلك التي تخاطر بتغيير التوزيعات الحاسمة لموازين القوة في المنطقة.

في كلتا الحالتين، يجب أن تدعم الولايات المتحدة المبادرات التي تهدف إلى تعديل مستوى حركة المرور في القطب الشمالي كسمة أساسية لسياساتها للأمن الإقليمي. كما أن التركيز على هذه الجهود من شأنه أن يبرزها كمسار للعمل المقبول على المستويين الأخلاقي والاستراتيجي.

وعلاوة على ذلك، فإن الحد من عمليات العبور لن يعني إلغاء هذه العمليات جملة واحدة، ومن ثم فإن وضعية الولايات المتحدة على طريق بحر الشمال كمضيق دولي يجب أن تبقى بلا منازع.

ذوبان الجليدإذا بدا الأمر في البداية وكأن الوقوف على بعد مسافة قصيرة من حركة الشحن في القطب الشمالي، والصراخ: “توقف”، شكلا من أشكال الحماقة، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الفكرة قابلة للتطبيق. فعلى سبيل الاستجابة لحملة الدعاية الأخيرة لطريق بحر الشمال، أكدت شركة “MSC ” للشحن التزامها بعدم استخدام طرق القطب الشمالي على أسس بيئية.

ويعد التعهد الذي تم تقديمه في عام 2019، هو الأول من نوعه بين الشركات العملاقة في مجال النقل، مثل “إيفرجرين”، والعديد من العلامات التجارية العالمية، مثل “رالف لورين”، و”بوما”، و”جاب”، و”إنش أند إم”، وهو تعهد جيد للبيئة، كما أنه سيصنع سياسة أمريكية أمنية سليمة، حيث تكافح وزارة الدفاع من أجل تلبية المطاب العالمية لقواتها.

وماذا عن التطبيق العملي لهذا النهج؟ من السهل أن تكون متشككا في ادعاءات المسؤولية الاجتماعية التي تطلقها الشركات، مثل تلك التي صدرت عن “إم إس سي”، خاصة تلك التي تعمد دائما إلى تأجيل الخيارات الصعبة. ومع ذلك، غالبا ما ترى الشركات مزايا تنافسية في تحمل خسائر محتملة (أو حتى حقيقية) لموضعة نفسها بصورة أكثر فاعلية.

فقد قبلت شركة “سي في إس” خسارة حوالي ملياري دولار في الإيرادات عندما توقفت عن بيع التبغ في عام 2014. وتم الحكم على هذا الإجراء قصير المدى بأنه مقامرة معقولة من أجل إبراز صورة العلامة التجارية على نحو أفضل، خاصة أن التدخين بات أقل شيوعا على أي حال.

وفي الولايات المتحدة، وفي معظم أرجاء أوربا، يتضاعف نشاط الشباب (وهم المستهلكون الأكثر أهمية، والمواهب الفذة، الذين تتنافس عليهم العلامات التجارية الاستهلاكية) لمقاومة تغير المناخ، وغالبا ما ينظرون إلى العمل من أجل مقاومة التغيرات المناخية باعتباره فرصة، وليس غرما، أو تكلفة.

وبالتالي، فإن تعهدات كتلك التي صدرت عن “إم إس سي”، وعلامات تجارية أخرى، قد تثبت قدرتها على الاستمرار، حتى عندما تصبح طرق القطب الشمالي أكثر اقتصادا وتوفيرا. وإذا كانت شهادة استراتيجيات القطب الشمالي الأميركية صحيحة (بأن زيادة حركة الشحن البحري هي سبب التحول في استثمارات الدفاع الأميركية في القطب الشماالي)، فإن الحماس المناخي المتزايد يمكن أن يكون رصيدا استراتيجيا للولايات المتحدة.

كما أن عدم الاهتمام المعلن من قبل شركات الشحن ضد استخدام طرق القطب الشمالي لم يتم دمجه على نحو جيد في استراتيجيات وزارة الدفاع الخاصة بإدارة منطقة متغيرة. ومع ذلك، إذا كانت الولايات المتحدة تريد تقليل الاحترار، وتجنب اضطراب ميزان القوة في القطب الشمالي، وحماية تخصيص الموارد لمجالات أخرى، فيجب عليها أن تفعل ذلك.

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock