ضمن التكليفات التي يُكَلِّف بها الله -سبحانه وتعالى- أنبياءه بمهام محددة، يأتي تكليفه -سبحانه- لنبيه موسى عليه السلام بـ”الذهاب إلى فرعون”؛ إلا أن موسى ما إن سمع التكليف الإلهي: “ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ” [طه: 24] حتَّى سأل المولى سبحانه وتعالى في “ثمانية” مطالب، كما وردت في قوله تبارك وتعالى: “قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٭ وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٭ وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٭ يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٭ وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٭ هَٰرُونَ أَخِي ٭ ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٭ وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٭ كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٭ وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٭ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا” [طه: 25-35].
وكان الرد الإلهي على سؤال موسى أن “أتاه الله ما طلب”، كما يدل على ذلك قوله عزَّ وجل: “قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ” [طه: 36] بما يؤكد على قدرته سبحانه في الاستجابة لما طلبه موسى -عليه السلام- لأنه إذا سأل الإنسان -أي إنسان- الله -سبحانه وتعالى- فأعطاه؛ دلَّ ذلك على قدرته -تعالى- في إجابة الطلب؛ أما إذا أعطاه الله -تعالى- بدون سؤال؛ دلَّ ذلك على المحبة الإلهية له.
وهذا نفسه ما تحقق مع نبي الله موسى -عليه السلام- من قبيل التأهيل الإلهي له، لما سيُكلف به من مهمة الذهاب إلى فرعون. إذ إن الله تعالى أعطاه “ثمانية” أُخرى دون سؤال منه؛ وهو ما يتبدى بوضوح في قوله سبحانه: “وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٭ إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٭ أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٭ إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٭ وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي” [طه: 37-41].
ومن ثم، فإن كان موسى عليه السلام قد طلب من ربه “ثمانية” مطالب، فقد أعطاه ربه عزَّ وجل “ثمانية” أُخرى دون أن يسألها موسى؛ وبالتالي، يجمع له الله تبارك وتعالى بين العطاء بالسؤال، والعطاء تكرما من غير سؤال.
تكليف موسى
لعل أولى الملاحظات على التكليف الإلهي لموسى -عليه السلام- هو اختلاف صيغة التكليف؛ فبعد أن كان التكليف لموسى فقط، كما في قوله سبحانه: “ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ” [طه: 24] إلا أن الصيغة -صيغة التكليف الإلهي- تغيرت، فأصبحت لموسى وأخيه هارون عليهما السلام، كما في قوله تعالى: “ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ” [طه: 43]؛ وكان ذلك نتيجة لما طلبه موسى من ربه عزَّ وجل: “وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٭ هَٰرُونَ أَخِي” [طه: 29-30].
ولنا أن نُلاحظ، هنا، أن توصيف فرعون بـ”إِنَّهُۥ طَغَىٰ”، إنما هو توصيف من رب العالمين، لأن فرعون كان قد ادعى “الربوبية”، وهو ما يؤكده قوله عزَّ من قائل: “فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ” [النازعات: 24]. وبالطبع، فإن هذا الادعاء هو “إسراف”، أي “تجاوز في الحدود”. بل إن توصيف فرعون بـ”إِنَّهُۥ طَغَىٰ” ليس هو التوصيف الوحيد له من رب العالمين؛ فإضافة إلى “الإسراف” فقد وُصِفَ بأنه علا في الأرض، كما في قوله عزَّ وجل: “وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ” [يونس: 83]، وهذا العلوّ هو “علوّ طاغية من البشر على غيره”.
ولنا أن نُلاحظ أيضا أن “تثنية” خطاب التكليف الإلهي “ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ”، قد سبقها الأمر الإلهي لموسى -عليه السلام- “ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي” [طه: 42]. وكما يبدو، فإن “الأمر” ليس فقط بالذهاب، ولكن الذهاب بـ”بِـَٔايَٰتِي” دلالة على صدق الرسالة التي سوف يحملونها إلى فرعون؛ هذا إضافة إلى الأمر الإلهي “وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي”. و”َلَا تَنِيَا” من التواني، أي الفتور أو التقصير؛ أما “فِي ذِكۡرِي”، فهي من الذِكر وهو “استحضار الشيء إلى الذهن”.
في هذا الإطار، يأتي تفصيل التكليف الإلهي الذي ترد خطوته الأولى: “فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا”، وهي خطوة مبدئية لها سبب محدد: “لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ”، وذلك كما في قوله سبحانه: “فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ” [طه: 44]. فالبداية بـ” قَوۡلٗا لَّيِّنٗا” تُعطي الفرصة لموسى وأخيه لعرض الحُجج والآيات التي طلب المولى عزَّ وجل منهما الذهاب بها إلى فرعون.
وهنا، نود أن نُشير إلى أن “لَّعَلَّهُۥ”، من المنظور الدلالي، تدل على “الاحتمالية” أكثر من كونها بمعنى “الرجاء” كما قال البعض من المفسرين؛ إذ كيف لله سبحانه وتعالى، العلي القدير، أن يطلب الرجاء!
لكن المنطقي أن تكون هذه الاحتمالية دافعا لنبي الله موسى وأخيه -عليهما السلام- في دخولهما على فرعون دخول من يمتلك احتمال أن “يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ”؛ أي دخول الواثق، لا دخول اليائس من هدايته. هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، أن الله عزَّ وجل إنما أراد أن يُقيم “الحُجة” على فرعون.. وهذا ما يؤكده قوله عزَّ من قائل: “رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا” [النساء: 165].
الحوار الإلهي
فماذا كان موقف موسى وهارون -عليهما السلام- من هذا التكليف الإلهي؟
هنا، يستمر الحوار الإلهي بين الله -تبارك وتعالى- وأنبيائه.. كما يتبدّى في قوله سبحانه: “قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ” [طه: 45] حيث يبدأ حوارهما مع الله، بعد تكليفه إياهما، بـ”الخوف” من رد الفعل الذي يتوقعانه من فرعون. ولأن الخوف هو “شعور في النفس يُثير التوجس والحذر والحيطة من شيء ما” لذا مِمَّ يخافان من فرعون؟ يأتي سياق الآية الكريمة ليوضح أسباب الخوف: “أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ”. و”يَفۡرُطَ” أي يتجاوز الحد في الأمر؛ ومضادها “يُفرِّط” (بتشديد الراء وكسرها)، أي يُقصِّر في الأمر. أما “يَطۡغَىٰ” فهي من التجبر، أي “يتجبر ويُسرف في الظلم”.
واستكمالا للحوار الإلهي مع موسى وأخيه -عليهما السلام- تأتي الطمأنة من الله سبحانه، بقوله تعالى: “قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ” [طه: 46]. وإضافة إلى القول الإلهي “لَا تَخَافَآۖ”، بما يلغي الخوف لديهما؛ فقد ذكر تبارك وتعالى التأكيد على عدم الخوف “إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ”. ومن ثم، فأيًا يكون رد فعل فرعون، فإن الله مع أنبيائه؛ وأيًا تكن حركة فرعون تجاههما، فإن الله “يسمع ويرى”، لأن الحركة – حركة فرعون – إما قول يُسمع، أو فعل يُرى.
والأهم، أن مثل هذا التأكيد الإلهي، يأتي بناءً على الوعد الإلهي: “وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٭ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ٭ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ” [الصافات: 171-173]؛ وهذه سُنَّة من سُنن الله تعالى؛ أي إنه قانون لا يتغير.
وللحديث بقية.