فن

لام شمسية.. دراما نفسية تفضح الواقع “المنافق”!

في مسلسل لام شمسية، يطرح المخرج كريم الشناوي، والكاتبة مريم نعوم، قضية بالغة الخطورة لم تُتَنَاوَل دراميا من قبل، على هذا النحو من العمق والمهنية، ما يجعل العمل بمثابة مرجع معتبر لمثل هذه الحالات.

يكشف العمل -من خلال أحداثه- عن كثير من الأمور التي يُنظر إليها – من جانب البعض- بوصفها مما يجدر السكوت عنه؛ اتقاء لردةِ فعلِ مجتمعٍ؛ يحمّل الضحية مسئولية الخطأ، وربما يلتمس الأعذار للطرف المخطئ.. مجتمع ينظر إلى مفهوم “الستر” من زاوية “منحرفة” تصل به إلى حالة من “التستر” على المذنبين.

“لام شمسية” اسم ذو دلالة، فاللام الشمسية، لام تكتب ولا تنطق، إذ يتبعها حرف مشدّد يتغوَّل عليها بشقيه الساكن والمتحرك.. وعدم النطق هنا يعني السكوت والتزام الصمت من جانب الضحايا على تجاوزات يرتكبها معهم أشخاص، لا يرتدعون عن أفعالهم الشائنة؛ لأنهم منساقون إليها بفعل عقد نفسية عميقة.

في مجتمع مدرسي تراقب المعلمة نيللي علاقات الطلاب ببعضهم البعض وبمعلميهم، بدافع خفي تكشف عنه الأحداث بعد ذلك.. الطفل يوسف ابن زوجها يستحوذ على تفكيرها، تحبه وترعاه وتخاف عليه على نحوٍ لافت، في عيد ميلاد يوسف ترى نيللي تصرفا مشينا من وسام زميلها وصديق زوجها تجاه يوسف، ما جعلها تصرخ متهمة إياه بتجاوز لا أخلاقي في حق الطفل، يتدخل الزوج طارق ويوسع وسام ضربا حتى يسقطه أرضا.. وينقل وسام إلى المستشفى بين الحياة والموت.. تتطور الأحداث مع الكشف عن بعض التفاصيل منها الحالة النفسية المرضية لزوجة وسام، وما تعانيه ابنته بسبب وضع الأم، ومحاولات والدة وسام مديرة المدرسة التي لم تصدق الاتهام الموجه لابنها- الدفاع عنه.

نيللي التي تعاني من ذاكرة مشوّشة، وتحاول تذكر ما حدث لها وهي طفلة، لكن عقلها يرفض إطلاعها على الحقيقية نظرا لفداحة الأمر؛ تُصدم مجددا عندما ترى طفليها في وضع يحاكي الاعتداء الذي وقع على يوسف، لتعرف بعد ذلك أن الأمر الشائن هو لعبة سرية (لام شمسية) ليس للأطراف الأخرى معرفتها أو الاطلاع عليها!

وسام الذي يستخدم طرقا شيطانية في الخداع، وإيهام ضحاياه بأن ممارساته طبيعية ولا غبار عليها، ويميزهم بنجوم مضيئة- يتمتع بثبات انفعالي ورباطة جأش تجعله يبدو دائما في مظهر المظلوم، لكنه ما يلبث أن ينهار في مواجهة مع والدته، التي نكتشف أنها سبب عقدته المستحكمة.

على الطرف الآخر يبدو الأب طارق شخصية مستهترة، يعيش في علاقة غير شرعية مع زميلة له في العمل؛ متذرعا بحالة زوجته الصحية التي تحول دون وجود علاقة طبيعية بينهما.

الإخفاء والتستر هما سبب تفاقم المشكلات وتطورها، والحل هو المواجهة والكشف مهما كانت العواقب.. ربما يكون هذا هو ما تريد مريم نعوم ومخرج العمل إيصاله لنا، فالحلول تتتالى ببدء هذه المواجهات، مواجهة نيللي لنفسها وللمجتمع واعترافها من خلال “السوشيال ميديا” أنها ضحية تلك الممارسات غير الأخلاقية، وكذلك ابنها (يوسف) وأنها لن تسكت على ذلك وستقاوم وستفضح المذنب.

يعود الأب إلى أسرته متمسكا بها ومدافعا عنها، بعد اكتشافه أن صديقته نهال تعيش معه في كذبة كبيرة نسجاها سويا، وأن العلاقة بينهما لا يمكن أن تستمر.

بالإضافة إلى الدقة المتناهية في تناول الحالة النفسية للشخصيات، وردَّات الفعل والاعتماد على متخصصين في كل صغيرة وكبيرة، يبرز الأداء بالغ الروعة للشخصية المحورية في العمل (وسام) الذي قدم من خلاله الفنان محمد شاهين واحدا من أهم أدواره، إذ قبض على كل تفاصيل الشخصية باحترافية شديدة؛ لدرجة أن الصراع الداخلي الذي تعانيه الشخصية والذي يصل إلى حد الاحتراق؛ كان يظهر في درجة عالية من ضبط النفس تصل إلى حد البرود.

أما أمينة خليل فقد جسدت من خلال نيللي دورا من أفضل أدوارها، كشف عن موهبة حقيقية وامتلاك كامل لأدوات التشخيص الفني على نحو مذهل.

لم يبتعد السعدني في دور طارق عن تفاصيل شخصيته، ما جعله يؤدي الدور بسهولة وعفوية دون جهد؛ ليصل إلى المطلوب من أقصر الطرق.

لابد من الإشارة أيضا إلى تفوّق الفنانة القديرة صفاء الطوخي في دور المديرة ومالكة المدرسة والدة وسام، وهي شخصية لديها العديد من الاعتبارات التي تجعلها تعمل تحت ضغط شديد؛ ولا تلقي بالا للمعاناة الإنسانية للمحيطين بها؛ لكنها ليست على يقين من موقفها هذا.. لذلك تهتز بشدة عند مواجهة وسام لها بأسباب انحرافه.

من الممكن اعتبار هذا العمل الفني الجيد بكل عناصره، أول محاولة درامية جادة للتعامل مع قضية مجتمعية خطيرة، يجب مواجهتها على كافة الأصعدة، كما أنه دعوة لطرح كثير من القضايا المسكوت عنها للنقاش العام.. دعوة للبوح والتحرر من ثقل الصمت الذي يفتك بقطاع عريض في مجتمعٍ يُفضّل دائما قهر الضعيف والتجاوز عن المذنب طالما أنه الطرف الأقوى!.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock