ثقافة

جماليات القصة القصيرة جدا.. “عطر الليل” لـ عمار علي حسن نموذجا (1-2)

الرواية، القصة القصيرة، المسرحية، المقالة، كل هذه الانواع الأدبية السردية ليست غريبة على سمع القارئ، وهى أيضا أنواع مستقرة من حيث التجنيس ووضوح الخطوط الفاصلة بين كل صنف منها، أما القصة القصيرة جدا، والومضة القصصية فهما نوعان أدبيان، لم ترسخ بعد أقدامهما على خريطة الأدب عامة، والأدب العربي خاصة.

فما إن تذكر لقارئ ما، ليس متمرسا في معرفة التصنيفات الأدبية والأنواع المختلفة منها، أنك تقرأ مجموعة قصص قصيرة جدا؛ حتى يتطلع إليك بعينين حائرتين متسائلتين:  ماذا تقصد بالقصة القصيرة جدا؟ أنا أعرف الرواية التي هي قصة طويلة ممتدة في الزمن، متعددة الشخصيات كثيرة الأحداث، بطيئة الإيقاع أحيانا، يتمهّل فيها الكاتب وهو يرسم شخصياته، يسرف أحيانا في وصف الأماكن والمناخ والملابس وأنواع الطعام، وقد يأتي فيها على ذكر ما شاء من علوم ومعارف وتاريخ وفلسفة، ويتعمّق في تحليل شخصياته نفسيا ومعرفيا وسلوكيا، يخوض فيها عوالم مختلفة، يجرّب فيها مستويات مختلفة من الأداء اللغوي، يمزج فيها بين النثر والشعر بغير تحفظ، يجمع فيها كل ما استطاع من تقنيات متلاعبا بها في مهارة كي يجذب انتباهنا.

ويمكن لقارئ آخر أن يقول لك: أنتم المتكلفون -أيها النقاد- لابد أن تلبسوا علينا الأمور، ما يضيرك لو قلت إنك تقرأ مجموعة قصصية وفقط؟ لماذا تحبون الغموض والمراوغة بإضافة كلمة تجعلنا في حيرة من أمرنا؟ نحن نعرف عن ظهر قلب القصة القصيرة، كما قرأناها منذ محمود البدوي، ويحيى حقي، ومحفوظ، وسعيد الكفراوي، ويحيى الطاهر عبد الله،  ويوسف إدريس، ورفقي بدوى، وغيرهم الكثيرين من المبدعين الذين كتبوا هذا الفن الراقي الذى عرفناه بوصفه نصا قصيرا قِصرا ملحوظا عن الرواية، وعرفناه محدود الشخصيات مقارنة بالرواية، واستمتعنا به لأنه محدود الموضوع، لا ينزلق إلى قضايا متشابكة كما تفعل الرواية، عرفناه نصا مكثفا لا يحتاج منا طويل وقت لإتمامه، فما بالك تضيف الآن كلمة جدا، بعد هذا النوع المحبب إلينا، يتطلع المستمع متسائلا: ماذا تعنى بكلمة مجموعة قصص قصيرة جدا؟ هنا وجدت لزاما علي أن أجلس مع المتسائلين عن هذا الفن  بغية توضيح الأمر واستجلائه، فقلت لهما معا -الذى حدثني عن الرواية وصاحبه الذى حدثني عن غرامه بالقصة القصيرة-  هذا النوع من السرد ربما كان آخر الأنواع الأدبية السردية التي أصبح لها مكانا ومكانة بين أنواع السرد، هو آخر الملتحقين بقطار السرد متعدد العربات، فقد أصبح له كُتَّابه الذين يجيدون كتابته، وأصبح له نُقَّاده الذين وضعوا له المعايير والحدود ورصدوا السمات العامة له.

عمار علي حسن
عمار علي حسن

اعتدل كلاهما وانتبها لحديثي؛ فشرعت أطرق الحديد ساخنا وقلت متحمسا: تعلمون أن التطور هو سنة الحياة عامة، وسنة الأدب خاصة،  ولما كان الأدب ليس إلا تعبيرا عن المجتمعات بما يموج فيها من قضايا وأحداث وشخصيات وتعقيدات؛ فإنه بالضرورة لابد أن يساير المجتمعات في تقدمها أو انهيارها، في سرعتها أو بطئها، في بساطتها او تعقيدها.

فإذا كانت الرواية هي الراصد الأول للمجتمع، بوصفه كيانا إنسانيا كبيرا يسير في دروب التاريخ منذ القدم؛ حتى وصل إلى اللحظة الراهنة، وإذا كانت القصة القصيرة قد انشغلت بالإنسان الفرد وراحت تهتم بقضاياه النفسية والمعنوية والفكرية، وليس اهتمام القصة القصيرة بالفرد إلا نتيجة مباشرة لموجة التفرق والتشرذم الذى ضربت المجتمعات في سويداء القلب، فأصبح الانسان الفرد مجتمعا قائما بذاته، ولذا رافقت القصة القصيرة. هذا الانسان الذى انفصل عن مجتمعه وأصبح جزيرة منعزلة في محيط مجتمعه، ليت الأمر توقّف عند هذا الحد، فقد رأينا هذا الإنسان الفرد وقد انشطر على ذاته، وبعد أن كان يحب أن تحكى قصته الممتدة، على مدار يومه أو بعض أيامه، أصبح لا يجد وقتا إلا لجزء يسير من يومه، وربما لا يجد إلا لحظات أو بعض لحظات، يريد أن يقبض عليها لتصبح حكاية صغيرة وسريعة تختصر يومه، وقد تشير أو ترمز إلى مسيرته.

وبعد أن كان الأدب يحب أن يرصد المجتمع بكل تحولاته وصراعاته؛ أصبح يحبِّذ الكتابة عن جزء قليل من أفراده. وربما عن فرد واحد منه، ثم راح يتعاطف مع الإنسان الذى مزقته الضغوط  وشرذمته الحروب فراح يهتم بلحظاته، بمواقفه الخاطفة التي يمر بها، هنا نجدنا وصلنا إلى محطة مهمة من السرد؛ ألا وهي محطة القصة القصيرة جدا.

تطلَّع إليَّ المتسائلان عن فن القصة القصيرة جدا، بوصفه فنا حديثا  وتساءل أحدهما: هل تقصد أن القصة القصيرة جدا تهتم فقط بلحظة خاطفة من حياة الإنسان، ما جعل هذا الفن موافقا لروح العصر؟

هنا انبريت متحدثا عن ميزة، ميّزت فن القصة القصيرة جدا وجعلت منه موافقا لروح العصر فقلت لهما: إن الحركة السريعة الموَّارة وتقارب الزمان وضيق الوقت ولهاث الإنسان خلف كل احتياجاته، كل ذلك لم يترك لإنسان العصر الفرصة الكافية للاستغراق في قراءة أعمال كبيرة تستغرق وقتا كبيرا منه، هذا فضلا عن التقنيات الإعلامية في العصر الحديث التي تعتمد المنشورات القصيرة؛ لأنه ليس ثمة متسع من الوقت للشرح والتفصيل والوصف والإسهاب؛ لذا ليس مستغربا أن يلجأ المبدعون إلى هذا النوع الأدبي الذى يراعى كل سمات؛ بل وشروط الأدب من جهة ويراعى في الوقت ذاته ظروف هذا الإنسان اللاهث الذى لا يجد وقتا كافيا للاستمتاع بالأدب، وفى الوقت ذاته لا يستطيع التخلي عن حاجته لهذا الأدب والاستمتاع به.

اندفع أحدهما قائلا: نحن في حاجة ماسة  لمعرفة المزيد عن هذا الفن فهلا حدثتنا عنه؟

هنا وجدت نفسى ابتسم ابتسامة رائقة، واتنفس بعمق وشرعت فى الحديث: القصة القصيرة جدا هي فن سردي خالص له سمات عامة وأركان وأعمدة تحمله وله أيضا تقنياته التي تميّزه.

وهنا ربما سأكون مضطرا للمقارنة الدائمة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، فبينما نجد القصة القصيرة التقليدية مهتمة بالشخصية ورسمها رسما بسيطا، وربما نحا كاتبها إلى تحليل شخصية البطل أو شخوص القصة، أقول بينما نجد ذلك واضحا في القصة التقليدية، نجد القصة القصيرة جدا، لا تعوِّل مطلقا على الشخصية ومن ثم لا تهتم بوصفها ولا تحليلها.

كاتب القصة القصيرة جدا، مثل لاعب السيرك الماهر الذى يسير بقدم واحدة على حبل رفيع،  وعليه أن ينتقل من جهة إلى أخرى فى لمح البصر، دون أن يسقط أو يترنح، فهل ترى هذا اللاعب سيكون مشغولا بنوع الحبل الذى يسير فوقه، أو نوع الإضاءة المنداحة في المكان، أم تراه سيكون مشغولا بجموع الجماهير التي تتابعه؟

أظنكم تقولون في صوت واحد: لا لن يهتم بتفاصيل كل هذه الأمور، وسيكون مهتما بموضع قدمه، وسرعة حركته،  وإبهار النظارة، بينما هو يمرق من طرف إلى آخر، وهم يحبسون أنفاسهم، فإذا نجح في العبور، نال التصفيق الحاد وإلا نال مذمتهم.

قلت وكذلك كاتب القصة القصيرة، يتحرك في مساحة صغيرة على ورقه الأبيض فترى نصه لا يتجاوز صفحة بالكاد، ولا تقل عن سطور خمسة على أقل تقدير، فكيف يتحرك هذا الكاتب إلا كما يتحرك لاعب السيرك؛ لذا لن تجده مهتما إلا بحدث خاطف، صدر عن شخص واحد، يكتبه مصورا إياه، جاعلا من نهايته مفاجأة تزلزل القارئ؛ فينال الكاتب استحسان وتصفيق قرائه كما نال لاعب السيرك إعجاب الناظرين إليه.

سادت لحظة صمت بيننا، ثم فكّرت مليا في أمر ما، وحدثتهم بما فكرت فيه: ما رأيكم لو حاولنا تطبيق ما نتحدث به عن القصة القصيرة جدا على عمل أراه  يحقق ما سوف نتناوله الآن بالدراسة؟

رحّبا معا وقال أحدهم: أنا شغوف لمعرفة نماذج من هذا الصنف وكيف يكتبه المبدع؟ وكيف أتلمّس التقنيات التي يستعين بها الكاتب لكتابة نصه، قلت لهم بين يديكم مجموعة بعنوان “عطر الليل” للكاتب المبدع الكبير عمار على حسن، استعدنا جميعا الانتباه وشرعنا في الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock