رؤى

الجدل القرءاني.. رؤية في “جدل الإنسان”

الجدل هو صراعٌ أو تناقضٌ بين شيئين.. صحيح أن غالبية التعريفات التي تناولت مفهوم الجدل في الفكر الإسلامي، اعتمدت على استناد هذا المفهوم إلى الاختلاف في المناقشة، ومحاولة كل طرف إثبات صحة رؤيته، أو منهجه؛ إلا أنه من الصحيح أيضا أن معظمها يتفق على مسألة “التناقض أو الصراع بين شيئين”، شخصين كانا أو فكرتين، أو حتى شيئين ماديين.

وهو ما يعني أن “الجدل” بوصفه مفهوما يقوم على “الثنائية”.

لذلك، لنا أن نحاول تلمس فلسفة الجدل القرءاني، عبر الدورة الدلالية للمصطلح في آيات الله البينات؛ ولعل نقطة الانطلاق تكون من قوله سبحانه وتعالى: “وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا” [الكهف: 54].

عصمت وشحرور

بداية، لنا أن نُلاحظ أن التنزيل الحكيم، في هذه الآية الكريمة، يكشف عن خاصية مركزية في طبيعة الإنسان. هذه الخاصية (الجدل) لا ينبغي أن تُفهم فقط بوصفها ميولا إلى العناد، كما يرى الكثيرون ممن حاولوا التصدي لتبيان مفهوم الجدل في القرءان الكريم؛ ولكن على العكس من ذلك تماما، يمكن قراءة هذه “الخاصية” قراءة فلسفية أعمق، أي بوصفها تعبيرا عن دينامية الوعي الإنساني وسعيه المستمر للفهم وإدراك الواقع، والوعي به وبقوانين تغييره إلى الأفضل.

للدلالة على ذلك، لنا أن نستشهد بأطروحات اثنين من المفكرين العرب، الذين أسهموا بإسهامات بارزة في هذا الخصوص؛ المفكر المصري عصمت سيف الدولة، والمفكر السوري محمد شحرور رحمهما الله.

عصمت سيف الدولة، في تحليله المنهجي، يرى أن الجدل هو جوهر تطور الفكر البشري. فهو لا يعتبر الجدل ظاهرة سلبية بحد ذاته، بل يراه محركا ضروريا لتجاوز المعطيات الساكنة، وبناء وعي أعلى بالوجود. أي إن الجدل عند سيف الدولة هو قانون الحياة والتطور. فالجدل هو محرك الصراع بين النفي والإثبات، بين الماضي والمستقبل، وهو الطريق الطبيعي لانتقال الفكر والواقع إلى مستويات أكثر تقدما.

وفق هذا التصور، يصبح قول الله تعالى “وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا” بمثابة وصف لطاقته الفكرية غير المحدودة، وقدرته على التساؤل والنقد والتفكير النقدي، وعلى مواجهة التناقضات، ومحاولة تجاوزها. فالإنسان لا يقبل الجمود، بل يمارس الجدل بوصفه وسيلةً لاستكشاف الحقيقة وبناء حضارته.

في المقابل، يعتبر محمد شحرور أن الجدل الإنساني هو تعبير عن الحرية التي جَبَلَ الله الإنسان عليها. فبما أن الإنسان حرٌ في اختياره ومسئوليته، فإن الجدل يصبح نتيجةُ طبيعيةً لهذه الحرية؛ أي إنه ربط الجدل بطبيعة الحرية الإنسانية. عند شحرور، الإنسان مخلوقٌ حرٌ بالعقل والإرادة، وهذه الحرية تقتضي الجدل الداخلي والخارجي، بحثا عن المعنى والموقف الصحيح.

من هذا المنظور، يصبح الجدل علامة حياةٍ فكريةٍ لا مفر منها، لا مجرد خصلةٍ مذمومةٍ. فالقرآن، برأي شحرور، يعترف بأن الإنسان -بحكم حريته- مطالب بالبحث والمجادلة، ولكن الفرق الجوهري يَكْمُن بين الجدل الذي يقود إلى مزيد من الإدراك، والجدل العقيم الذي يستهلك الطاقة دون الوصول إلى الحق.

ومن ثم، فإن الجمع بين قراءة عصمت سيف الدولة الجدلية للتطور الإنساني، ورؤية محمد شحرور للحرية كضرورة جدلية، يمنحنا فهمًا أعمق للآية: الإنسان مدفوع بالجدل لأنه مخلوقٌ حرٌ وواعٍ، لكنه مسئول عن الوجهة التي يوجه إليها هذا الجدل، وهذه المسئولية هي جوهر التكليف الإلهي له. ما يجمع بين رؤية سيف الدولة وشحرور هو الإيمان بأن الجدل دليل حيوية الفكر الإنساني؛ إلا أن سيف الدولة يركز على الجانب الاجتماعي والحضاري للجدل بوصفه محركا للتغيير، في حين يركِّز شحرور على البعد الفردي الحر للإنسان في استخدام قدرته الجدلية نحو الحق أو الباطل.

وهكذا، يتضح أن الجدل الذي أشارت إليه الآية الكريمة ليس سلبا خالصا، وإنما هو توصيف لطبيعة الإنسان المنفتحة على التطور والانحراف معا. وبالتالي، يمكن فهم الآية الكريمة في ضوء هذين التصورين بأنها إشارة إلى طاقة عظيمة أودعها الله في الإنسان: طاقة الجدل إذ، لنا أن نُلاحظ قوله تعالى: “وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٭ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٭ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٭ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا” [الشمس: 7-10].

رؤية جدلية

لعل التفاعل مع رؤيتي عصمت سيف الدولة ومحمد شحرور، يمكن أن تُعطي “رؤية جدلية” في فلسفة الجدل القرءاني؛ خاصةً أنه في هذه الآية الكريمة لنا أن نتأمل النقيضين في داخل النفس الإنسانية “فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا” وهذا هو التناقض الكامن بالتعبير القرءاني، وأن هذا التناقض يأتي من “الإلهام الإلهي” للنفس الإنسانية “فَأَلۡهَمَهَا”.

أيضا، لنا  أن نتأمل الناتج من هذا التناقض، تناقض الفجور والتقوى الإنسانيين، الذي يتمثل في “أَفۡلَحَ… خَابَ”، وهو ناتج ليس له علاقة بمسألة “الإلهام الإلهي”، كما يقول بعض المفسرين، ومنهم الرازي كمثال؛ ولكن له علاقة بواقع “الاختيار الإنساني”، الاختيار بين “تزكية النفس”، أي السمو بها وترقيتها، وبين “دس النفس”، أي توضيعها وخذلانها والهبوط بها (التدسية، أو التدسيس، في اللسان العربي تؤشر إلى “إخفاء الشيء في الشيء”؛ نقول: دس كذا، بمعنى أخفاه).

وبكلمة، فإن ناتج التناقض الكامن في النفس الإنسانية، التناقض بين الفجور والتقوى، يتمثل في الفلاح أو الخيبة؛ بما يؤكد من جديد على مسألة الاختيار الإنساني. هذا التناقض، وناتجه، ومقدرة الإنساني على الاختيار.. هو ما يمكن أن نطلق عليه “الجدل” أو “جدل الإنسان”. إذ إن الفلاح ليس هو التقوى، ولكنه ناتج التناقض بين الفجور والتقوى، وأن الخيبة ليست هي الفجور، وإنما هي ناتج التناقض المُشار إليه؛ وأن كل منهما منهما يتأتى بعد عملية الاختيار الإنساني.

هذه هي رؤيتنا في “فلسفة جدل الإنسان”، بشكل مختصر جدا.

ومن هنا، يمكن أن نتلمس فهم قوله سبحانه: “وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا” [الكهف: 54]. إذ، إن خاتمة الآية الكريمة “وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا”، تعني أن الإنسان أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل، أو التي تتسم بالجدل.

ومن هنا أيضا يمكن أن نتلمس السياق القرءاني في الآيتين التاليتين مباشرة، لهذه الآية الكريمة؛ نعني قوله عزًّ وجل: “وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا” [الكهف: 55].. وقوله عزَّ من قائل: “وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا” [الكهف: 56].

إذ، هاهنا، نلاحظ الإشارة القرءانية إلى التناقض بين “ٱلۡبَٰطِلِ… ٱلۡحَقَّۖ”، وكيف يستخدم الذين كفروا الجدل، أو بالأحرى “الجدال” بهدف محدد “وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ”.

وللحديث بقية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى