هل فكرت ذات مرة، كيف وصلتَ إلي هنا؟ وكيف كانت الرحلة؟ وكيف كانت الطرق التي أدت بك إلى ذلك المكان البعيد؟ هل كانت ممهدة؟ أم كانت مليئة بالحفر والعقبات والعراقيل؟ وكيف كانت الوسائل المساعدة التي ساقها الله إليك أثناء المسير؟ هل تعثّرت واتسخت ثيابك من آثار الحفر والمطبات؟ هل ظهر لك فجأة مصباح “علاء الدين”، والمارد وقد أشار لك -بعد كل هذه العثرات والمطبات الصناعية بفعل بني البشر- “شبيك لبيك حلمك بين يديك.. اطلب وتمني”. أقصد هل ظهر لك صديق أو أحد المعارف، واقترح عليك أن تعمل في مجال ما، يتناسب مع قدراتك وإمكاناتك ومهاراتك وطاقاتك؛ كي تبدع فيه وترسم بألوان النجاح والتفوق لوحتك الخاصة؟
نعم يا عزيزي.. إن كل هذا وأكثر، مما نحن عليه الآن، وما هو آت من خير وفضل ونجاحات، وبعض ما يعكّر صفونا من الإخفاقات، وقليل من المحاولات التي أمدتنا بالدعم النفسي والمادي؛ كي نقف صامدين أمام رياح الحياة وعواصفها وهجماتها الشرسة، وأمطارها الرعدية المخيفة – كل ذلك ما هو إلا بفضل الخرائط الإلهية، وترتيبات القدر المحسوبة، بدقة وعناية إلهيه محكمة، ولكن هذا لا يعني بالمرة -يا عزيزي- أن تتقاعس عن السعي، وأن تكف عن البحث داخل ذاتك، وأن تتعلم كل ما يجعلك قادرا علي رسم خريطة التفوق والتميز الخاصة بك.
السعي: ما هو إلا المجداف، الذي نمسك به في يدنا؛ كي يساعدنا أن نصل بقارب الحياة إلي بر الأمان؛ معلنين أننا نستطيع أن نترك بصمات واضحة، تنير للآخرين طريقهم وترشدهم إلي طرق النجاح والفلاح والتميز.
القدر: مصطلح ديني، وهو يعني المشيئة الإلهية، وما قدّره الله وحدده لسير الحياة، ولكل شيء في الكون، والآثار التي لا يمكن تغييرها في حياة الإنسان، والطرق والمسارات المحددة لسير الأحداث؛ فهناك نوعان من القدر أولهما هو القدر المحتوم وهو ما قدَّره الله، ولا يمكن تغييره.
أمثلة علي القدر المحتوم الذي ليس لنا فيه اختيار أو قدرة على تغييره.. نوع المولود -سواء أكان ذكر أو أنثى- وساعة الميلاد والوقت الدقيق للولادة، الذي يحدّد العديد من الأمور في الحياة.
ومن أمثلة القدر المحتوم أيضا.. المكان الذي يولد فيه الإنسان ويُشكّل جزءا من مكونات الهوية والثقافة.
الأبوان فنحن لا نمتلك حرية اختيار الأبوين، ولا بإمكاننا تحديد صفاتهم وخصائصهم، التي سوف تؤثر في حياتنا.
موعد انتهاء الرحلة ووصول الإذن بالرحيل “ميعاد الموت” وهو الوقت المحدد لانتهاء حياة الإنسان، كما أن مكان الدفن ليس لأحد منا حرية اختياره، فهو ذلك المكان المحدد سلفا لاحتضان الجثمان بعد خروج الروح.
الأبناء وعددهم (عدد الذكور وعدد الإناث) وهو جزء أصيل من استمرارية النسل.
الأحداث الكبرى في حياة الإنسان، هي مُقدّرة ولا يمكن للإنسان التحكم فيها.
مثل الإصابة التي حدثت لعامل أثناء تأدية عمله؛ فأدت إلى قطع ذراعه وتوقفه عن العمل، والسبَّاحة التي كانت تسبح في المحيط الأطلسي احتفالا بتخرجها في الجامعة مع أحد صديقاتها، وهاجمها القرش وحاولت مقاومته، ولكنها لم تفلح ليقضم القرش ساقها؛ فتتحول بعد عملية بتر الساق إلي قصة نجاح ملهمة، ومصدر للفخر والإصرار والمقاومة؛ بتحديها كل قروش العالم معلنة انتصارها بكسرها رقميين قياسيين في الأولمبياد وحصولها علي ميداليتين.
فالمثال الأول وهو العامل الذي أعلن انهزامه وانكساره، مستسلما للإصابة التي أدت إلي قطع ذراعه، وسببت انقطاعه عن العمل، ولم يبحث في داخله عن قدرات وإمكانات وطاقات؛ تعوِّض ذراعه المفقود، فاستسهل طريق الاستسلام والهزيمة.
أما المثال الثاني وهو السبَّاحة التي حوَّلت إصابتها إلى انتصار، وآلم الفقد إلى إلهام وبطولة.. فشتان بين هذا وتلك.
كل هذه التحولات والتغييرات في حياة بني البشر، والتي لا يمكن التحكم فيها ولا إيقافها- هي مُقدّرة من قبل الله سبحانه وتعالي، وقد تكون سببا في رسم قصص النجاح والمثابرة، وتخطي العقبات والصعاب علي الرغم من قسوتها؛ إلا أن في باطنها رحمه وحياة جديدة ونجاحات عدة!
فمن أنواع القدر أيضا.. القدر المُبهم، وهو جزء من القدر الذي قدّره الله للإنسان، ولكن يمكن التأثير فيه من خلال الدعاء والعمل الصالح، والجهد والسعي وأمثلة علي ذلك الزواج؛ حيث يمكنك أن تغيِّر شريك حياتك من خلال الاختيار؛ فاختياراتك يمكن تعديلها إذا كانت غير مناسبة، وهناك اختلافات جوهرية تؤدي إلي استحالة التفاهم وكثرة الخلافات.. وفقا للشريعة وطبقا لقوانين الدولة التي تعيش فيها.
الوظيفة: حيث أنه يمكن أن تتغير وظيفة الإنسان، من خلال جهده وسعيه للتطور والتعلم، ورغبته في الحصول علي وظيفة أكبر، تحقق له متطلباته وتسد احتياجاته.
الصحة: فقد يمكن أن تتغير حالة الإنسان الصحية، من خلال تغيير نمط الحياة واختياراته الغذائية، وممارسته للأنشطة الرياضية وأخذ قسط من الراحة بعد ضغوط العمل الشاق.
النجاحات والمشاكل المالية: حيث أنه يمكن أن تتغير حياة الإنسان من خلال إدارته لموارده المالية واختياراته الاستثمارية ونشاطاته التجارية.
والخلاصة يا عزيزي.. أن القدر نوعان: محتوم وهو ذلك القدر الذي لا يمكن تغييره، فهو محدد ووقوعه حتمي ومؤكد، والقدر المبهم الذي يمكن تغييره بالدعاء والسعي، وتغيير نمط الحياة وبذل الجهد والعرق.
ففي القرآن الكريم ذُكر القدر في مواضع كثيرة، منها قوله تعالي “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”(القمر:49)، ومعناه أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بمقدار قدّره وقضاه، ويتضمّن ذلك وفق سياق الآية وعيدا للمجرمين المكذبين بالقدر والكافرين به.
كما يقول الله عز وجل “…وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا” (الفرقان:2)
ومعناه أن كل شيء دون الله -سبحانه وتعالى- فهو مخلوقٌ محتاجٌ إلى مليك وإلهٍ يسخّر أموره ويقدر له أقداره، وأن كل شيء تحت قهره سبحانه وتسخيره.
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء” رواه ابن ماجة
ومن ذلك نستنتج أن كل شيء مقدر من قبل الله – سبحانه وتعالي- وأنه لا يرد القدر إلا الدعاء.







