رؤى

عربات جدعون.. ناتانياهو وأوهام البقاء!

منذ زمن بعيد لم يستدع الكيان المؤقت أسماء توراتية؛ ليضعها عناوينَ لعملياته العسكرية في فلسطين المحتلة.. عملية الرد على طوفان الأقصى حملت اسم السيوف الحديدية، سبقتها عمليات: الفجر الجديد 2022، حارس الأسوار2021، الجرف الصامد 2014، عمود السحاب 2012، الرصاص المصبوب 2008، أيام الندم 2004، السور الواقي 2002.

هذه أسماء أهم العمليات التي نفّذها العدو ضد الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية الباسلة خلال الربع قرن الأخير.. أسماء العمليات المذكورة خلت تماما من أية إشارات توراتية.. فلماذا أطلق الاحتلال اسم عربات جدعون- وهو اسم توراتي- على عمليته الأخيرة في قطاع غزة.. والتي يهدف من خلالها إلى مزيد من التجويع والتهجير وصولا للقضاء على المقاومة، بفرض شروط مستحيلة عليها،  تتضمن نزع السلاح وخروج قيادات المقاومة من القطاع.. تلك الشروط التي فشل العدو في فرضها، منذ بدأ عملياته البرية في القطاع.

قصة جدعون في العهد القديم وردت في سفر القضاة بدءا من الإصحاح السادس، وتحمل كثيرا من الدلالات.. فحسب الرواية التوراتية، كان بنو إسرائيل في ذل مقيم وهوان لا نظير له، منذ أن سلّط الرب عليهم المديانيين؛ فساموهم سوء العذاب لسبع سنين، جزاء تبجحهم بالشرور والآثام أمام عيني الرب.. بعد ذلك اختار الرب جدعون ليقودهم -وهم فئة قليلة- إلى انتصار مؤزر على أعدائهم، ثم إجلائهم لهؤلاء الأعداء عن الارض التي تواجدوا فيها طوال فترة استعبادهم لبني إسرائيل.. حسب المزاعم التوراتية. وقد سبق للكيان الصهيوني استخدام هذه التسمية عام 1948، عند اجتياح قواته لمنطقة مرج ابن عامر.

النكبة

والتسمية وإن كانت تطمح إلى انتصار سريع ونهائي، إلا أنها تتضمن الاعتراف بأمرين هما: أن العدو ما زال في حال من الذل؛ لم يخرج منها حتى الآن، بعد ضربة السابع من أكتوبر الموجعة. والأمر الثاني هو حال الضعف والقِلة التي يعاني منها الكيان، بعد تراجع حلفائه عن الدعم المطلق، بسبب طول أمد الحرب، ولا أخلاقيتها التي باتت تتحدث عنها دوائر رسمية في الغرب.

واليوم بعد مرور 585 يوما منذ بدء الحرب على القطاع، ووصول أعداد الشهداء إلى ما يقارب الأربعة وخمسين ألف شهيد، بالإضافة إلى أحد عشر ألفا من المفقودين، والدمار الكامل الذي حاق بالقطاع؛ جرّاء القصف الوحشي المتكرر- إلا أن العدو لم يحقق بعد أيا من أهدافه، وبات التفاهم الأمريكي – الإسرائيلي، حول هذه الحرب العبثية محل شك كبير، خاصةً بعد تفاوض الطرف الأمريكي بشكل مباشر مع المقاومة؛ لإطلاق سراح الجندي حامل الجنسية الامريكية، ألكسندر عيدان.

صحافة الكيان لم تستنكف الإعلان عن غضبها من العملية التي اعتبرتها تماديا في الوحشية، وانتهاكا عمديا للاتفاقات الدولية، بهدف الاحتفاظ فقط بوجود الائتلاف الحاكم بقيادة ناتانياهو.(جدعون ليفي- هآرتس)

وفي تغطيتها لعملية عربات جدعون، نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت تقريرا موسعا للمحلل العسكري رون بن يشاي، تناول فيه تفاصيل الخطة العسكرية والسياسية التي بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذها في قطاع غزة. أبرز ما ورد فيه: أن العملية تشتمل على ثلاث مراحل، مع استخدام خمس وسائل ضغط مركَّبة ضد حركة حماس، لإرغامها على القبول باتفاق لتبادل الأسرى وتفكيك بنيتها العسكرية.

تتضمن المرحلة  الأولى الاستعداد اللوجستي والنفسي، وتشمل: تهجير سكان غزة ودفعهم إلى جنوب القطاع، في المنطقة الواقعة بين محوري موراغ وصلاح الدين (فيلادلفي). مع إقامة مراكز لوجستية بالتعاون مع شركة أمريكية، لتوزيع الغذاء والمياه والأدوية على النازحين. وتدمير الأنفاق التي تصل رفح بخان يونس ومناطق الوسط، لعزل المناطق عن بعضها وقطع خطوط الحركة والتهريب.

المرحلة الثانية تشمل قصفا مكثفا على أنحاء القطاع، وتهجير السكان نحو المناطق الآمنة في رفح من خلال التهديد المباشر أو التوجيه عبر “المناشير” والرسائل، وتشغيل نقاط تصفية أمنية مهمتها منع تسلل المقاومين إلى المناطق الآمنة. أما المرحلة الثالثة فتتضمن السيطرة على الأراضي وإقامة مناطق عازلة، داخل القطاع، مع تعزيز فكرة الهجرة الطوعية للسكان.

التنفيذ الفعلي للعملية يرتبط بنتائج زيارة الرئيس الأمريكي لمنطقة الخليج.. وربما تُلغى العملية برمتها إذا عاد ترامب من الدوحة بتجاوب جزئي من جانب المقاومة مع مقترح المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف.. الذي أبدت المقاومة موافقتها للتفاوض على أساسه، مع تأكيدها على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل ورفع الحصار.

واقعيا لا تبدو عربات جدعون مؤهلة كثيرا للتقدم إلى الأمام.. فهي بالأساس موجهة نحو الرأي العام في دويلة الاحتلال.. بهدف المزيد من المماطلة والمزايدة واللعب على المشاعر الدينية، بعد استنفاذ كافة السبل لإقناع المستوطنين اليهود بالدفع بأبنائهم في أتون حرب عبثية.. لن تحقق أهدافها مهما طالت.. بل تفرض على الكيان المؤقت مزيدا من النبذ الدولي والخسائر على كافة الأصعدة.. لا لشيء سوى بقاء ناتانياهو الغارق في أوهام الاستمرار على قمة سلطة لا مبرر حقيقي لبقائها.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى