يُعدُّ الزمن من المفاهيم الفلسفية والعلمية التي شغلت البشر منذ القدم، لكن القرءان الكريم قدم رؤية فريدة للزمن تختلف عن التصورات المادية المحضة. فالزمن في القرءان ليس مجرد مسار خطي للأحداث، بل هو مفهوم مرتبط بقدرة الله تعالى وحكمته، حيث يتجاوز الزمن الإلهي حدود الزمان والمكان الذي يعيش فيه الإنسان.
فإذا كان “الزمان” يمثل أحد المفاهيم المحورية في الفكر الإنساني، من منظور التأمل في طبيعته وحدوده وسرعته وعلاقته بالوجود؛ فإن القرءان الكريم، في طرحه لفكرة “الزمن”، لا يعرضه بوصفه بُعدا فيزيائيا فقط، بل باعتباره أيضا بنية معرفية ووجودية، تتقاطع فيها مسارات الألوهية مع الحياة الإنسانية، ضمن نسق كوني متكامل.
فمن خلال آيات التنزيل الحكيم، نجد أن القرءان يميز بين زمن الله الأزلي المطلق، والزمان البشري الإنساني النسبي المحدود.. فكيف يتعامل القرءان مع هذين المستويين؟ أو بالأصح مع الزمن ومع الزمان؟ وما الدلالات العقدية والعلمية التي يمكن استنباطها من هذا التمايز؟
في هذه المتوالية، التي نبدأها اليوم، سنستعرض مفهوم الزمن و/أو الزمان كما تقدمه آيات التنزيل الحكيم، بالتركيز على التمايز بين الزمن الإلهي (المتعالي، المطلق، الشامل)، والزمان الإنساني (المحدود، الخاضع للحركة والتغيّر) مع الاستشهاد بنماذج قرءانية، تبرز أبعاد هذا الطرح العميق، الذي يحمل في طياته تصورا خاصا للكون والوجود والغاية.
الزمن واللسان
الزمن في اللسان العربي اسم لقليل الوقت وكثيره؛ يُقال: زمن وزمان، والجمع أزمنة وأزمان. وتبعا لما ورد في “لسان العرب” لابن منظور، و”تهذيب اللغة” للأزهري، و”معجم مقاييس اللغة” لابن فارس، كأمثلة، فإن الزمن والزمان لفظتان تحملان نفس المعنى، من حيث إنهما تنتميان إلى مادة لغوية واحدة.. لكن رغم ذلك، أو بالرغم من مما تُخبرنا به هذه المعاجم، باعتبارها عُمد المعاجم اللغوية العربية، وخصوصا معجم ابن فارس؛ رغم ذلك، فإننا نرى فارقا دلاليا ليس بالهين بين لفظتي زمن وزمان. إذ هنا نُلاحظ دخول حرف الألف لتفصل بين لفظ “زم” وحرف “نون”، فصلا بين “زم” الذي يدل على “تقدم في استقامة وقصد”، وحرف “نون” الدال على “إنشاء حركة مستمرة من الحركة السابقة”.
وللتوضيح، نقول: إن الحرف في اللسان “العربي” (أي الأصلي وليس لسان العرب، كما هو التعبير الشائع)، هو اللبنة الأساسية الأولى في البناء اللساني.. وأن قوام اللسان هو الزوجية، تماما كما في “الخَلْق”، أي اللفظ المكون من “حرفين”.. ثم، يأتي الحرف الثالث ليُمثل حركته ودلالته ومعناه. وهنا، نؤكد على توافقنا تماما مع أطروحات المفكر السوري يحي باشوري اللسانية، التي استفدنا منها كثيرا.
بهذا التوضيح نعرف أن حرف “نون” هو ميدان حركة ودلالة ومعنى لفظ “زم”؛ كما نعرف من جانب آخر، كيف أن حرف الألف قد فصل بين “زم” وبين حرف “نون”؛ هذا رغم أن حرف “ألف” في الأصل يدل على التأليف بين شيئين، وهو ما حدث في مصطلح “زمان”. ثم نعرف من جانب أخير، أن الفارق الدلالي بين زمن وزمان، أن الأخير (زمان) وحدات متتالية ومتحولة رغم انتظام حركتها إلى الأمام؛ في حين أن الأول (زمن) هو وحدة واحدة من أولها إلى آخرها.
لذلك، نقول: الزمن الإلهي والزمان الإنساني.
مصطلح الزمن
لا يرد مصطلح “الزمن” بصيغته المباشرة في القرءان الكريم، لكن يُشار إليه من خلال تعابير متعددة مثل: الدهر، اليوم، الساعة، الأجل، الحين، العصر.. وغيرها؛ وكل مصطلح منها يحمل شحنة دلالية خاصة، تشير إلى بعد من أبعاد الزمن، سواء في بعده الإلهي، أو الزمان في بعده الإنساني.
وإذا كان الزمان في الفكر الإنساني غالبا ما يُفهم ضمن مسارين: المسار “الخطّي” (الزمان المتدرج من ماضٍ إلى مستقبل)، والمسار “الدائري” (الزمان الدائري الذي يتوالى في دورات طبيعية كالفصول)، فإن التنزيل الحكيم يقدم تصورا مركبا يتجاوزهما؛ إذ يجمع بين الزمن الخلقي الذي ينشئ الحدث الإلهي، والزمان الإنساني الذي يُختبر عبر التجربة اليومية، ما يفتح الباب أمام مقاربة وجودية وروحية للزمن.
وفي إطار الحديث عن مصطلح “الزمن”، لنا أن نُلاحظ أن عديدا من المصطلحات الدالة على “الزمن” أو “الزمان”، قد وردت في آيات التنزيل الحكيم.. من أهم هذه المصطلحات”
– مصطلحات “الوقت” و”الحين” و”الدهر”.. بالنسبة إلى الوقت، يقول سبحانه: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٭ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ﴾ [الحِجر: 37-38]؛ ويقول تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٭ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ﴾ [ص: 80-81]. وبالنسبة إلى الحين، يقول عزَّ وجل: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [هود: 5]. أما بالنسبة إلى الدهر، يقول عزَّ من قائل: ﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. وكما نُلاحظ، في هذه الآية الكريمة، فقد ورد المصطلحان “الحين” و”الدهر”، للدلالة على أن الحين هو “جزء من الدهر”.
– مصطلح “لمح البصر”.. وهو مصطلح ورد في آيات التنزيل الحكيم “مرتين”؛ وفي الوقت نفسه، هو مصطلح له دلالة بـ”الفترة الزمانية القصيرة جدا التي يلمح فيها الإنسان ببصره شيئا ما”؛ حيث “لمح” تؤشر إلى “تصويب البصر إلى شيء ما”، و/أو “الإبصار بالعجلة”. يقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [النحل: 77]؛ ويقول تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٭ وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ﴾ [القمر: 49-50]
– مصطلح “الحقب”.. وهو مصطلح له دلالة بالفترة الزمانية الطويلة نسبيًا؛ وقد ورد المصطلح مرتين في آيات الذكر الحكيم: الأولى، “أَحۡقَابٗا” في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ٭ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ٭ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا﴾ [النبإ: 21-23]؛ والثانية، “حُقُبٗا” في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾ [الكهف: 60].
وبالقطع.. فإن الإشارة إلى الزمن أو الزمان في القرءان الكريم لا تقتصر على المصطلحات التي أتينا على ذكرها؛ ولكن هناك مصطلحات أخرى وردت في آيات الذكر الحكيم.
وللحديث بقية.








