في كتابه “الحرب الرابعة – سري جدا” والذي صدر في أعقاب انتصار أكتوبر عام 1973، يستخدم الكاتب الصحفي المصري المخضرم محمود عوض، تعبير “انقلاب الصورة” للدلالة على تباين المشهد ما بين العدوان الصهيوني في صيف سنة 1967، وبين الانتقام العربي – إذا صح التعبير- في حرب عام 1973،
ففي عدوان 1967، كان الجيش الصهيوني هو المبادر بالهجوم، في حين عكس الجيشان المصري والسوري الآية في أكتوبر 1973، وباغتا العدو بهجوم مشترك ومتزامن، في كلٍ من هضبة الجولان وجبهة قناة السويس.
وفي حين حرص العدو على إبراز أسراه من العرب في عدوان 1967، فإن احدى أكثر الصور أيقونية من حرب عام 1973، هي صورة ضابط صهيوني يسلم نقطة حصينة في خط بارليف المنيع لعدوه المصري، ويسلمه فوقها العلم الصهيوني.
وفي ظني.. أن العمر لو كان امتد بالكاتب الصحفي الراحل؛ ليشهد المواجهة الدائرة رحاها اليوم، بين دولة الاحتلال والجمهورية الإيرانية؛ لكان استخدم الوصف ذاته للتعبير عن “انقلاب الصورة” أو تغيّر المشهد الذي اعتاد عليه كثيرون، منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى في أكتوبر من عام 2023.
ففي حين اعتاد المشاهد العربي – بشكل خاص- رؤية مشاهد الدمار في قطاع غزة المحاصر، نتيجة للقصف الصهيوني المكث، استطاعت الصواريخ الايرانية أن تنتج مشهدا مشابها لمشاهد الدمار في غزة؛ ولكن هذه المرة في شوارع تل أبيب ويافا ومدن الداخل المحتل منذ 1948.

وهو ما عبّر عنه أحد ضباط جيش الاحتلال في تصريحات أدلى بها لصحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، بعد عودته من القتال في قطاع غزة، ومشاهدته لما ألمَّ بتل أبيب، حيث قال: “ما شاهدناه من دمار في شوارع تل أبيب، جرّاء صواريخ إيران يبدو جنونيا، وشعرت في رامات غان، بعد تعرُّضها لصاروخ كأنني في خانيونس أو بيت حانون، وبعض المواقع التي سقطت فيها الصواريخ الإيرانية تشبه ساحة الحرب”.
وفي حين أجبر العدو الصهيوني، أهالي قطاع غزة على مدار أكثر من ٦٠٠ يوم من القتال، على النزوح من منطقة إلى أخرى بحثا عن ملاذ آمن من القصف، فقد أجبرت صواريخ طهران جموع المستوطنين على النزول بشكل يومي إلى الملاجئ، والاحتماء بمواقف السيارات في بناياتهم.
وهو ما أثار انتقادات واسعة من قبل المستوطنين لحكومتهم، بسبب نقص عدد الملاجئ.. حيث نقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية عن عدد من المستوطنين قولهم: “الدولة تخلت عنا.. ببساطة لا مكان لنا نحتمي فيه”.
ومن الملاحظ أن “الخيمة” التي ظلت لفترة طويلة رمزا لنزوح الفلسطيني عن أرضه؛ أصبحت اليوم أداة يستخدمها المستوطنون الصهاينة أيضا، خاصةً من اضطر منهم إلى أن يفترش أرضية محطات المترو بحثا عن الأمان، في ظل نقص عدد الملاجئ.
وفي حين لم تزد موجات القصف الصهيوني، الشعب الايراني إلا إصرارا على البقاء والتجذر في أرضه، في مشهد يذكّر بصمود أهل قطاع غزة، فإن المستوطنين الصهاينة يسعون للفرار مما يدّعون أنها “أرض الميعاد” بشتى الوسائل.
ففي ظل إغلاق تام لمطار اللد أو ما يسميه الصهاينة “بن غوريون”.. وإصرار الحكومة الصهيونية الحالية على رفض السماح لجموع المستوطنين بالسفر إلى الخارج؛ خوفا من نزوح جماعي كما اعلنت وزيرة المواصلات الصهيونية ميري ريغيف، ذكرت صحيفة “هآرتس” الصهيونية أن أعدادا كبيرة من الصهاينة قد بدءوا بالفعل في مغادرة الأراضي المحتلة عبر البحر.
وذكرت الصحيفة أن مرسى هرتسليا، تحوّل مؤخرا إلى محطة سفر مؤقتة، وابتداءً من الساعة السابعة صباحا، يبدأ الناس بالوصول يجرّون عرباتهم، ويبحثون في الأرصفة عن اليخت المقرر أن يقلّهم إلى قبرص، ومن هناك إلى أي مكان آخر بعيد عن إسرائيل”.
وفي حين خاب رهان الحكومة الصهيونية، على قيام المعارضة الإيرانية باستغلال قصفها لطهران، والتحرك ضد مؤسسات الدولة هناك، وتحول هذا القصف إلى سبب لتعزيز اللحمة والوحدة بين مختلف مكونات الشعب الايراني، فإن الإجماع الظاهري بين الأطياف المختلفة في داخل دولة الاحتلال على مواجهة إيران و”منعها” من إتمام مشروعها النووي يبدو إجماعا مرشحا للانهيار.
حيث أبدى كثيرون داخل كيان الاحتلال شكا، حيال نتاج المواجهة الحالية مع طهران، وفي مقدمة هؤلاء رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إيهود باراك، الذي شكك في إمكانية تحقيق أهداف الحرب ضد إيران، واصفا اياها بانها “أمنية كالسراب”.
وشكك باراك -في تصريحات أدلى بها لصحيفة “التايمز” البريطانية- في إمكانية نجاح تل أبيب -حتى في حال انضمام الولايات المتحدة إلى حملتها الحالية ضد إيران- حيث أن واشنطن “لم تحقق انتصارا واضحا في حروبها خلال العقود الماضية” على حد تعبيره.
وعلى صفحات صحيفة هآرتس، قارن الكاتب الصحفي أوري مسغاف بين المواجهة الحالية، وتلك التي تدور رحاها في غزة منذ أكثر من ٦٠٠ يوم وقال: “لا أحد يضمن أن نصل إلى “ما بعد الحرب” مع إيران، حتى في غزة نحن غارقون منذ 622 يوما، دون خطة خروج، الجنود يُقتلون، والأسرى متروكون”.

وانتقد مسغاف تناقض الأهداف المعلنة من قبل حكومة الاحتلال بقوله: “انظروا كم بسرعة انتقلنا من “منع تهديد نووي إيراني” إلى قصف محطة تلفزيونية وجامعة، وأوهام عن “إعادة رسم المنطقة” وتغيير النظام، وماذا عن نظامنا نحن؟ من سيعالج الدمار، ومن سيقود الحياة في ظل حرب استنزاف لا تنتهي؟ نتنياهو وينون ماغال؟ ميري ريغيف وبن غفير؟ الحاخامات الكبار؟”.
الشك ذاته أبداه عدد من العسكريين الصهاينة، مثل اللواء احتياط غيورا آيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الصهيوني الذي صرّح قائلا أن “إيران لن تسارع إلى رفع الراية البيضاء والاستسلام، ويجب أن نأخذ ذلك بالحسبان”.
وهو ذات الموقف الذي عبر عنه الجنرال السابق في جيش الاحتلال إسحق بريك، في مقال له في صحيفة معاريف، حيث أوضح أنه “رغم النجاح المبهر جدا لسلاح الجو في هجومه في إيران، والذي لأسفي الشديد لم يؤد إلى تصفية القدرة النووية وإنتاج القنابل”.
واضاف أنه “ينبغي أن نأخذ بالحسبان، أنه بقدر ما تطول الحرب سنرى دمارا شديدا أكثر فأكثر للبنى التحتية والبيوت في مركز البلاد، مثلما رأينا ونرى في غلاف غزة وفي بلدات حدود الشمال” موكدا أن “الجبهة الداخلية ليست جاهزة والاقتصاد لن يصمد في حرب طويلة الأمد”.
الصحفي والمحلل الصهيوني رفيف دروكر ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث وصف الحكومة الصهيونية الحالية بأنها ذهبت إلى “مخاطرة غير معقولة، من النوع الذي لا ينبغي لقائد دولة أن يغامر به بمصير بلاده”.
وأضاف أن الحكومة “غير قادرة على منع الأضرار البالغة التي تُحدثها الصواريخ الباليستية الإيرانية، حتى الآن، لا ننجح في اعتراضها كما تحاول دعاية الدولة الادعاء – إيران تحقق إصابات بدقة لم نرَ مثلها من أي عدو سابق”.
وشكك في بيانات جيش الاحتلال بالقول “كما ينشر الجيش الإسرائيلي العديد من البيانات حول ضرب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وتقليص القدرة الصاروخية لها، لكن خبراء في المجال يشككون في قدرة إسرائيل على إنجاز هذه المهمة أمام دولة مساحتها 1.6 مليون كيلومتر مربع”.
ووصف محاولة وقف المشروع النووي الإيراني بأنه “نتيجة مستحيلة التحقيق” بإجماع الخبراء.
إن “انقلاب الصورة” في غضون أسبوع واحد هو في حد ذاته خير رد على كثير من “العرب” الذين راهنوا -تماما كالصهاينة- على معركة سريعة وإنجاز حاسم٫ فإذا بهم يجدون انفسهم أمام معركة استنزاف قدرات غير مسبوقة في تاريخ كيان الاحتلال.








