مدونة أصوات

كمامات وأقنعة

كورونا.. لم يبق شيء كما هو, كل الأشياء احتجبت بحجاب, الناس اعتزلوا الطرقات وبدأوا يجوبون الشرفات, وعندما يضجرهم ضجيج الصمت, يصفقون أو يقرعون القدور، فيقرقع الصدى، فيتبدد الضياع، وتمتد جسور الأمل، ويجيب الفضاء بنغم شجي, فتدب الحياة على بعض الشرفات, وتطل الوجوه من بعض الشرفات، وتشرئب الأعناق من النوافذ, وترتسم آيات البِشْر على الوجوه، وتتلمس طريقها إلى مشاريع ابتسامات قصيَّة, وأقول “الإنسان سجين عاداته ومحيطه” وأتساءل: هل ألغت الكمامة تعابير الوجوه؟ وهل اعتدنا تلك الأقنعة التي استطاعت تجريدنا من عواطفنا، قبل أن تمنعنا التعبير

عنها؟ وينظر إليَّ جاري بحنق، ثم لا يلبث أن يقهقه: كورونا لا يسبب إلزهايمر. فيتعثر لساني بكلماتي: أرجو المعذرة لم أميّزك من خلف الكمامة. وأقول: لم يمر على عهد الكمامة أكثر من بضعة أسابيع, وها نحن نعتاد اجتناب بعضنا بالممرات والطرقات, نسينا المصافحة واستشعرنا ضيق الممرات والطرق، وكأننا لم نتصافح منذ الأزل.

أستيقظ صباحا وأتجه إلى حاسوبي، ويخيَّل إليَّ أنني نسيت كيف ارتدي ملابسي، وقد أجد صعوبة بتتبع الطريق إلى عملي؛ رغم أن برنامج الخرائط الالكتروني قد جردني من هذه المهارة منذ فترة. لقد بدأت استهجن منظر الأشخاص بدون كمامة، وقد أصبحت الكمامة جزءا من التميز والوجاهة؛ فظهرت كمامات الدزاينر وكمامات العامة؛ وبدا المنظر مألوفا للجميع؛ ماعدا طفلتي ذات العامين التي لم تغادر المنزل بموعد تلقيحها بالمستشفى, نظرت إليَّ وعيناها تقطران دهشة، كيف وضعت هذا القناع, أهي حفلة تنكّر؟ بدد مرحها واستمتاعها بالمشهد نبرات طبيب الأطفال الذي دعاني إلى كشف ذراعها؛ كي يزرقها باللقاح؛ وحمدت ربي لقد أخفت الكمامة تكشيرته الفزاعة التي تشفي الأطفال المشاكسين من الأرق كما تتندر زوجتي. وتأوهات صديقي المتفلسف الذي يترحم على كبلنج* ويردد “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقا” ويبتباهى بأيامه بألمانيا، وأن ابنته كانت تسعد بمزاح طبيب الأطفال وتلعب بربطة عنفه التي يرقص عليها ميكي ماوس، بألوانه الفاقعة.. وتتوق لرؤيته فيمزج الوخزة بالحلوى وبملصق أحسنت. وأقول لعل الكورونا لطّفت من وقع المستشفى على أطفالنا.

وأتذكر البرد وضبابية الرؤية، فتتوجس ولاترى أبعد من كفك, والكورونا هذا الخطر المحدق بنا الذي يتربص بالجميع، ولا أحد يستطيع رؤيته حتى بالمجهر الاعتيادي، وتتباعد مع الناس حين تقابلهم، ولاتدري أيا منهم يحمل نصل ذبحك، وينتابك وينتابهم التوجس والريبة؛ فيحصّن الجميع بالقفازات والكمامات والنفور والاستهجان.

هل يعيد أرسطو في زمن الكورونا النظر بتعريفه؟ وأتجه إلى التلفاز والهاتف النقال، لعلي أجد ما يطمئنني, فتطالعني أرقام من اختارتهم الكورونا أو اختاروها, وككل أمر يكثر المتشدقون به وبنظرياته، وككل أزمة أو إجهاد نفسي تؤدي إلى تركيز سلبياتنا. واسمع عن جثة الطبيب الصيفي الذي وجدت في شقته بأمريكا، وقيل أنه انتحر فترتفع بوصلة مخاوفي، وأبحث عن خبر يخفضها؛ فاسمع عن جثة السفير الصيني التي عثر عليها بشقته بتل أبيب، فهل تعجّل الكورونا بالموت أم تسبب الانتحار؟

أتابع التلفزيون وأعرف أن قرب الكلاب إلى أصحابها تحرر هرمون الأوكسيتوسين* الذي يجعل الشخص يستأنس ويشعر بالراحة. وأعرف أن الكلب يحدس ما يفكر به الإنسان، ويعمل على تحقيقه، ولهذا فإن معدّل علاقة الكلب مع صاحبه هي أطول من العلاقات الزوجية!

بدا المكان صغيرا لايتسع لأنفاسي، اتجهت إلى الهاتف واستخرجت رقم وكالة بيع الحيوانات الأليفة، وأنا أدير قرص الهاتف.. لمعت بذهني فكرة الدوران وتساءلت: ماذا لو طلب الإنسان أمر حتفه؟

توقفت إصبعي عن إدارة القرص لعدة ثوان، بينما سقطت السماعة من يدي الأخرى.

*طبيب نفسي وكاتب عراقي مقيم ببريطانيا

* روديارد كبلنج كاتب وروائي وقاص وشاعر وصحفي إنجليزي (1965-1936).

* هرمون الأوكسيتوسين ويُعرف ايضا بـ”هرمون الحب” أو “هرمون الترابط”، وهو هرمون وناقل عصبي يلعب دورا هاما في العديد من العمليات الحيوية والسلوكيات الاجتماعية.

 

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى