صباحان متتاليان مرَّا على دولة الاحتلال الصهيوني، وصفت صحافته كليهما بالشديد الصعوبة. الأول كان صباح الرابع والعشرين من يونيو ٢٠٢٥، فبعد إعلان الرئيس الامريكي ترامب، عن تمكُّنه من عقد اتفاق لوقف إطلاق النار، بين كلٍ من دولة الاحتلال، والجمهورية الإيرانية.. أفاق الصهاينة على مشهد لم يتوقعوه.
إذ أبت طهران إلا أن تكون الكلمة الأخيرة، أو قل الطلقة الأخيرة، في معركة أسمتها “الوعد الصادق ٣” لها؛ فاطلقت وابلا من الصواريخ، أجبر الصهاينة من جديد على الهروب إلى ملاجئهم، لا سيما في ظل تمكُّن الصواريخ الإيرانية من تحقيق إصابات مباشرة، في مناطق في الداخل المحتل في ١٩٤٨، مثل مدينة بئر السبع.
أسفر المشهد الختامي لمعركة “الوعد الصادق ٣” عن وقوع قتلى وعشرات الجرحى، وهو ما دفع مراسل القناة 14 العبرية للقول: لا يجوز أن تنتهي المعركة مع إيران بمقتل هذا العدد من الإسرائيليين صباح اليوم.
وهو ذات رد الفعل الذي أبداه ساسة صهاينة، مثل وزير الحرب الصهيوني السابق، ورئيس حزب “إسرائيل بيتنا” عضو الكنيست “أفيغدور ليبرمان” حين وصف خاتمة المعركة بأنها “مؤلمة ومريرة”.
وأوضح أنه بدلا من تحقيق “استسلام غير مشروط” كما طالب الرئيس الأمريكي في هذه المعركة، فإن العالم “يدخل في مفاوضات صعبة ومضنية، في حين أن النظام في إيران لا ينوي التنازل، لا عن تخصيب اليورانيوم على أراضي إيران، ولا عن إنتاج وتزويد الصواريخ الباليستية”.
وأضاف أن “وقف إطلاق النار دون اتفاق واضح وحاد سيقودنا بلا شك إلى حرب جديدة خلال سنتين أو ثلاث، وفي ظروف أسوأ بكثير”.
ورغم إعلان الحكومة الصهيونية عن تحقيقها لأهدافها من عدوانها على إيران؛ إلا أن هذا الإعلان لا يبدو ذو مصداقية لدى قطاعات عدة في المجتمع الصهيوني.
حيث شكك الكاتب رونين بيرجمان على صفحات جريدة يديعوت أحرونوت في هذا الزعم بقوله: “تكشف أن “إسرائيل” في الواقع تخلّت عن تحقيق أهداف الحملة، التي ربما لم تكن قابلة للتحقيق من الأساس، خاصةً عندما تم تحديد سقف طموحات مرتفعا إلى هذا الحد”.
وعلى صفحات نفس الجريدة، أوضح المحلل آفي يسخاروف أن “خامنئي وحلفاؤه لا ينوون الاستسلام بعد اثني عشر يوما من الكفاح في مشروعٍ ناضلوا من أجله لأكثر من أربعين عاما، من المحتمل أن بعض اليورانيوم المخصب قد نجا، وأن جزءا كبيرا من ترسانة الصواريخ الإيرانية لا يزال في أيديهم، وسيحاول الإيرانيون، المعروفون ببراعتهم في لعب الشطرنج، استخدامها”.
ومن اللافت أن التشكيك المشار اليه أعلاه لم يكن قاصرا على الاعلام العبري، وإنما امتد إلى الاعلام الأمريكي الذي طرح أسئلة حول مدى صحة زعم الرئيس الأمريكي، تمكُّنه من تدمير البرنامج النووي الإيراني، من خلال الضربة الجوية التي وجهها إلى ثلاثة مواقع نووية ثلاثة مواقع نووية إيرانية.
حيث نقلت كلا من صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية وشبكة “سي إن إن” التلفزيونية عن تقرير استخباراتي أمريكي سري، أن جل ما استطاعت الضربة الجوية الأمريكية تحقيقه هو “تأخير” المشروع النووي الايراني، لبضعة أشهر لا غير وليس تدميره بشكل تام كما زعم ترامب.
وأوضح التقرير أن قسما كبيرا من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، نُقِلَ من المواقع التي استهدفتها الضربة الامريكية قبل وقوعها إلى مواقع سرية، وهو ما ذكرته مصادر إيرانية أيضا.
ولعل هذه النتيجة هو ما دفع الكاتب في صحيفة “يسرائيل هيوم” يوآف ليمور للقول: “لقد وصلت المنظومة الأمنية في إيران إلى مستويات جديدة من حيث التخطيط والتنفيذ. في المقابل، فشلت العديد من الوزارات الحكومية في “إسرائيل” مرة أخرى في تقديم استجابة مناسبة، وقد برزت وزارة المالية ووزارة النقل بشكل سلبي، إلى جانب وزارات أخرى، حيث لم تُحسن الاستفادة من دروس الماضي، ولم تنجح في إيجاد حلول سريعة للمتضررين من الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر”.
ورسم ليمور مقارنة بين جبهتي إيران وغزة بالقول: “إذا لم تثمر المعركة عن النتائج المرجوة، فيمكننا بدء العد التنازلي للجولة التالية، والتي سيصل إليها الإيرانيون أكثر استعدادا وانتقاما، ومن يبحث عن مثالٍ قريبٍ على ذلك سيجده في عملية “حارس الأسوار” في مايو 2021، والتي أعلنت “إسرائيل” في نهايتها أيضا النصر والردع والذي تحطم أمام هجوم حماس في 7 أكتوبر ٢٠٢٣”.
وما إن انقشع غبار المعركة؛ حتى بدأت عملية حصر خسائر دولة الاحتلال، في جولة الصراع مع إيران التي دامت ١٢ يوما، ووفقا للأرقام التي أوردها معهد دراسات الأمن القومي في جامعة “تل أبيب” بلغ عدد القتلى الصهاينة 29 قتيلا والجرحى 3491.
ووصل عدد المستوطنين ممن أصبحوا بلا مأوى 11000 مستوطن وزادت طلبات التعويضات المقدمة من المستوطنين عن ٤٠ ألفا.
وفي ذات اليوم الذي بدأ فيه الصهاينة إحصاء خسائرهم، تواردت الأنباء من قطاع غزة عن وقوع حدث أمني هناك، وهو تعبير يستخدمه الإعلام العبري للدلالة على وقوع قتلى من جيش الاحتلال.
مع صباح اليوم التالي (٢٥ يونيو ٢٠٢٥) أعلن جيش الاحتلال عن مقتل ٧ جنود بينهم ضابط في كمين نصبته لهم المقاومة جنوب قطاع غزة.
وتوالت ردود الفعل من قبل الساسة الصهاينة، بداية برئيس كيان الاحتلال يتسحاق هرتسوغ الذي وصف ذاك الصباح بالمؤلم والوضع الميداني في قطاع غزة بـ”الصعب والمعارك ضارية والعبء لا يحتمل”.
واعترفت وزيرة النقل الصهيونية بأن الاحتلال يدفع “ثمنا باهظا” في معركة قطاع غزة، وقال عضو الكنيست موشيه غافني: “لا أفهم من أجل ماذا نحارب في قطاع غزة”.
بدأت الحقائق تتكشف تدريجيا عن كمين المقاومة المذكور أعلاه، وذكر تحقيق أولي لجيش الاحتلال أن الكمين نفذه مقاتل واحد في منطقة خان يونس جنوب قطاع غزة، حين تمكَّن من إدخال قنبلته إلى قلب المدرعة ثم انسحب من الموقع.
وهو ما دعا جريدة يديعوت أحرونوت للقول “المسلحون في غزة زادوا من جرأتهم في المواجهات مع قوات الجيش، ما أدى لخسائر في صفوفه بسبب تقليص قواته”.
وأوضحت القناة ١٤ العبرية أن “الحادث الذي وقع في خان يونس هو الرابع في الآونة الأخيرة الذي ينجح فيه مسلحون بإلقاء عبوة أو إلصاق عبوة على مركبة مدرعة”.
كما كشف مراسل إذاعة جيش الاحتلال أن توثيقا مصورا لعملية مماثلة خلال “الأسبوعين الأخيرين، يظهر فيه عناصر من خلية تابعة لحماس، يقتربون حتى مسافة صفر من ناقلة جند إسرائيلية، ويطلقون النار عليها. كما حاول المسلحون الضغط على أزرار الناقلة في محاولة لفتحها. لكن بدلا من دهسهم – انسحبت الناقلة من المكان، وعاد المسلحون من الاشتباك أحياء”.
وأضاف “الآن يمكن الكشف: داخل إحدى الآليات خلال هذا الاشتباك، كان أحد كبار قادة الفرق في الجيش الإسرائيلي بالقيادة الجنوبية”.
ومع ظهور مشاهد مصورة للكمين تبرز صراخ جنود الاحتلال داخل مدرعتهم٫ وصف المحلل العسكري نوعم أمير، المشهد بالمروع وقال “يجب على رئيس الأركان الاتصال بقائد الفرقة 36 (المستهدفة في الكمين) وإرساله إلى المنزل”.
ولا يملك المتابع سوى أن يتساءل: كيف لجيش الاحتلال أن يعلن عن انجاز أهدافه في إيران وهو يقف عاجزا من أكثر من ٦٠٠ يوم امام قطاع غزة الذي لا يملك مساحة إيران ولا إمكانياتها العسكرية ولا عمقها الاستراتيجي؟








