فجر الثالث عشر من يونيو الجاري، نفّذت إسرائيل ضربات جوية ضد منشآت إيرانية استراتيجية تشمل مواقع مثل فوردو، نطنز، وأصفهان، في محاولة لتحييد البرنامج النووي الإيراني؛ إلا أن إيران ردّت بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل، في سابقة لم تعرفها هذه الأخيرة منذ تكالب الغرب على إعلانها “دولة” في عام 1948.
الولايات المتحدة دعمت إسرائيل عسكريا بنبرة مذعورة، شملت قصف منشآت نووية إيرانية، وإطلاق صواريخ على مواقع إيرانية، ضمن استراتيجية الردع المكثف، وتدخلت دبلوماسيا عبر الإكراه العسكري من خلال القنابل والصواريخ وطائرات “B-2”.
في خضم هذه الأزمة، أو بالأصح الحرب التي شهدها الشرق الأوسط، خلال اثني عشر يوما؛ برز غياب واضح للدور الأوروبي، سواء في منع التصعيد أو احتوائه، أو حتى إطلاق مبادرات بخصوص التهدئة؛ ما أظهر محدودية التأثير الأوروبي في الإقليم مقابل الهيمنة الأمريكية.
فلماذا فشلت أوروبا في لعب دور مؤثر؟ ولماذا تجاهلها أطراف الصراع الأساسيون: إسرائيل وإيران والولايات المتحدة؟
الدور الأوروبي
تعود محدودية الدور الأوروبي بالنسبة إلى أزمات إقليم الشرق الأوسط، والذي بدا بوضوح خلال الحرب بين إسرائيل وإيران، لعدد من الأسباب الهيكلية.. أهمها ما يلي:
من جهة، التفتت والانقسام في الرؤية الأوروبية؛ إذ إن الاتحاد الأوروبي يعاني من انقسام داخلي عميق حول السياسات تجاه إيران وإسرائيل. أعضاء مثل فرنسا وبريطانيا يدعمون أمن إسرائيل بشروط، بينما دول مثل ألمانيا وهولندا تميل لنهج أكثر توازنا ودبلوماسيا. في حين أن دولا مثل بولندا ورومانيا تقف بقوة إلى جانب إسرائيل، بسبب علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة. هذا الاختلاف منع بلورة موقف موحد قادر على فرض سياسة أوروبية قوية؛ ما كشف تراجع الثقة الإسرائيلية والإيرانية كلتاهما، تجاه قدرة أوروبا بوصفها حليفا موثوقا.
من جهة أخرى، ضعف القدرات العسكرية المشتركة؛ فبالرغم من إطلاق الخطة الأوروبية “Readiness 2030″، بقيمة نحو “800” مليار يورو، لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، فإن تلك المبادرة ما تزال في مرحلة المبادئ، غير مترجمة إلى قوة تنفيذ جدية على الأرض كما يحدث مع القوة الأمريكية. أوروبا اليوم لا تمتلك قدرات عسكرية مستقلة كافية لتشكيل ضغط استراتيجي فعلي على الأطراف المعنية.
من جهة أخيرة، الاعتماد على الدعم الأمريكي؛ ففي أثناء حرب الاثني عشر يوما، اعتمدت تل أبيب على “الدفاع الأمريكي” كمظلة أساسية، وتوافق أوروبي من منطلق التبعية الأمنية. الأفعال الميدانية مثل قصف منشآت إيرانية تمت بتنسيق أمريكي فاعل، فيما تكاد أوروبا تكون “متفرّجة”. داخل بريطانيا، اتجه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، نحو نهج “واقعي” يضع أولويات أمنية وطنية وعسكرية، بدلا من التموقع الدبلوماسي المثالي، حفاظا على العلاقة إلى حد ما مع واشنطن.
تهميش أوروبا
لم تكن تلك الأسباب، الهيكلية، وحدها هي الدوافع وراء التراجع الأوروبي؛ ولكن أيضا هناك محاولات التهميش المقصودة من عديد من الأطراف لدور أوروبي فاعل. وبالطبع، تأتي في المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية. إذ إن الرئيس الأمريكي ترامب ينتهج استراتيجية تتلخص بإشراك الحلفاء بناءً على المصالح الفورية، وأحيانًا عبر “دبلوماسية الانفراد” عبر التغريدات والضربات الخارجية. ولعل المحاولة الأمريكية في تهميش الدور الأوروبي، لم تتبدَّ فقط في الحرب بين إسرائيل وإيران والدخول الأمريكي على الخط؛ ولكن إضافة إلى ذلك، كانت أوروبا غائبة بشكل واضح، خلال المفاوضات الأمريكية مع إيران في سلطنة عُمان.
أوروبا إذن “جلست على الخطوط الجانبية” خلال المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ولم تُدْرَج ضمن “الجولات الكبرى” من الحوارات. وعلى مستوى القمم الدولية، كان الطيف الأوروبي ثابتا في المواقف الدبلوماسية، لكن بدون أدوات ضغط حقيقية، ما جعله محكوما بخطوات متأخرة أو منقولة من أمريكا.
بل إن الأهم من ذلك في محاولات تهميش الدور الأوروبي، أن أطراف الحرب الثلاثة: الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لم ترد دورا أوروبيا أن يكون مركزيا.
فمن جانب إسرائيل، فإنها اعتمدت على توظيف الانسجام التاكتيكي الأمريكي؛ فإسرائيل -رغم أنها لا ترفض الدبلوماسية الفرنسية (مبادرة ماكرون الجدية)- فإنها تصر على أن الضغط العسكري وتحالف جوي أمريكي مباشر هو ما يُرعب إيران. أي دور أوروبي مستقل يُمكن اعتباره مصدر قلق أمني أو عزوفا إسرائيليا عن التعاون الأميركي. وبالتالي، كان رهان تل أبيب واضحا: ضمان العودة إلى “الحبل الأمريكي” كقناة حماية ومسار منفذ.
أما من جانب إيران، فهي رفضت تغطية أوروبية “لا ضمانات لها”؛ فطهران، تدرك أن أوروبا غير قادرة فعليا على ضمان رفع العقوبات أو منع الضربات المتكرّرة، حتى السرية منها. وبالتالي، كانت البراغماتية الإيرانية تميل لإعطاء وزن أكبر لابتزاز واشنطن، عبر وصول صواريخها ومسيراتها إلى العمق الإسرائيلي الداخلي، مقابل إعادة الحوار.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، فكانت محاولتها في تهميش أوروبا خطوة نحو موافقة الأوروبيين على “5%” من الناتج المحلي الإجمالي، لكل دولة أوروبية، لصالح حلف الناتو.. وهو ما تحقق في قمة الحلف خلال الأسبوع الماضي.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن أوروبا تفتقد اليوم القدرة والأدوات والموارد لقيادة دور أمني أو دبلوماسي مؤثر في أزمات إقليم الشرق الأوسط، وهو ما بدا بوضوح خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران. وكما يبدو، فإن الاستراتيجيات الأمريكية، وفاعليتها العسكرية الميدانية، تضع أوروبا في “خانة الدعم المؤسساتي” فقط.
أما إسرائيل، على الجانب الاستراتيجي، فهي تربط مصير اتفاقاتها بكونها تعتمد على الحماية الأمريكية أولا، وتجد في أوروبا نشاطا شكليا أكثر من معبّر. أما إيران، فهي بدورها لا تمنح أوروبا صيغة مصداقية فعلية أمام الضغوط الأمريكية الفعلية، وعليه ترجو من أوروبا شرعية إعلامية، لا دورا فعليا.
وبكلمة.. الأدوار الأمريكية الكبيرة، في القيادة والضغط، ترفع من أهمية حضور واشنطن على حساب التأثير الأوروبي، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي. لذلك، السؤال المهم: هل يمكن لأوروبا أن تعزز في المستقبل قدراتها الدفاعية، وتثبت أنها ليست فقط “راعية كلام وليست ضامنة ردع”؟ الخطوة القادمة ستكون محفوفة بالتحديات، وهي تتطلب تحولا جذريا في طبيعة النهج الأوروبي تجاه الشرق الأوسط ودوله.. خاصة العربية منها.








