مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، انتهت ولو بشكل مؤقت المواجهة بين الجمهورية الإيرانية، ودولة الاحتلال الصهيوني، التي دامت 12 يوما من 13: 25 يونيو الجاري.
كشفت هذه المواجهة -على قصر مدتها- عن تباين هائل، بين ثقافتي الطرفين المتحاربين.. تباين لا أبالغ إن قلت أنه كان عاملا مهما، إن لم يكن حاسما في نتائجها.
حيث راهن العدو على تفكك الجبهة الإيرانية الداخلية، بعد هجومه الغادر صبيحة الثالث عشر من الشهر الحالي، على عدة مناطق في إيران، وأسفرت عن اغتيال عدد كبير من قيادات الجيش والحرس الثوري.
إلا أن هذا الهجوم أتى بنتيجة معاكسة، لما تصوره -وتمناه- العدو، حيث زادت اللُّحمة بين الجماهير الإيرانية وبين شعبها وقيادتها.
وتجسَّدت هذه اللُّحمة في مبادرات اجتماعية، كتلك التي أطلقتها مجموعات شبابية وطلابية، في محافظات عدّة في إيران، لمساعدة العالقين بسبب العدوان، وفتح عدد من المدارس، لتكون مراكز إيواء مؤقتة لهم.
ووفقا لتقرير لقناة الميادين الاخبارية.. انتشرت مجموعات من الأهالي والمتطوعين في الطرق بين المحافظات ومحطات الوقود، لتقديم الوجبات والمياه للمسافرين والعائلات المغادرة من مناطق الخطر.
وعلى الصعيد الأمني.. برز التعاون بين المواطنين والأجهزة الإيرانية من خلال الإرشاد عن خلايا تجسس تابعة للعدو، ما مكَّن الأجهزة المذكورة من الكشف عن عملاء للموساد، وضبط ما بحوزتهم من مسيَّرات ومتفجرات في أكثر من محافظة.
وبطبيعة الحال، أشادت القيادة الإيرانية بهذه الروح الجماعية، وأعرب المرشد الإيراني فيما أسماه “خطاب النصر” الخميس الماضي عن فخره بالوحدة الاستثنائية للشعب الإيراني.
وقال “أمة يقارب تعداد سكانها 90 مليون نسمة، وقفت صفا واحدا، بصوتٍ موحّد، وكتفٍ إلى كتف، في دعم حاسم لقواتها المسلحة”.
وأضاف “لقد أثبتت الأمة الإيرانية شخصيتها المتميزة، وأثبتت أنه عندما يكون ذلك ضروريا، سيتم سماع صوت واحد من هذه الأمة”.
على الجانب الاخر، أي الجانب الصهيوني، بدت الصورة مغايرة تماما للصورة المذكورة أعلاه، حيث كشف تساقط الصواريخ الإيرانية عن الفوارق الاجتماعية والطبقية والعرقية في الداخل الصهيوني.
حيث عانت الأحياء ذات الاغلبية العربية -في الداخل المحتل- من غياب شبه تام للملاجئ المحصنة، المخصصة لمثل هذا القصف، وفي الوقت ذاته شهدت الأحياء التي توجد فيها هذه الملاجئ تدافعا من قبل المستوطنين الصهاينة.
وفي مشهد شديد العنصرية.. مُنع كل من هو غير يهودي من دخول الملاجئ، حيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطعا مصورا يبدو فيه عدد من الشباب الصهاينة، وهم يمنعون عمالا أسيويين من دخول الملجأ رغم ضراوة القصف الإيراني، ودفعوا العمال بعيدا عن المدخل، وهم يوجهون لهم سبابا عنصريا.
وأظهرت مقاطع مصورة أخرى، تفشّي روح الأنانية والرغبة في إنقاذ الذات في الملاجئ المذكورة، في مقابل روح التعاون الجماعي التي سادت لدى الجانب الإيراني.
إن دولة الاحتلال منذ قيامها على ارض فلسطين عام ١٩٤٨، وعلى حساب شعب فلسطين العربي، كرّست دعاية وصفت فيها ذاتها بأنها “بوتقة صهر” يندمج فيها مهاجرون يهود من مختلف أنحاء العالم.
لكن الاختبار الذي شكّلته المواجهة مع إيران، كشف عن مدى هشاشة “بوتقة الصهر” الصهيونية وأن الوحدة المزعومة بين الصهاينة، لا تصمد في حقيقة الأمر أمام أي تحد خارجي.
ومن قبيل السخرية، أن الحكومة التي راهنت على تفكك المجتمع الإيراني، عانت من هذا التفكك والانقسام في الداخل، وبين مستوطنيها الذين برزت كافة تناقضاتهم مع أول صاروخ إيراني سقط على مستوطناتهم.
ولا يسع المتأمل في هاتين الصورتين المتناقضتين تماما، إلا أن يطرح سؤالا: أي ثقافة من هاتين الاثنتين جديرة بالاحترام، والأهم: أيهما جديرة بالنصر والبقاء؟








