في حديثنا عن الزمن الإلهي والزمان الإنساني، خصصنا مقالين من قبل للحديث عن مصطلح “ٱلۡيَوۡم”، من منظور دلالة الاستخدام القرءاني للمفهوم.. إلا أننا -هنا- نود أن نُخصص هذا الحديث، ختاما لمتوالية الحديث عن هذا المصطلح، “ٱلۡيَوۡم”، في التنزيل الحكيم. إذ إن “ٱلۡيَوۡمَ” في السياق القرءاني يتمتع بتنوع دلالي كبير، يعكس عظمة البيان القرءاني وعمقه. فهو لا يقتصر على المعنى “الحرفي” للكلمة، بل يتعداه ليشمل حقبا زمنيةً طويلةً، وأحداثا كبرى، وأزمنةً غيبيةً لا يعلمها إلا الله.
هذا التعدد في الدلالة يدعونا إلى محاولة تدبر آيات التنزيل الحكيم بعمق، وفهم السياقات المختلفة التي ترد فيها الكلمات؛ لندرك المعاني الحقيقية التي أرادها الخالق جل وعلا، ولنقترب من فهم أبعاد الحقيقة الكونية والإلهية التي لا حدود لها.
إن التأمل في هذه الدلالات، يعمّق إيماننا بقدرة الله المطلقة على تقدير الزمان والمكان، ويذكرنا بمدى ضآلة إدراكنا مقارنة بعظمته سبحانه.
وهنا، سنحاول الاقتراب من مفهوم “ٱلۡيَوۡم” بين الزمان التاريخي والزمن الغيبي؛ وكذلك البعد الوظيفي والرمزي لـ”ٱلۡيَوۡم” في التكوين القرءاني للوعي.
التاريخي والغيبي
بداية.. ورد لفظ “يوم” في آيات التنزيل الحكيم في أربعمائة واثنين وسبعين (472) موضعا؛ وقد ورد في جميع مواضعه بصيغة الاسم الدال على الزمان، ولم يأت بصيغة الفعل في أي من مواضع وروده في القرءان الكريم. وقد ورد لفظ “يوم” مُضافا إلى أمور عديدة: ورد مُضافا إلى “ٱلظُّلَّةِۚ” كما في قوله عزَّ وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: 189] وورد مُضافا إلى “عَصِيبٞ” كما في قوله عزَّ من قائل: ﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ﴾ [هود: 77] وورد مُضافا إلى “عَظِيمٖ” كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [الأنعام: 15].. وورد مُضافا إلى غير ذلك من الأوصاف والأسماء.
أما من حيث دلالة مفهوم “ٱلۡيَوۡم” بين الزمان التاريخي والزمن الغيبي.. يمكن التأكيد على أن “ٱلۡيَوۡمَ” في البنية القرءانية، لا يُقدَّم بوصفه مفردة زمنية واحدة، تنتمي إلى واقع زمني متماثل، بل يتوزّع بين مجالين دلاليين كبيرين: أحدهما زمانٌ تاريخي دنيوي مشهود؛ والآخر زمنٌ غيبي أخروي موعود، ولكل منهما خصائص وظيفية وتأويلية.
في السياق التاريخي، يُذكر “ٱلۡيَوۡم” ليدلّ على لحظة فاصلة في مجرى الصراع بين الحق والباطل، أو بين الإيمان والكفر. يتكرر هذا المعنى في الآيات التي تُشير إلى أحداث بعينها؛ مثل قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] وأيضا قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ [التوبة: 25].
واللافت، أن هذه الأيام تمثل لحظات تمحيص تاريخي، يكشف جوهر الجماعات ويضعها على محكّ الفعل والمصير؛ إنها ليست مجرد ذكريات، بل نماذج تحذيرية تتجاوز التاريخ لتُصبح أدوات تربوية وإيمانية، توظَّف في الخطاب القرءاني لخلق وعي جدلي بالتاريخ.
في المقابل، حين يُستخدم “ٱلۡيَوۡم” في السياق الغيبي، فإنه يُحيل إلى أفق يتجاوز المنظور البشري للزمن؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [المطففين: 6] وأيضا في قوله عزَّ وجل: ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٭ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٭ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٭ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ﴾ [عبس: 34-37] وكذلك في قوله عزَّ من قائل: ﴿فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ٭ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ﴾ [المدثر: 9-10].. إذ إن هذا اليوم لا يمكن احتواؤه بالقياس الزمني المعتاد؛ بل هو انفجار وجودي تنحلّ فيه قوانين الدنيا، ويُعاد فيه تشكيل المعنى والعدالة من جديد. يوم القيامة – بوصفه “اليوم الآخر”- هو لحظة التظهير الكامل لكل ما كان خفيًا، وانكشاف الميزان الحق الذي كان الزمان الدنيوي يخفيه أو يؤجّله.
وعليه، فإن الفرق بين “اليوم” التاريخي، و”اليوم” الغيبي، ليس مجرد فرق في موقع الزمن، بل فرق في وظيفة الوعي.. فـ”اليوم التاريخي” يختبر الجماعة في معترك الفعل، بينما “اليوم الغيبي” يختبر الحقيقة في معترك الحساب.
الرمزي والوظيفي
أما بالنسبة إلى البعد الوظيفي والرمزي لـ”ٱلۡيَوۡم” في التكوين القرءاني للوعي؛ يمكن ملاحظة أن كثافة الحضور الدلالي لكلمة “ٱلۡيَوۡم” في التنزيل الحكيم لا تعود فقط إلى وظيفتها الزمنية؛ بل إلى كونها أداة مركزية في بناء الوعي الإيماني والوجودي. فالقرءان الكريم لا يتعامل مع الزمن باعتباره خلفية صامتة تجري عليها الأحداث، بل باعتباره أفقا للتكليف، وساحة للابتلاء، وميدانا للمعنى.
فـ”ٱلۡيَوۡم” في كثير من المواضع يتحوّل إلى رمز، لا فقط للزمن، بل للحظة القرار والفصل والانكشاف؛ ففي قوله سبحانه: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ…﴾ [المائدة: 3] يتحوّل “ٱلۡيَوۡم” إلى لحظة تتجاوز حدود الوقت، لتصبح رمزا لاكتمال الرسالة وتحولا في مسار الوجود الإيماني. وكذلك في قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [الأنعام: 93] وفي قوله عزَّ وجل: ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [يس: 65] في هاتين الآيتين الكريمتين، يُستعمل “ٱلۡيَوۡم” ليعلن لحظة التحول من الاختيار إلى الجزاء، ومن الغفلة إلى الشهادة.
ومن هذا المنظور، فإن “ٱلۡيَوۡمَ” في القرءان الكريم هو بنية رمزية تستبطن مفهوم الاختبار والمصير؛ إنه يعيد تشكيل “الزمان” لا بوصفه ماضيا أو مستقبلا، بل بوصفه فرصة أو تهديدا، عطاءً أو حسابا. هذه البنية تجعل من “كل يوم” إمكانا وجوديا جديدا. إذ لنا أن نتأمل قوله عزَّ من قائل: ﴿يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ﴾ [الرحمن: 29]. فلا يوم يشبه الآخر في علاقته بالله، ولا لحظة تمرّ دون أن تكون مجالا للفعل أو التراجع أو التوبة أو التبصّر.
في هذا الإطار.. يمكن القول إنه من خلال تتبّع مصطلح “ٱلۡيَوۡم” في القرءان، يتكشّف لنا أن الزمن في النص القرءاني ليس مجرد سياق خارجي تجري فيه الأحداث، بل هو بنية داخلية للخطاب ومكوّن وجوديّ للإنسان. الزمن هنا يُصنع ويُعاد تعريفه من خلال القيمة، والفعل، والقرار، والمصير. فـ”ٱلۡيَوۡمَ” لا يُفهم في التنزيل الحكيم على نحو خطيّ، بل على نحوٍ شعوريٍّ وتكليفيّ؛ فهو محكٌّ دائم بين الممكن والمصير. هو لحظة تُعيد بناء الإنسان: إمّا بأن تكون يوما من “أيام الله” في الدنيا، أو يوما من أيام الفصل والجزاء في الآخرة، أو يوما رمزيّا يُعلن ولادة جديدة في وعي المؤمن.
ومن هنا، يمكن القول إن القرءان الكريم يعيد فلسفة الزمن إلى جذورها الأخلاقية والروحية، ويحرّرها من الحيادية التي فرضتها الرؤية المادية الحديثة. كل “يوم” هو إمكان مفتوح للتغيير أو للثبات، للفتح أو للخذلان. ولعل أعمق ما يمكن الخروج به، هو أن القرءان لا يربط بين “اليوم” و”الزمن” فقط، بل بين “اليوم” و”الحق”. كل يوم هو شهادة على موقف، وكل موقف هو إعداد ليوم آخر، حتى تصل السلسلة إلى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ…﴾ [النبإ: 39].
وهكذا، يصبح “ٱلۡيَوۡم” مفهوما مفتوحا على الزمن، والموقف، والمصير، والوعي معا.
فماذا إذن عن الـ”شَهۡر”؟ وللحديث بقية.







