تحت شعار “شراكة من أجل جنوب عالمي شامل ومستدام”، تنعقد القمة السابعة عشرة لمجموعة “بريكس” في ريو دي جانيرو، البرازيل، أيام الأحد والإثنين، 6-7 يوليو 2025. تجمع هذه القمة قادة مجموعة الاقتصاديات سريعة النمو (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا)، إضافة إلى دول جديدة من مرحلة التوسع (مصر، الإمارات، السعودية، إيران، إثيوبيا، إندونيسيا)؛ هي تمثل مجتمعة قرابة نصف سكان العالم، و40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
واللافت، أن هذه القمة تأتي في ظل ظروف دولية مضطربة، تتوّجها تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 100% على صادرات دول المجموعة، التي تسعى لتقويض هيمنة الدولار، والتوجه نحو تعزيز استخدام عملاتها الوطنية، والتخطيط بعقل جماعي لاستقلال مالي غير مسبوق.
الرسوم الجمركية
منذ انتخابه، كرر ترامب على منصة “تروث سوشيال” تهديداته، بفرض رسوم جمركية مرتفعة، تصل إلى 100%، على دول بريكس التي تسعى إلى “إيجاد عملة جديدة”، أو دعم عملة أخرى، لتحل محل الدولار، في التعاملات التجارية بين دول المجموعة. وقد أرسلت الإدارة الأمريكية، قبل القمة بأيام، رسائل إلى جميع الشركاء التجاريّين، تحدد لهم مستويات التعريفات، التي ستسري اعتبارا من 9 يوليو، وكان من بينهم الدول أعضاء بريكس.
والواقع، أن فرض الإدارة الأمريكية رسوما جمركية على السلع الواردة من هذه الدول، بمثل هذه النسبة المرتفعة، سوف تُسفر عن عددٍ من التداعيات الاقتصادية على اقتصادات دول مجموعة بريكس؛ من أهمها: انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لدول بريكس بشكل كبير، مع تعرّض الصين للنسبة الأعلى.. وتزايد التضخم في معظم الدول المشاركة، في حين قد تشهد الصين تراجعا مؤقتا بتأثير سياساتها النقدية. أضف إلى ذلك، انخفاض الناتج المحلي الأمريكي بنحو 432 مليار دولار، بمعدل تضخُّم حوالي 1.6% أعلى مقارنة بالحالة بدون هذه الرسوم؛ وذلك بحسب تقديرات المعهد الأمريكي للسياسات الدولية (PIIE).
هذا السيناريو يعكس وجهين لعملة واحدة: أضرار فورية محتملة للدول المستهدفة، وآثار عكسية على الاقتصاد الأمريكي نفسه.
في هذا السياق، وكما تُشير بعض التقارير الإعلامية، يعتزم قادة دول مجموعة بريكس، ممن سوف يحضرون قمة ريو دي جانيرو، التنديد بسياسات الرئيس الأمريكي ترامب التجارية؛ وكما يبدو، سوف تتبنى القمة – كما يرد من نقاط يتضمنها البيان المعد – موقف الضد من “الإجراءات الأحادية القسرية والرسوم الجمركية التعسفية”، دون ذكر الولايات المتحدة أو الرئيس ترامب صراحةً. بهذا المعنى، يُرسل البيان المُعدّ رسالة قوية، مفادها أن مثل هذه الإجراءات تهدّد وتقوّض التعددية الاقتصادية. ومع ذلك، سوف تتجنب القمة التصعيد الحاد الرسمي، وهو انعكاس لحذر الدول التي ترتبط بعلاقات اقتصادية غير متجانسة مع واشنطن، أبرزها الهند.
وبالتالي، فإن تهديد ترامب – الذي سوف يرفضه بعض القادة – ربما يُعزّز من رغبة بريكس في توطيد دعمها المالي، وسط ظروف تصاعد القلق الاقتصادي. بل، ربما تكون هذه الضغوط محفّزا لدفع عملية “التكامل المالي” داخليا للمجموعة.
تقويض الدولار
ضمن أهم القضايا اللافتة لمجموعة بريكس، هي محاولتها، خاصة بعد توسيع عضويتها لتصل إلى إحدى عشرة دولة، من بينها ثلاث دول عربية، في تشكيل إطار مالي مستقل عن الاعتماد الكامل على الدولار.
وتتلخص مساعي المجموعة في العمل على عدد من الإجراءات في هذا الشأن، من أهمها: تعزيز التبادلات بالعملات الوطنية بدل الدولار؛ فضلا عن إطلاق نظام دفع بديل (BRICS Pay)، قائم على بنية ربط معاملات لامركزية، لا يخضع للنظام المالي الدولي (ًٍSWIFT). هذا، بالإضافة إلى إنشاء بنوك استثمارية وقنوات تمويل مشتركة، مثل “بنك التنمية الجديد”، ومجال احتياطي الطوارئ (CRA).
ومن الواضح، أن هذه الإجراءات تُعزز رغبة دول المجموعة في أهداف بعينها، مثل: تخفيف تأثير العقوبات الأميركية على معاملات الدول، مثل العقوبات على روسيا وإيران؛ وتقليل تكلفة المعاملات الأجنبية، عبر تخفيض رسوم الصرف والتحويل. وأيضا، تحصين اقتصادات دول المجموعة من تقلبات الدولار والتقلبات السياسية للمحكم الأمريكي.
إلا أن الملاحظة، الواجب تثبيتها، هنا، بالرغم من ترحيب بعض الدول بمبادرات تقويض الدولار، ومن بينها روسيا والصين، إلا أن قادة دول أخرى، مثل الهند والبرازيل، يميلون إلى الرغبة في مقاربة تدريجية، مع مراعاة مخاطر التأثيرات الجانبية الاقتصادية المحتملة. ويبدو مشهد التوجه في القمة وكأنه اتفاق غير ملزم، أو بالأصح يبدو أنه ما يزال في “مرحلة إطار تأسيسي”، وليس بعد قرارات تنفيذية قوية.
ولا عجب، والحال هذه، أن تهديد ترامب السماح بفرض رسوم جمركية صارمة، لاستيضاح خط أحمر واضح تجاه خطط تقليل الاعتماد على الدولار، في الوقت الذي يُشكل فيه عنصر تخوّف يدفع البعض للبقاء ضمن النظام التقليدي بحذر؛ إلا أنه يُشكل – في الوقت نفسه – عاملا محفزا لدفع التعاون في الداخل البريكسي.
احتمالات مستقبلية
يظل جدول الأعمال، المتوقع للقمة، أن يتخذ شكل “قمة حذرة”؛ بمعنى أن هناك تفاهما لرفع الأصوات ضد الإجراءات الأمريكية، ولكن تجنّب التصعيد الفوري في القرارات؛ فعدد من الدول (كالإمارات ومصر، فضلًا عن الهند)، يسعى لتفادي سياسات المواجهة المفتوحة، بينما تبحث روسيا بحذر عن توفير خيارات أكثر استقلالا.
ولعلنا لا نُغالي إذا قلنا أنه من المتوقع أن تظهر القمة كـ”منصة إعلان عن نوايا”، وتسهيل أدوات مستقبلية، أكثر مما هي جلسة للتنفيذ الفوري. لكن هذا لا يلغي أن ثمة احتمالات مستقبلية، تتضمن عددا من السيناريوهات، أهمها:
– السيناريو التصادمي؛ إذ إن فرض رسوم بنسبة 100% على السلع الواردة من دول المجموعة، واستمرار الضغوط الأمريكية، قد يدفع بريكس لاستخدام نظام “BRICS Pay” أولا، وتطوير مؤسسات تمويلية بديلة بشكل أسرع، ربما تنفذ مرحلة أولى باستخدام العملة الوطنية.
– السيناريو المعتدل؛ بمعنى التحرك الدبلوماسي، دون تصعيد كامل، بحيث تدخل العملة الوطنية في حجم محدود من التجارة، مجنبا الصدمات الاقتصادية.
– السيناريو الاستباقي؛ تدخلات في المؤسسات المالية التابعة لبريكس، لتبني شبكة “SWIFT” بديلة، ربما حتى إنشاء رابطة تشابكية، مثل “BRICS Bridge”، لكن هذا يتطلب تعاونا تقنيا وسياسيا فوريا.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن “اللاءات” الصاخبة، و”التهديدات” الأمريكية الصارخة، تجاه الرسوم الجمركية، سوف تُشكّل خلفية مشجعة للتكامل المالي بالنسبة لمجموعة بريكس؛ لكنها لن تنتج بشكل فوري -كما هو متوقع- أي فعل ملموس قاطع لاستبدال الدولار. بل من المُرجح لأن توجد أرضية لمقاربة استراتيجية متدرجة، قد تمثل نقطة تحول في إدارة تدفقات الأسوق، والتضامن الاقتصادي في جنوب العالم. ويُحتمل أن تشهد السنوات القليلة القادمة تقدما أعمق في هذا الاتجاه، لكن إنجاز مرحلة “ما بعد الدولار” سيتوقف على قدرة الدول على تجاوز التحديات التقنية، السياسية، والاقتصادية.. لعقود من الاعتماد على الدولار.








