فن

وداعا سامح عبد العزيز.. “كلمتك وسط الجموع”

غيّب الموت صباح اليوم المخرج السينمائي المصري سامح عبد العزيز، عن عمر ناهز 49 عاما، إثر تدهور مفاجئ في حالته الصحية، بعد نقله إلى المستشفى بسبب أزمة صحية حادة.

وقد أفادت مصادر طبية، أن المخرج الراحل كان قد أصيب بعدوى فيروسية في الدم، أدت إلى اضطراب حاد في مستويات السكر، ما استدعى إدخاله إلى العناية المركزة حيث فارق الحياة صباح اليوم.

تخرّج عبد العزيز في قسم المونتاج بالمعهد العالي للسينما عام 1996، وعمل مخرجا للبرامج بالتليفزيون المصري، ثم في قنوات دريم وروتانا، قبل أن يدخل عالم الإخراج السينمائي مع فيلم “درس خصوصي” عام 2005.

أخرج سامح عبد العزيز 38 عملا في السينما والدراما التليفزيونية، تنوعت بين الكوميديا الخفيفة، والدراما  والفانتازيا والرومانسية والحركة والمغامرة.. وكان فيلم “الدشاش” من بطولة محمد سعد، هو آخر أعمال المخرج الراحل السينمائية، أما الدراما التليفزيونية، فكان مسلسل “شهادة معاملة أطفال” الذي عُرض في شهر رمضان الماضي من بطولة محمد هنيدي، هو آخر أعمال عبد العزيز.

في السينما تبرز ثلاثة أعمال للمخرج الراحل، لا بد من الوقوف عندها تميزت بالبطولة الجماعية، وشهدت مباريات في الأداء على أفضل ما يكون، أولها فيلم “الفرح” 2009، من بطولة مجموعة كبيرة من نجوم الفن المصري، على رأسهم خالد الصاوي والراحلة الرائعة كريمة مختار.. طرح الفيلم رؤية فلسفية عميقة عن القدر الذي يتحكم في مصائر البشر، وكيف يصنع الإنسان قدره بنفسه.. من خلال قصة زينهم الذي يحتاج مبلغا من المال لشراء “ميكروباص” فيلجأ لحيلة عمل فرح وهمي، ويستأجر عريس وعروس، من أجل جمع “النقوط” الذي له عند الناس.. وتسير الأمور على ما يرام.. إلا أن حدثا جللا هو وفاة أم زينهم تغير اتجاه الأحداث.. عالج عبد العزيز الفكرة المحورية في الفيلم من خلا وضع نهايتين متباينتين، الأولى تنبني على إعلان زينهم وفاة أمه وتوقف كل شيء، والنهاية الثانية أساسها إخفاء خبر موت الأم والاستمرار في الفرح الزائف.. ما يجعل الامور تؤول إلى الأسوأ.

تناول الفيلم عددا من القضايا من خلال قصص أبطاله المتنوعة، المنولوجست صلاح وردة الذي مضى زمنه، ويحاول الظهور أمام ابنه بصورة الفنان المرغوب من الناس، والنبطشي العسلي الذي يبغض والده بسبب عقدة أصيب بها بعد تشويه وجهه، والراقصة نوجة التي تتوب على يدي أم زينهم قبل وفاتها، وحسن الحشاش الذي يحاول غواية سميرة الفتاة “المسترجلة”.. وغيرها من القصص.. عمل أكثر من رائع جمع بين النجاح الجماهيري وثناء النقاد.

العمل الثاني هو فيلم “كباريه”2008، من بطولة مجموعة كبيرة من النجوم على رأسهم فتحي عبد الوهاب والماجد الكدواني وصلاح عبد الله، وتدور أحداث الفيلم في إطار تشويقي بعد أن تقرر إحدى الجماعات الدينية تفجير  ملهى ليلي، بإرسال الشاب شعلان الذي يحمل حزاما ناسفا لإنجاز الأمر.. لكن الشاب يلتقي داخل المكان بعدد من النماذج تجعله يفكر في التراجع.. يستعرض الفيلم عددا من القصص المأساوية للعاملين في هذا المجال.

العلم الثالث هو فيلم الليلة الكبيرة 2015، وتدور أحداث الفيلم كلها في يوم واحد، في المولد الشعبي المقام لسيدنا عرش الدين. يجول بنا عبد العزيز في عالم الموالد الشعبية وما تتضمنه من قصص وحكايات، بداية من حلقات الذكر والطقوس الروحية، إلى جوار الكثير من الموبقات مثل تعاطي المخدرات وارتكاب الجرائم وممارسة الفاحشة.. عالم المولد هو صورة مصغرة من عالمنا الذي تتجاور فيه الشخصيات والمشاهدة على تباينها الشديد.. والفيلم يطرح أكثر من قضية هامة تتعلق بالدجل والاتجار بالدين وتسخير العلم لخداع البسطاء.

في الدراما التليفزيونية يبرز مسلسل الحارة 2010، وهو عمل يتناول بيئة الحارة المصرية التي تضج بالنماذج التي تتنوع بين الطامحين والراضين القانعين.. من يقاتلون من أجل البقاء على قيد الحياة في أصعب ظروف المعيشة، مع التمسك بالأمل في غد أفضل مثل الأم صفية التي تحاول تزويج ابنتها بكل الطرق رغم فقرها الشديد، وعريس ابنتها عبد الله، الذي يسعى لامتلاك ثروة عن طريق التنقيب عن الآثار.. هناك أيضا الصيدلي المسن عطية الذي يبيع الأدوية المجدولة للمدمنين لجمع المال إرضاء لزوجته الشابة، وصباح التي تتجه للتسول بعد أن استولى أخوها على ميراثها، ومنى التي تسعى للانتقام من أمين الشرطة صلاح  الذي تسبب في سجن أبيها.. وقصص أخرى تتناول الصراع حول الماديات والرغبة في الخروج من الحارة إلى عالم الثراء الفسيح.

يربط بين الأعمال الأربعة.. تعدد القصص داخل العمل الواحد.. ما يمكن معه القول أن كل عمل منهم يمكن أن يفرد في أربعة أعمال على الأقل.. لكن سامح عبد العزيز -مخرجنا الراحل- كان يرى أن إثراء العمل الفني بتعدد القصص مع وحدة الفكرة يصب في صالح العمل لا ضده.

يذهب كثيرون إلى أن عبد العزيز قدّم أعمالا كثيرة لم تكن على المستوى المطلوب؛ منها أعمال يصنفها البعض بأنها أعمال متدنية المستوى تخاطب الغرائز ولا تحمل قيمة فنية.. معظم هذه الأعمال أصبح طي النسيان لا يتذكره أحد وتبقى الأعمال الجيدة خالدة في وعي ووجدان الجماهير.. رحم الله سامح عبد العزيز وغفر له.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى