رؤى

المسار التحولي لقصيدة النثر.. في كتاب “شجون الغريبة” لعلوان مهدي الجيلاني (2-4)

المقاربة الثانية في هذا الفصل عنوانها (قصيدة النثر الفيسبوكية بوصفها صعقة ذهنية)، والحقيقة أن ما جاء في هذا الفصل يعدّ دراسة غير مسبوقة مقارنة بدراسات أخرى تناولت قصيدة النثر الفيسبوكية، بوصفها ظاهرة شعرية جديدة، وبوصفها دالّة على الأثر العميق لفيسبوك على حياتنا وتصوراتنا.

تقوم الدراسة على مقارنة بين الشعر العربي القديم مثل “رثاء الأطلال” وقصيدة النثر الفيسبوكية الحديثة، وعلى مقارنات أخرى بين محفزات القول الشعري في التراث القديم، ومحفزات القول الشعري على منصة فيسبوك، وإلى جانب المقاربات التاريخية والثقافية للشعر في سياقاته المتغيرة، تركز الدراسة على تحليل المضمون والثيمات التي تتناولها القصائد، وكيفية انعكاس التحولات الاجتماعية والنفسية التي أحدثتها منصات التواصل الاجتماعي في تلك النصوص.

الدراسة تعكس وعيا عميقا بالتحولات، التي طرأت على الساحة الشعرية العربية، خلال العقدين الماضيين، وهي تحولات أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي؛ وفي هذا السياق نستطيع التأشير على عدة متغيّرات تطرقت إليها الدراسة:

أولّها: تشوه إدراك الزمن؛ حيث تُبرز الدراسة كيف أن فيسبوك يغير إدراكنا للزمن، وذلك عبر إعادة تدوير المحتوى القديم في سياقات جديدة، ما يجعلنا نشعر بالحضور والغياب في آن، وهذا يمثل تحديا للطبيعة الخطية للزمن التي اعتاد عليها الشعر.

ثانيها: تحول الفضاء الأزرق (فيسبوك) إلى مساحة جديدة للتعبير الشعري، حيث يحاول الشاعر التقاط اللحظات الرقمية العابرة وتخليدها، على غرار ما فعله الشعراء القدماء مع مشاهد الصحراء الزائلة؛ والجيلاني يعتبر تلك الحالة دلالة على استبدالات قوية، كما يعدها “تأشيرا على وجع وجودي صار يصيب الشاعر. إنه وجع يشبه وجع الشاعر الجاهلي وهو يقف على مضارب الراحلين، يتأمل بحزن سرعة زوالها بعد أن عفتها الرياح وطمست آثارها، يتعلق الأمر بسرعة تلاشي الأشياء على صفحات فيسبوك، تظهر المنشورات والصور بسهولة ويتم التفاعل معها بسهولة، ثم تختفي بنفس السهولة، تتوارى في أعماق الصفحة خلف سيل جديد من المنشورات” شجون الغريبة، ص139.

ثالثها: تحول مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، إلى محفز شعري أو ملهم للقصيدة لدى الجيل الجديد من شعراء قصيدة النثر العربية، وهم تحديدا الشعراء الذين ينشرون قصائدهم على منصة فيسبوك مباشرة، وتتسم قصائدهم بسمات مميزة -سيأتي ذكر بعضها- وبسبب تلك السمات أطلق الجيلاني عليها هذا الاسم (قصيدة النثر الفيسبوكية)، ويمثل تحول مارك زوكربيرك، مؤسس فيسبوك إلى محفز شعري، أو ملهم للقصيدة إلى ظاهرة مثيرة للاهتمام في الشعر العربي المعاصر، فالجيلاني يرى أن زوكربيرك قد حل محل المحفزات الشعرية التقليدية في الثقافة العربية؛ فبعد أن كان الشاعر يناجي الطلل، أو رفاق الرحلة، أو الليل، أو يكتب بالورقة والقلم، أصبح يخاطب مارك زوكربيرغ بوصفه رمزا للفضاء الافتراضي؛ الأكثر من ذلك، يعتبره الجيلاني ملهما ومحفزا للكتابة، أشبه بـ “شيطان الشعر” عند العرب القدماء، أو أبولو إله الشعر عند الإغريق.

وبدهشة كبيرة يسوق الجيلاني عديد النصوص الشعرية الفيسبوكية، التي تؤكد؛ كيف أن سؤال فيسبوك المباشر “بم تفكر؟” على الصفحة الشخصية، أصبح بمثابة المحفز الأساسي للقول الشعري، فالشاعر قد يواجه صفحته على فيسبوك وهو يشعر بخواء فكري، ثم يتنقل بين الصفحات الأخرى، يتماهى في الفضاء الأزرق، حتى تتكون المحفزات ويشعر برغبة في الكتابة، وكأنه يناجي حليلته أو يتلقى إلهامات، ليواجهه أخيرا السؤال الأكبر “بم تفكر؟” الذي يفجر فيه القول الشعري، وهو ما يوازيه الجيلاني بالسؤال التقليدي “ما قال؟” الذي كان يحفز الشعراء الشفاهيين في مناطق مثل تهامة، مؤكدا أن هذا التوازي يشير إلى أن التغيير ليس قطيعة كاملة مع الماضي، بل هو تقاطع معه، وإعادة إنتاج معاصرة لمواضعات وتقاليد المخاطب المتوهم في القصيدة العربية.

دراسة الجيلاني تتطرق إلى نقطة نقدية مهمة كان قد أثارها الناقد وليد الخشاب، وهي فرادَة هذه الظاهرة في الثقافة العربية، حيث نلاحظ نزعة تجسيدية وتشخيصية، ممزوجة بالسخرية أحيانا، تصور منصة فيسبوك وكأنها لعبة تحت سيطرة شخص واحد هو مارك زوكربيرغ، وكأنه يتابع كل تفصيل يُنشر، ويُشار إليه بكثرة في التعليقات بصيغ مختلفة، أو تتم مخاطبته شخصيا بالعربية.

ويتساءل الجيلاني عما إذا كانت ظاهرة تحوّل مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، إلى محفز شعري أو ملهم للقصيدة لدى الجيل الجديد من شعراء قصيدة النثر العربية؛ ظاهرة تقتصر على شعراء قصيدة النثر الفيسبوكية في اللغة العربية، أم أن لها نظيرا بنفس القوة في اللغات الأوروبية، وغيرها من اللغات الأخرى، معترفاً بأن التأكد من كون هذه الظاهرة لا نظير لها في اللغات الأوروبية واللغات الأخرى؛ يحتاج إلى تحقق واسع. ومع ذلك، يؤكد على أهمية تحققها القوي في الثقافة العربية، وراهنيتها الهائلة في تعاملنا اليومي مع هذا الفضاء الافتراضي، فالمهم هنا هو المساحة الواسعة التي استحوذ عليها مارك زوكربيرغ كمخاطب متوهم أو محفز للقول، والتي تعيد إنتاج تقاليد الخطاب الشعري العربي القديم بطريقة معاصرة.

رابعها: ملاحظة أن توسع أدوار فيسبوك على قصيدة النثر الجديدة لا تتوقف، كما أن استحواذاته واستبدالاته تتجاوز كثيرا تقديراتنا، فالمنصة صارت تقوم بأدوار كانت تؤديها جهات مختلفة في السابق، مثلا: يلعب فيسبوك بدور الراوية الذي كان ينقل أشعار الشاعر وأخباره، في زمن الجاهلية وصدر الإسلام، كما أن الجدار في فيسبوك يشبه حائط الكعبة في زمن المعلقات الشعرية قبل الإسلام، أيضا يحل فيسبوك محل وسائل النشر التقليدية (الصحف والمجلات) التي عرفت حتى عهد قريب، كما يحلَ محل قاعة الأمسية الشعرية، ومحل الندوة الأدبية، ومحل المهرجان الشعري؛ فبمجرد الضغط على زر النشر، تصبح صفحة الشاعر بمثابة قاعة عرض للقصيدة، حيث يتواجد الجمهور الافتراضي جاهزاً للتفاعل المباشر.

أما بالنسبة للسؤال الذي طرحه الجيلاني في دراسته؛ وهو: هل الظاهرة حصرية على الشعراء العرب؟ فإن الإجابة عليه تبدو صعبة جدا، فبحسب معرفتي باللغة الإنجليزية، يمكنني القول إنه توجد العديد من القصائد والمقالات النقدية في اللغة الإنجليزية، تتناول فيسبوك كظاهرة اجتماعية وثقافية، لكن موضوعاتها تختلف تماما؛ إذ هي تركز على ظاهرة إدمان الفيسبوك وتأثيره على الأفراد وعلاقاتهم، كما تركز على الشعور بالوحدة رغم كثرة الأصدقاء الافتراضيين، وتهتم بتأثير فيسبوك على شعور المستخدمين بالهوية والصورة الذاتية، والمخاوف المتعلقة بجمع البيانات واستخدامها.

مثلاً: هناك قصائد معروفة مثل (فيسبوك سونيت) (The Facebook Sonnet) للشاعر شيرمان أليكسي، وقصائد للشاعر براين بيلستون، والتي تشخصن فيسبوك بحد ذاته، وتتناول تأثيراته النفسية والاجتماعية، أيضا وجدت بعض الأمثلة لنصوص شعرية أو مقالات تخاطب مارك زوكربيرغ مباشرة. ولكن، هذه المخاطبة عادة ما تكون ذات طابع نقدي أو احتجاجي، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل انتهاكات الخصوصية أو تأثير المنصة على المجتمع (مثال: قصيدة “Dear Mr Mark Zuckerberg….Do Not Give Away Our Data”). كما توجد قصائد فكاهية أو تعليقات خفيفة الظل تذكره كشخصية عامة، لكنها لا تنظر إليه كـ (ملهم شعري) أو (مارد يحفز على القول)، إضافة إلى ذلك نجد بعض المقالات تناقش دور الشعر أو الفنون في إلهام قادة الأعمال، بمعنى أن قادة التكنولوجيا هم من يتحدث عن تأثير الشعر على ابتكاراتهم، لكن تلك المناقشات لا تشير إلى أن الشعراء في اللغات الأوروبية يتجهون لمخاطبة الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا (بما في ذلك زوكربيرغ) بوصفهم (آلهة شعر) أو (شياطين ملهمة) للقول الشعري.

قد تكون النزعة التجسيدية والتخاطب المباشر مع مارك زوكربيرغ كـ “شيطان شعر” أو “حليلة” كما ورد في السياق التهامي، ظاهرة تتميز بها الثقافة الشعرية العربية، أو لنقل إنها أكثر وضوحا وتأصيلا في سياقها الثقافي في اللغة العربية مقارنة بالسياقات الثقافية في اللغات الأوروبية، حيث نستطيع التأكيد على أن العلاقة بين الشاعر والمنصة ومؤسسها في تلك اللغات تبدو مختلفة؛ فهي أقل ميلا إلى الأسطرة، أو هي أقل روحانية وتأليها.

أما المقاربة الثالثة فيتتبع فيها الجيلاني “سمات وخصائص قصيدة النثر الفيسبوكية” السمات والخصائص المميزة لقصيدة النثر العربية كما تجلّت في فضاء موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك على مدار خمسة عشر عاما (2008 – 2023)، وحسب الجيلاني فإن القصد هو مقارنة سمات نصوص قصيدة النثر الفيسبوكية، التي كتبت في الفترة المشار إليها؛ بتلك التي كُتبت قبل ظهور المنصة، مع الإقرار أن البحث يواجه صعوبة حقيقية؛ بسبب كم النصوص الهائل والموزع على مئات الصفحات، ما يجعل الباحث محتاجا إلى وقت وجهد كبيرين من أجل تتبع التجارب.

الجيلاني يؤكد أيضا أنه سيتتبع النصوص في مضانها الأصلية على منصة فيسبوك، وفي صفحات أصحابها بالذات، على غرار تتبعه لشهادات الشعراء والنقاد في فصل سابق من الكتاب نفسه.

أما أولى الملاحظات التي يضعها بين أيدينا؛ فهي تميز شاعر قصيدة النثر الفيسبوكية بالإكثار في الكتابة، وهو يرجع سبب ذلك إلى حرية النشر وسهولته، بالإضافة إلى التلقي الإيجابي الذي يحظى به هؤلاء شعراء هذه القصيدة، حيث يشعر الشاعر أنه محاط بأقرانه، ما يحفزه على الكتابة والنشر، حتى لو كان يعيش عزلة حقيقية، ناهيك عن كون الفيسبوك والفضاء الإلكتروني بشكل عام يساهمان بوضع العالم بين يدي الشاعر، وهذا يسهل الوصول إلى صنوف المعرفة ويحفز الكتابة المستمرة، الجيلاني يضرب على ذلك مثالا الشاعر إبراهيم الحسين، فهذا الشاعر كتب أكثر من أربعمائة نص في عام واحد (2013- 2014)، وهو ما يعادل إنتاجه في خمس مجموعات شعرية على مدى ربع قرن سابق.

وينقل عن إبراهيم الحسين تأكيده أن غزارة إنتاجه سببها التأثر بالعوالم الرقمية التي منحته تلاقحات مدهشة، وجعلته “كائنا شعريا لا تقف شراهته عند حد”، ثم يستشهد بنص مطول لإبراهيم الحسين يصور كيف جعلته المؤثرات الرقمية؛ يتأثر بفنانين مثل فريدا كاهلو وهنري تولوز، وموسيقيين مثل ياني، وشعراء قدماء ومعاصرين، وذلك يعني أن العوالم الرقمية قد وفرت للشاعر الانفتاح على مصادر إبداعية متنوعة.

الجيلاني ينحاز لتجربة إبراهيم الحسين، فهي في رأيه -رغم غزارتها – تتميز بالاشتغال على مصفوفة هائلة من الثيمات، مثل: السؤال الفلسفي، التأملات الوجودية، تفاصيل الحياة، الموسيقى، الإصغاء للأشياء، التلبس الفني بالآخرين، ناهيك عن كونها (لا تتنازل عن شعريتها العالية أبدا، إذ هو قادر على فتح باب دهشتك في أي نص تقرأه له: “تدلت أغصان وجوههم- بضوئها الشديد في رءوسنا- وتدلى الذي فعلوه بنا- يوم تحسسنا الصدور، فلم نجد قلوبنا- رحنا نجأر مثل رعد- بوجوه مدلهمة – ودمع غزير -لا يريد أن يتوقف- عندها تيقنا أن لن يكون- بإمكاننا أبدا- قطع الطريق- إلى نسيانهم)

ثم يشير إلى أن هذا الإكثار والتلاقح لا يعتبر عيبا، بل يتحول إلى وقود خارق، وإلى وتحديات إبداعيّة عند ذوي المواهب الكبرى، ويذكر أسماء مثل عبدالمجيد التركي، عباس السلامي، وإبراهيم الحسين، وعبدالباسط أبوبكر كأمثلة، فهؤلاء وأمثالهم من الشعراء يكتبون شعرا حقيقيا، عميقا ومميزا؛ إذ تجمعهم فوضى الفضاء الأزرق وزخمه المثير، وتتصالب تجاربهم لكنها لا تتشابه، كما أن نصوصهم تستثمر كل ممكنات هذا الفضاء لخلق نص يستفيد من طبيعته ولغته.

بعد ذلك التمهيد يستطرد الجيلاني في تتبع السمات والخصائص الرئيسية لقصيدة النثر الفيسبوكية، فنجد سمة تتمثل في ميل الشعراء إلى نشر نصوصهم خالية من العناوين، وهو يذكرنا بما يذهب إليه البعض من أن غياب العنوان يمثل قيمة ضائعة، معتبرين أن ذلك يجعل النص مفتقرا إلى الرمزية، أو إلى الوضوح المباشر الذي يوفره العنوان.

أما هو فيعزو هذه الظاهرة إلى طبيعة التلقي الفيسبوكي، وهي طبيعة امتلك الشعراء خبرة واسعة بها من خلال تجاربهم الخاصة في النشر على المنصة، ومن خلال تصفح منشورات الآخرين، ومتابعة طرائق تلقي الجمهور لها، إضافة إلى أن شعراء قصيدة النثر الفيسبوكية لا يكون لديهم وقت للتفكير في العنوان، ويضرب مثالا بالشاعر عبدالمجيد التركي، الذي ينشر نصوصه بدون عنوان، معتمدا على “تحويجة” يمتلكها النص؛ مثل المشهدية والمفارقة والسخرية لتحقيق مقروئية عالية، يورد الكاتب نصين للتركي؛ الأول: يسخر من صورته كما تعكسها الكاميرا، والثاني يصور مفارقات الوجود من وجهة نظر شخص مجنون “كلما اتسعت رؤيته ضاقت ملابسه.. يقف بباب المسجد، ويقول للمتوافدين إلى صلاة الجمعة: الله ليس في المسجد”

سمة أخرى ترصد وتتمثل في القدرة على البوح بالعواطف الحارة، حيث نجد تأكيدا على أن قصيدة النثر الفيسبوكية لا تستنكف من ذلك، أما العلة فهي “عدم وجود أيديولوجيا تجعلها تتشنج بعداء حتميّ لشيء مّاط، فهي حسب الشاعر مصطفى الخياط “تشعر بحميمية بالغة حيث تقف كندٍ بلاغي للغة الجاحظ”.

من جهة أخرى فإن توجه الحالة التفاعلية نحو شغف الكتابة نفسها، يحول الماسنجر إلى منصة إطلاق للكتابة، هنا يورد الجيلاني نصا للشاعر عادل سعد يوسف يصف فيه كيف أن عدم وصول رسالة صباحية من محبوبته يجعله ينزعج، ويرسم مخططًا لحياتهما البسيطة على الماسنجر، مما يعكس تفاصيل حياتية يومية حميمية وتأثيرها على الكتابة.

من أهم السمات والخصائص التي يرصدها كتاب شجون الغريبة -في هذا الفصل- قدرة الفضاء الأزرق على منح الشاعر طرائق جديدة في الإحساس والتخيل، والمؤلف يعدُّ هذه السمة ميزة مهمة، حيث يستفيد خيال الإنسان من “التقنيات ويحولها إلى مخصبات لارتياد مناطق لم يرتدها من قبل”، فالشاعر عبدالله الحسين يكتب نصا يصف فيه كيف يصفُّ فيه نصوصه التي كتبها صفا واحدا، ويختار منها ما يشبهه، ثم “يصحب أحبهم إلى قلبه إلى سريره وينام”، وهذا يعبر عن ذاتية محضة، حيث يصبح نص المبدع هو حياته ووجوده الحقيقي، فهو يشاركه انشغالاته وأوقاته وحتى سرير نومه، الجيلاني يشبه هذه الفكرة بقصة بجماليون، في الميثولوجيا الإغريقية، حيث يتحوّل إحساس المبدع تجاه منحوتاته إلى شعور يتجاوز فرحة الإنجاز، ويجسد غنى الحياة كما يجسدها الإبداع، وهذا من أهم المؤكدات على أن قصيدة النثر الفيسبوكية، تمثل حساسية شعرية جديدة.

يمضي الجيلاني في مقاربته مشيرا إلى اتسام قصيدة النثر الفيسبوكية بأنواع كثيرة من الجماليات، مؤكدا أن هذا التنوع يستدعي مقاربات نقدية مختلفة، بمعنى أن الاقتراب منها يجب أن يقوم على المعاينة وليس على المعايرة. وفي هذا السياق يرصد العديد من الظواهر، أو السمات والخصاص، التي عدّ منها عشرين سمة وخصيصة، مثل: (نصوص الشعر على الشعر، أو نصوص الميتا شعر)، و(نصوص السرد السيري القصدي؛ المندرج في مصفوفة من الاجتراحات التراتبية المتسلسلة)، و(نصوص تعديد الخسارات، وهذه تعدُّ ملمحا مهما خاصة في قصيدة النثر الفيسبوكية اليمنية، ويعزى ذلك إلى واقع الحروب وتعدد دواعي الفجائع والفقدانات)، و”نصوص التذكّر والتشكي، وهي تلتقي مع النص السيري في الميل إلى استدعاء الماضي، لكنها ترتبط بوقائع محددة نتجت عنها أوجاع وأحزان مزمنة، وهي أيضا من بين أهم سمات قصيدة النثر الفيسبوكية الناتجة عن سياق الكوارث والحروب”، و”نصوص الهجاء القائم على السخرية والتهكّم، كانت موجودة سابقاً مع الماغوط، لكنها اتسعت في فضاء الفيسبوك، إذ هي غالباً ما تلتبس بتبادل الهزء مع الوجود وكائناته”، و”نصوص التشظي، وهي نصوص تعبر عن صعوبة الحياة في زمن الحرب”، “نصوص القرف والرفض”، يؤكد الجيلاني أنها تتفرع عن نصوص التشظي، أن هذا النوع من النصوص لا تأبه لغير تحققها الشعري، فتجد النص يقلب شفتيه في وجه الحياة، ويلعنها بأسلوب تهكمي أسود، و”نصوص الوعي الرافض للوعي بالواقع، هذه النصوص تتخذ شكلا خادعا، مثل نوستالجيا الطفولة”، يرى المؤلف أن استدعاء الطفولة هنا لا يعني شيئا، بقدر ما يعني التمرد على أشكال الاستبداد كلها، وعلى رأسها الأيديولوجيا، و”نصوص الومضة؛ تعتبر من سمات قصيدة النثر الفيسبوكية، وهي تجبر شاعرها على التشبث بإنجاز أكثر الصور كثافة وجمالية، غير أن القليل من هذه النصوص يثير الدهشة”، و”النصوص الشذرية؛ التي تفيد من انفتاح واسع على ما يكتنزه التراث الصوفي، أو على تجارب عالمية تتموضع في تجليات الهايكو، كما تتجلى في أشكال أخرى من المجاورات النصية التي تأتي من جهات العالم الأربع”، و”نصوص الكثافة، وهي نصوص تتكئ على قوة الصورة ودهشة المفارقة”، و”نصوص التفلسف المموّه، وهو نصوص تقوم في حقيقتها على وضع الكتابة الشعرية تحت مجهر الفكر، لكنها تتحاشى التصريح بما تفعل”، و”نصوص الحس الشفاهي، تُعد هذه السمة كما يقول الجيلاني من أهم ما أضافه زمن الفيسبوك لقصيدة النثر، إذ هي تعتمد على خطاب تداولي كان غالبا ما يقع خارج الشعر التقليدي، لكن قصيدة النثر نجحت في التقاط إمكاناته الشعرية”، و”غنائية الأداء، وتعتبر هذه السمة واحدة من أبرز خصائص قصيدة النثر الفيسبوكية، خاصة في اليمن، ويرى المؤلف أن ارتفاع نغمة الغنائية في الشعر اليمني ترتبط بطبيعة الإنسان اليمني نفسه، وما يعانيه من وجع وحزن وارتكاسات ومتاعب غائرة في الحياة وفي النفوس، وهي مشاعر تتسرب إلى النص بطرق مختلفة، وتتعاشق مع تجلياته الكلية”، و”نصوص ملاعبة الكابوس، وقد أصبحت هذه السمة ملمحا قويّ الحضور، وجاذبا للمتلقي على فيسبوك، وهي كما يفسّر الجيلاني ناتجة عن مهارة الشاعر وإتقانه للعبة”، و”نصوص مخاتلة الزمن، وتظهر هذه السمة في نصوص تلعب بالزمن والذاكرة، وتُعالج مفهوم الماضي والحاضر بطرق غير تقليدية”، و”نصوص رغبات الاستبدال، وتتمثل هذه السمة في تغيير استراتيجيات التعبير، بما في ذلك لغة النص، وألفاظه، وبناء عباراته، وزاوية الرؤية”، و”نصوص الوضع البشري، ويُبنى هذا النوع من النصوص كما يوضح الجيلاني على تكنيك انشقاقي يعارض الواقع المنهك بفساد السلطة وأخلاق الناس، إذ يتعمّد النص تخريب المفاهيم التقليدية؛ ليقدم رؤية مناكفة للمألوف”، و”نصوص جسدانية الذات الفردية؛ وتُعد هذه السمة واضحة في قصيدة النثر الفيسبوكية، وهي تتولد في الغالب من تضادٍّ بين الجرأة والهشاشة، وغالباً ما تكون النصوص شذرية، مستوحاة من أسلوب اليوميات”، و”نصوص مجادَلَة الحب، وتحتل هذه النصوص حيزا كبيرا على منصة الفيسبوك، وذلك بسبب سهولة الوقوع في الحب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقول الجيلاني إن هذه النوعيّة من النصوص تتشكل من كوكتيل من الموحيات الحارة جدا، وأحاسيس الوجع والحيرة والقلق، والحِجَاج الذي يجمع بين العتاب والشكوى والتذمر وقلة الحيلة”.

وقد اعتمد الجيلاني على نصوص لعشرات الشعراء من مختلف البلدان العربية من أجل إبراز تلك الخصائص والسمات.

وهكذا يمكننا القول إن ما قدمه الشاعر والناقد علوان مهدي الجيلاني في الجزء الأول من كتاب “شجون الغريبة” من تحليل تاريخي ومعرفي وتتبع شامل لتحولات قصيدة النثر عبر الأجيال بدءًا من تبدلات النسق المعرفي وأثرها على النوع الشعري، ثم قدرته على ربط الخاص “قصيدة النثر الفيسبوكية والتجربة اليمنية” بالعام “تاريخ قصيدة النثر وتبدلات النسق المعرفي”، واستقصاء ذلك كله في الوسائط والجغرافيات، وتفصيله الدقيق لتأثرها بالخصوصيات المحلية –خاصة في اليمن- وبشكل خاص، تحليله المعمق لتأثير العصر الرقمي والإنترنت على قصيدة النثر ومستقبلها، وتحديد وسوم هذه الفترة بدقة متناهية، ومناقشة تأثير فيسبوك المباشر عليها، وما أحدثه التحامها به من تبدلات لمفاهيم الزمن، واعتبار مارك زوكربيرك صاحب منصة فيسبوك شيطانا جديدا للشعر، ثم ما أثبته التتبع الواسع لسمات وخصائص قصيدة النثر الفيسبوكية، كل ذلك يبرز كتاب “شجون الغريبة” كعمل ذو أهمية استثنائية وراهنية لفهم قصيدة النثر بوصفها ظاهرة ديناميكية ومتطورة، ورصد كيفية استجابتها للتحولات المعاصرة في الوعي، والثقافة، والتكنولوجيا. كما يمنحه عمقا وشمولية يجعلانه ذا أهمية كبرى لفهم مسار القصيدة في العصر الحديث، خاصة في سياقها الرقمي والمعاصر.

زر الذهاب إلى الأعلى