ألوان الفراشة ومذاقاتها.. هو عنوان الجزء الثاني من كتاب “شجون الغريبة”، للشاعر والناقد علوان مهدي الجيلاني، وهو يتكون من ست عشرة مقاربة، لست عشرة تجربة شعرية، أنجزها الشعراء عبد المجيد التركي، هاني الصلوي، علي جاحز، جلال الأحمدي، عباس السلامي، إبراهيم موسى النحاس، محمد العديني، جميل مفرّح، سوسن العريقي، فاطمة سالم، إسلام نوّار، عبد الرحمن السماوي، عبدالله عثمان، ليلى إلهان، صالح موسى، مختار الضبيري.
ارتكزت المقاربات على تجسيد الأطروحات العامة، التي عرض لها الكتاب في نصفه الأول، بمعنى قصدية الربط بين العام والخاص؛ فإذ كان الجزء الأول من الكتاب، قد أكد على دور المنصات الرقمية -خاصة فيسبوك- في تطور قصيدة النثر العربية؛ فإن الجزء الثاني يقدم أمثلة حية لتلك الأطروحات، من خلال مقاربات موسعة لتمثيلاتها في تجارب فردية، تمثل علامات حقيقية في السياق المشار إليه.
بدءًا من تجربة الشاعر عبدالمجيد التركي، الذي يُعد نموذجا بارزا لشاعر فيسبوكي بامتياز، إذ هو يطوّع قصيدته لتناسب هذا الفضاء ويستثمره استثمارا جيدا لصالحها، وإذا كان الجزء الأول قد حدد عشرين سمة أو خصيصة لقصيدة النثر الفيسبوكية، فإن مقاربة تجربة التركي تُفصّل هذه السمات وتُظهرها بوضوح في نصوصه؛ فالتحليل يبرز رفضه للجدية والتعالي المبالغ فيهما، كما يكشف عن اعتماده على السخرية والمفارقة، وعلى بساطة اللغة، والطرافة والترميز، واستخدامه للسرد، وتفاعله مع يوميات المتلقي وانشغالاته الفيسبوكية، ناهيك عن ربط انكتاب عديد النصوص بسؤال فيسبوك “بم تفكّر؟” ما يعكس مزاج اللحظة في النص، إذ هو ينكتب كـ “حالة”، مركزا على تفهّم العلاقة بين الشاعر، النص، والمنصة، بمعنى أن العلاقة (تُمثل تواطؤا ثلاثي الأضلاع بين الشاعر، المتلقي، والفضاء الأزرق (فيسبوك)، حيث تُلهم المنصة الشاعر وتُعطيه أدوات تعبير جديدة، بينما يستقبل الجمهور نصوصا تلامس واقعهم بلغة بسيطة ومدهشة).
المقاربة تكشف للقارئ مدى النجاح الذي حققه التركي؛ كي جعل نصوصه أكثر شعبية ورواجا، بل كي يحولها إلى “عنوان لمرحلة جديدة ومفصلية في تاريخ قصيدة النثر”، وهذا يدعم بقوة فرضية أن فيسبوك لم يكن مجرد منصة نشر، بل محفزا لتطور نوعي في القصيدة؛ ومن هذا المنطلق تواصل المقاربة استكشافاتها للنزعة السردية في نصوص التركي، وكيف يستثمر تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة الطفولية، ويغمسها بالتهكم والسخرية بوصفها نظاما متأصلا في أسلوبه، ما يمنح النص ملموسية وقدرة على كسر الأنساق الثابتة والتصادم مع المسلمات.
والجيلاني من خلال هذه المقاربة المميزة والعميقة يقدم دليلا عمليا ومقنعا على صحة الأطروحات النظرية التي بُني عليها النصف الأول من كتابه، ويكشف بوضوح أن قصيدة النثر العربية قد تحوّلت وتكيّفت مع العصر الرقمي، مُنتجةً تجارب إبداعية غنية ومتنوعة تستحق التقدير والدراسة المتعمقة، والحقيقة أن هذه المقاربة تُسهم بقوّة في فهم المسار التحولي لقصيدة النثر في سياقاتها المعرفية والوسائطية والجغرافية المتغيرة.
أما في تحليله لديوان الشعر هاني الصلوي “لا كرامة لمستطيل ذلك الغيورة”، فيؤكد أن تجربة الصلوي الشعرية تُعد “إبداعا كونيا” يجمع بين “لذة النص بوصفه لغةً، ثم بوصف اللغة لعبةً تعبيريةً، ولذة الفكرة بوصفها رافعةً استثنائيةً للعبور بالنص”.
هذا المفهوم عن اللعبة الفنية، وتعدد مناحيها في نصوص الصلوي، من التكنيك إلى المعجم، يتسق تماما مع رؤية الكتاب في جزئه الأول لقصيدة النثر، من حيث أنها صارت تتجاوز إرثها التقليدي الذي أنجزته قبل زمن الميديا والمنصات الرقمية، ومن هذا المنطلق تصير قدرة الصلوي على (اجتراح لغة هادمة للأنساق السائدة)، وتآزرها مع (أفكار جديدة ومبتكرة)، إثباتا لمحورٍ أساسيٍّ من محاور الأطروحات العامة للكتاب؛ يتمثل في تتبع مسار تحوّل قصيدة النثر وتمرّدها على المألوف، خاصةً مع ظهور العصر الرقمي.
كذلك نجده يُسلّط الضوء على نص “الموعد” بوصفه نصا فارقا في المجموعة، مُحللا استخدام الصلوي لتقنيات حاسوبية مثل علامة (++) وعلامة (=) دلالة على التنامي والمراوحة في بناء النص؛ هذا التوظيف لـ “وسوم العصر الرقمي” يخدم مباشرةً أحد أهم محاور الكتاب حول تأثير الإنترنت وفيسبوك على القصيدة وتبدّلات مفاهيم الزمن فيها.
يقاربُ الجيلاني تداخل صيغتي التذكير والتأنيث في عنوان المجموعة ونصوصها، مستحضرا شواهد من التراث العربي، لكنه يُشير إلى أن اشتغال الصلوي يتجاوز ذلك، فهو نوع من “الاعتراض على تمايز المذكر والمؤنث” وتمرد على الاستعمالات السائدة. هذا التناول يُعزز فكرة الكتاب عن قصيدة النثر بوصفها حالة مفصلية في تاريخ الشعر العربي، تتميز بتجاوزها للقواعد اللغوية الصارمة لخدمة غايات تعبيرية جديدة.
إلى تُقدم المقاربة تفسيرا عميقا لعنوان المجموعة كـ “زمن نأي” يمتد 130 يوما قضاها الشاعر في تونس مجبرا بسبب الحرب اليمنية، وكيف ارتبط هذا البُعد بـ “استطالة الشاعر في الأرض حتى فقد كرامته”. هذا الربط بين التجربة الذاتية، الظروف الجغرافية والتاريخية (الحرب، تونس، القاهرة)، والتحوّلات النصية، ينسجم تماما مع منهج الكتاب الذي يربط الخاص بالعام، وتأثير الوسائط والجغرافيات على القصيدة.
وفي مقاربته لديوان الشاعر على جاحز “يتمرد على الأبجدية”، يقدم مقارنة واضحة بين حال قصيدة النثر “قبل منعطف الشبكة العنكبوتية” حيث كانت “سلعة عالية القيمة عند نقادها المبشرين بها، لكنها لم تكن رائجة عند القارئ”، وبعد “حصول كتَّابها على حرية النشر” من خلال الإنترنت. هذا التفصيل يؤكد المحور الأساسي للكتاب، أعني تتبع “المسار التحولي لقصيدة النثر من صفحات مجلة شعر إلى صفحات الفيسبوك”، كما يقدم تفاصيل واسعة عن دور العصر الرقمي في ديمقراطية النشر وتوسع جمهور القصيدة.
ويقف طويلا مع قصيدة “يتمرد على الأبجدية” بوصفها نموذجا لـ “قصيدة نثر ملغومة” تمتلك “مقترحات بديلة” و”قدرا من الرؤيوية”، خلافا لقصيدة النثر الشائعة في الجيل الأسبق، إذ كانت تعرض الواقع دون حلول، وهذا يؤكد قدرة قصيدة النثر على أن تكون “غرضية” دون أن تتخلى عن “شعريتها العالية” و”تدفقها الغني بالصور المبهرة”.
الجيلاني يفصّل تجلّى تأثير الإنترنت في تجربة علي جاحز نفسه، إذ كان قد “اشتبك بعوالم الشبكة العنكبوتية” مبكرا، ولعب انشغاله الواسع بالمواقع والمنتديات دورا مسرِّعا في تحوله إلى قصيدة النثر. كما يلفت النظر إلى تقديم قصائد جاحز نقدا لسلبيات الإنترنت في مثل قوله: “سئمت الإنترنت / يختطفني من عائلتي / يلتهم ما يتبقى من الوقت / ويُطلقني كلبانة مرهقة”، و”أكدس صمتهم / في حائط الفيسبوك”، وهذا الربط المباشر بين التجربة الشعرية وتأثير الوسائط الرقمية؛ هو لبّ أطروحة الكتاب عامة.
في مقاربة أخرى؛ يقدّم الجيلاني الشاعر جلال الأحمدي بوصفه “انتماء جوهري إلى زمن الميديا”، فقد ولد في عام 1987، وبدأ ينشر قصائده في وقت تراجعت فيه المجلات والملاحق الثقافية لصالح “زمن الشبكة العنكبوتية”. وهذا يعزز الأطروحة المركزية للكتاب حول التحولات التي طرأت على قصيدة النثر العربية بتأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أصبحت منصة فيسبوك منبرا رئيسا للشعراء المعاصرين.
يقول الجيلاني إن تجربة الأحمدي تتميّز بكونها “سِيرية، اعترافية، سيكولوجية، متأملة، انشقاقية متمردة، وميتافيزيقية” مشيرا إلى أن هذا التنوع يعكس عمق قصيدة النثر في التعبير عن الذات المعاصرة بكل قلقها وتشظيها، ثم يتتبع مركزية “الخيط السِّيري” في تجربة الأحمدي، حيث لا يترك هذا الشاعر شيئا من حياته إلا ويُحوله إلى قصيدة، تؤشر إلى “وجع المجيء الخاطئ إلى العالم، وجع العيش في الجغرافيا الخطأ، الأصدقاء الخطأ، ترائي الذات نفسها في الخطأ، والوقوع في الحب بشكل خاطئ”. وهو(الجيلاني) في هذا الجانب يعمق فهمنا لقصيدة النثر بوصفها أداةً لا غنى عنها للتعبير عن التجارب الشخصية المعقدة.
إلى جانب ذلك يُحلل قصائد تُظهر قدرة الأحمدي على “اكتشاف علاقات جديدة بين الكلمات” حتى في سياق التواصل الافتراضي. ففي قصيدة مثل “كل يوم داخل صندوق الشات”، يُوظف الأحمدي لغة الفضاء الافتراضي “صندوق الشات، الوجوه الصفراء، أزرار الكيبورد” لخلق مجازات ذكية تُعبر عن تعقيدات العلاقة الإنسانية، حيث يتحول “عنف الكلمات” إلى “مظلة أو طائرة ورقية” أو “أعتقد أني أحبك”، وذلك يؤكد قدرته الفنية على تجاوز المألوف وخلق دلالات جديدة.
الجيلاني يلاحظ أن الشاعر جلال الأحمدي، رغم كونه “ابنا حقيقيا” للفضاء الإلكتروني ومنصاته مثل فيسبوك والمنتديات الأدبية، إلا أن “أجنحة عالمه الشعري تمتلك فضاءً عاليا يجعله قوي الحرص على بصمته، وعلى تميزها وخصوصيتها”، وهذا يتماشى مع رؤية الكتاب التي ترى أن بعض الشعراء المعاصرين، يتجاوزون مجرد الامتثال لمتطلبات المنصات الرقمية؛ ليقدموا تجربة فنية فريدة وعميقة، ما يضعهم في مصاف الشعراء الحقيقيين الذين يُحدثون تأثيرا كبيرا.
أما تجربة الشاعر عباس السلامي فيقدّمها الجيلاني بوصفها قوة إبداعية مميزة، حيث تُعرف تجربته بكونها “واسعة المجرى”، تتداخل فيها ذات الشاعر مع الوجود وموجوداته. ورغم أن السلامي يُعد من الشعراء الذين استجابوا بقوة لمعطيات عصرهم ونشروا أعمالهم بكثافة على الإنترنت وفيسبوك، إلا أن الكاتب يشدد على أن تجربته تتميز بـ “بصمة خاصة” ومشروع إبداعي واعٍ، يتجاوز مجرد الامتثال للوسائط الحديثة.
تركز المقاربة على كون الحرب تحتل مركزا في تجربة السلامي الشعرية، تماما كمركزية الأب في وجود الشاعر. فقصيدة “إلى أبي” تُجرد الحرب من هالتها الفجائعية لتُقدمها واقعا معيشا، يتعايش معه الأفراد؛ ويكشف الشاعر مفارقة صادمة تتمثل في “حرب اللقمة” التي يراها أشد فتكا ووحشية من الحروب المباشرة، حيث تُقتل الكرامة والعزة؛ ويتكرر لفظ “الحرب” بكثافة ليُصبح منصة لتوليد الدلالات المتعددة، بدءا من حرمان الأسرة من الأب، ومرورا بدموع الأم، وصولا إلى إدمان المجتمعات لها وشماعة تُعلّق عليها ويلات الفقر والجهل والتخلف.
تُعد الغربة ثيمة مركزية وحقيقية في شعر السلامي، تتجلى في قصائد مثل “خرائط الغياب”؛ والمقاربة تحلل كيفية توظيف الشاعر لآلية “المونولوج الداخلي والسرد” لخلق تأثير حكائي عميق، مع تعليقات تقطع السرد لتُجبر القارئ على التوقف والتأمل، كذلك الغابة تُعدّ مركزا آخر تتفاعل فيه مفردات البيئة مع الوجود الإنساني، لكنها غابة مختلفة عن تلك التي تغنى بها الرومانسيون. ففي نص “من أعراف الغابة”، تُصبح الغابة بديلا اضطراريا عن فوضى الوطن وإخفاقات الدولة، وفي نصوص الغابة تتجلى أنسنة السلامي للموجودات، وقدرته على استكناه الجوهري في علاقاتنا بالعالم من حولنا.
وعن شعرية التقشف في ديوان “بملابسه البيضاء الأنيقة” للشاعر إبراهيم موسى النحَّاس، يقدم الجيلاني مقاربة متسقة مع المقاربات السابقة في الكتاب، حيث يواصل تتبع المسار التحولي لقصيدة النثر العربية وإبراز سماتها المتجددة، فالنحاس يقدّم مقاربة فريدة للموت، فهو ليس نهاية، بل وجها آخر للوجود الإنساني أو حياة بغياب طويل، بمعنى أن النحاس يعالج الموت بوصفه فكرةً قابلةُ للتشكيل الشعري، حيث يبدأ الديوان بمفارقات تتخلق من حدث الموت ذاته، مثل “سأعتاد التأخر خارج البيت… أُدرِّبهم أن يذوقوا حلاوة الحضور في مقدمات غيابه الطويل”، ومن خلال لغة ليست وجدانية باكية، بل ساخرة متهكمة تُعرّي المألوف في طقوس الموت، كما في وصف لحظة غسل الميت وتكفينه، كاشفا عن مفارقة في التعامل مع الموت يمكن اعتبارها الأكثر عمقا وجرأة؛ حيث يقدم الموت من منظور “الآخر” مستعملا ضمير الغائب عند الحديث عن نفسه بعد الموت، ليُقدم إيهاما بالحديث عن الآخر، لكن المغزى أعمق، فهو ينظر إلى نفسه كآخر، كاشفا عن مصفوفة مما يُقال عن الموتى.
يؤكد الجيلاني أن النحاس قد نجح في تطويع لغة سردية ومتقشفة في آن؛ حيث يعتمد الديوان على الصور المشهدية والمفارقات المتخلِّقة من الموت وردود الفعل تجاهه، بوصفه قضية وجودية كبرى، ويقدمه من خلال لغة الهامش والتفاصيل الصغيرة والمعتاد اليومي، دون أن يُخل بموقعه السياقي بوصفه إشكالية وجودية؛ ويمكن اعتبار هذه المقاربة إضافة قيمة لمقاربات الكتاب، فقد بيّنت كيفيّة إسهام قصيدة النثر الحديثة في تجاوز التقليدي؛ من خلال الجرأة الفنية والمعالجة الفلسفية لأعمق القضايا الإنسانية، وقدرتها على تقديم نموذجٍ شعريٍّ يتسم بالوعي والتقشف والسخرية اللاذعة.
شعرية الشاعر محمد العديني في ديوانه “جهات محتملة… فراشةً فراشةً سبَّح القنديل” تحظى بمقاربة تحليلية مميزة يقدمها الجيلاني تعميقا لمسار الكتاب في تتبع تحولات قصيدة النثر العربية وإبراز سماتها المتجددة، ويرى الجيلاني في نصوص العديني تجربة مكثفة تكشف عن المعنى الغائر للوجود، وتُحرر القارئ من القيود المألوفة؛ إذ يرتكز أسلوبه على استراتيجية “تقطير النص” والتأني في إنتاجه، معتمدا على قراءات نوعية واستبصارات وجودية واسعة؛ تمزج بين تأملات الحكيم، وإشارية الصوفي، والتفكير المثقف، ما ينتج كيمياءً فنية توازن بين الانفلات الإشاري والتعقل الواعي.
وتكشف المقاربة عن بيان ذاتي وفني يُقدمهما نص “في الشعر”؛ هما رؤية العديني الخاصة للإبداع، معرفا الشعر بأنه “معانقة للمجهول، وإعادة اكتشاف للينابيع المنسية والطرقات المهملة”، ويتجلى فيه ترويض الشاعر لغربته وقدرته على الإصغاء لجوهر الوجود، مُستخدما تشبيهات بالعصفور والزهرة والطفل ليدل على كمالات الوجود؛ منوّها على نحو خاصٍّ بإجادة العديني لمفارقة التضاد، سواء اللفظي أو الإيحائي، والتي تظهر بقوة في نصوصه المكثفة التي تتماهى مع عوالم الهايكو؛ حيث تتجاوز المفارقة وظيفتها الأساسية لتُصبح مؤثلا للتوتر الدلالي، وذلك يُشكل ذروة الشعرية في نصه.
الجيلاني يشير إلى أن الصورة في نصوص العديني تُجبر القارئ على التفكير بشكل مختلف، حيث تنتقل من الظاهر إلى الباطن، مُشغِّلة الطاقات الفكرية للحواس، وهو ما يُشير إليه بالربط بين أفكار أرسطو وأبي حيان التوحيدي حول التصوير الشعري والإلهي.
مقاربة الجيلاني لتجربة العديني تسلط الضوء على التأثر الكبير للعديني بالعديد من التجارب الأدبية والفلسفية، مثل التصوف الشرقي والبوذي، والهايكو، وأعمال لوركا ونيرودا وغيرهم، مما انعكس على شروط كتابته، لا سيما في فهمه للهايكو بوصفها تماهيا مع الموجودات وليس مجرد وصف حسي.
أما مقاربته لتجربة الشاعر جميل مفرح فيستهلها بالحديث عن أهمية اللغة في شعره، إذ تُشكل له ملاذا ومتكأً لعبور لحظات الحياة الحرجة، وفي ذلك تأكيد على أن اللغة لديه ليست مجرد أداة بل هي غاية في حد ذاتها؛ في هذا السياق يقدم الجيلاني تحليلا سيميائيا مبهرا لعنوان ديوان مفرّح “ربطة عنق أنيقة” متوقفا عند لوحة الغلاف التي تظهر فيها ربطة عنق على شكل حبل مشنقة، هذا التناقض الظاهري بين الأناقة والتهديد يخلق “مفارقة حقيقية” تنعكس في مضامين النصوص، مُشيرا إلى واقع مخاتل يقتل الحياة بطريقة متحضرة تحت بهرج الدعاية؛ كما يُؤكد تعدد قصدية العنوان، حيث يمكن أن يحمل دلالات تهكمية، أو يُشير إلى إتقان الكتابة وحرفيتها العالية.
لبُّ المقاربة تتمثل في تشبيه اشتغالات مفرح الشعرية بـ “الخرشات”؛ يُدخل الجيلاني مفهوم “الخرشاتط وهي “النقوشات أو الزخارف” بوصفها استعارةً لجماليات البناء المعماري اليمني التقليدي -خاصة في صنعاء- ليصف بها أسلوب جميل مفرح الشعري؛ لتُصبح “خرشات الأسطى جميل مفرح” مزيجا من البساطة والتركيب، واللمسة الشفيفة والعمق، وحلاوة الشعر ونضج الفكر، ما يمنح النصوص اكتنازا بنبض شعري عالٍ واستبصارات آسرة؛ حيث تكشف “الخرشات” المفارقات المعقدة التي تفاجئ القارئ، كما في أمثلة “كان يرميني بحجرٍ” و”كان يدفع بي إلى الشارع العام”.
تعتبر هذه المقاربة من أكثر مقاربة كتاب “شجون الغريبة” اتساقا مع أطروحته العامة، فهي تعزز فهمنا لكيفية تجلي التحولات في قصيدة النثر العربية من خلال تجربة شاعر محدد، وأبرز ما فيها الأدوات النقدية المبتكرة مثل مفهوم “الخرشات”، فهي تدعم بقوّة رؤية الكتاب حول تفرد وقوة قصيدة النثر المعاصرة، وقدرتها على استيعاب الفلسفة والواقعية والنفسية الإنسانية في قالب شعري متجدد.








