أربعون عاما مرت على رحيل القارئ الشيخ محمود علي البنا، وما زال صوته المتفرِّد يملأ الأسماع، ويعمر الأفئدة ويغمرنا بالسكينة.. بأداء غير متكلف.. تكمن عبقريته في بساطته، فكأنما هو نهر يتدفق بسلاسة، لا تنقصه قوة الجريان.
إن صوت الشيخ البنا -رحمه الله- الذي كان ينساب بعذوبة، ربما تشي بأن الشيخ لا يبذل جهدا كبيرا؛ ليقدم لنا هذا الجمال المكين – صوت خُلق للقرآن، أو فلنقل أنه استوى والقرآن فكان أكثر قدرة على احتواء معاني الكتاب الكريم، والتعبير عنها بدقة في توازن بين الالتزام بأحكام التجويد، والامتثال للقوة الروحية الهائلة التي تحملها آي الذكر الحكيم، والعاطفة الإيمانية القوية التي تغمر الشيخ أثناء التلاوة.
استطاع الشيخ محمود تسخير كل إمكاناته الصوتية ومواهبه الفريدة على نحوٍ عجيب – ربما يتميز به عن سائر القُرَّاء الآخرين- ليجعل من صوته كَفًّا حانية تحمل آيات كتاب الله إلى الأسماع، لتعيها أذن واعية؛ فليس نفس الشيخ الطويل مجالا لاستعراض القدرة؛ لكنه سبيل إلى إتمام المعنى، دون الحاجة إلى التوقف، كما لم تكن معرفة الشيخ الفطرية بعلم المقامات والإتقان التام لها وسيلة لانتزاع الآهات ومضاعفة أعداد “السمِّيعة” والمحبين؛ بل أداة يحسن الشيخ توظيفها دون تجاوز لتمثيل المعنى على أفضل ما يكون.
تحمل طريقة البنا في التلاوة فلسفة عميقة، نبعت من رؤيته للحياة.. لقد فضّل الشيخ الحياة الهادئة الوادعة التي تخلو من الصراعات، فلا يضطر المرء فيها للتنازع على شيء من حطامها.. ولعل أبا الشيخ أو أحد مشايخه دعا له بألا يجعل الله عيشه كدا ولا نكدا- فاستجاب الله له.
وقد شاع وصف صوت الشيخ البنا بالصوت الرخيم، وهو وصف يجمع بين اللين والعذوبة والسهولة ودفء الصوت ونداوته.. ولا شك أن من أطلق على صوت الشيخ البنا هذا الوصف، جمع بين فهم فنون التلاوة وعلوم اللغة وآدابها؛ حتى يتسنى له اختيار هذا الوصف الدقيق الذي لا تجتمع معانيه إلا في صوت البنا.
ولتسجيل الشيخ البنا للقرآن الكريم كاملا مرتلا – قصة تروى؛ فقد حضر الشيخ عزاء والد الرئيس جمال عبد الناصر، وقرأ كما قرأ غيره من كبار قراء مصر، لكن الرئيس طلب منه – دون غيره- أن يستمع منه إلى تلاوة مرتلة، وعندما سمع ناصر التلاوة؛ طلب من الشيخ الترتيب مع الإذاعة المصرية لتسجيل القرآن الكريم كاملا مرتلا بصوته.. وقد كان، لتكون الختمة المرتلة الخامسة في الإذاعة بعد ختمة الشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوي.. وهي الختمات الخمس التي ظلت إذاعة القرآن الكريم توالي إذاعتها بالترتيب لأعوام طويلة.
لقد طبع هذا الهدوء والتروي والإخبات، حياة الشيخ في كل مناحيها، خاصة فيما يتعلق بتربيته لأبنائه -كان له من الأبناء سبعة (خمس ذكور واثنتان من الإناث)- فلم يُعرف عنه الشدة في تربيتهم – على كثرتهم- بل النصح والتوجيه مع المثابرة على الأمر بضرورة الاعتصام بكتاب الله، حتى أنه حين حضرته الوفاة أوصاهم – وربما رأى بشارة- بقراءة القرآن كل ليلة قبل النوم، هم وأزواجهم وأولادهم؛ إذ يطمع أن يدخلوا معه -جميعا- الجنة من باب أهل القرآن.
ارتباط الشيخ بمسقط رأسه (قرية شبراباص شبين الكوم منوفية) كان فريدا، فلم يكن البنا يحتمل أن يمر أسبوع دون أن يزور قريته، ويصل رحمه ويبر أبويه بمكوثه بين أيديهما كالطفل، وهو الذي جابت شهرته أنحاء العالم وانتشر أحباؤه ومريدوه في أربعة أركان الأرض.
ما بين الفهم العميق لمعاني القرآن الكريم كتاب الله المعجز، والقدرة البالغة على تطويع الصوت بكل إمكاناته ليكون خادما أمينا للكتاب العزيز، دون أدنى استجابة لمغريات زخارف القراءة، والجوابات الزاعقة التي تثير إعجاب العوام، والارتباط الشديد بالأرض الذي صاغ عشقه للوطن، وحنانه المتدفق على كل من عرفه وتعامل معه.. استطاع الشيخ البنا أن يوجد لنا صيغة تصلح للخلود، تمثل ركنا أساسيا في صباحات مصر الندية في كل العصور، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. رحم الله مولانا الشيخ محمود علي البنا وغفر له.








