بعد انقطاع عن الشاشة منذ مارس ٢٠٢٥، عاد الملثم الناطق باسم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة للظهور صوتا وصورة في تسجيل بثته قنوات إخبارية عربية عدة.
بدا الملثم -على عكس العادة- نحيل الجسد، وبدا قدر من التهدج في صوته، مما يؤكد أنه يعاني ما يعانيه أهل غزة من حملة تجويع ممنهجة، يشنها ضدهم جيش الاحتلال، منذ استئناف حربه على القطاع.
وهو في حد ذاته نفي، لما يروجه المرجفون والمشككون “العرب” من أعداء المقاومة، من أنها بمعزل عن معاناة أهل القطاع.
لكن الملثم كما اعتاد جمهوره وإن فقد بعضا من وزنه فإنه لم يفقد لغة الاصرار والتحدي التي باتت سمة أساسية بارزة في كافة إطلالاته المصورة.
يلوّح الملثم بسبابته متحديا العدو المتجبر، وموكدا استمرار المقاومة في مواجهته، رغم كافة أساليب الإبادة التي يتبعها في غزة، ويدين أيضا المتخاذلين عن نصرة أهل القطاع على اختلاف أطيافهم.
تؤكد إطلالة الملثم حقيقة تاريخية، أثبتتها التجارب عبر عصور مختلفة، وهي أن من يلجأ إلى التجويع كنهج ظنا منه أن يحسم معركة ما؛ فإنما يلجا إليه نتيجة إخفاق عسكري، وإفلاس سياسي وأخلاقي.
ففي السنة السابعة من بعثة النبي الكريم، لجأ مشركو مكة إلى نهج مماثل، حيث حوصر المؤمنون الأوائل في شِعْب من شِعَاب مكة، وقُوطعوا من قبل المشركين، ومنع عنهم الزاد والماء لمدة ٣ سنوات.
لكن استخدام أسلوب التجويع لم يُجدِ نفعا فلم ينقلب المؤمنون على أعقابهم، ولا هجروا نبيهم، بل ازدادوا التحاما به وإيمانا برسالته رغم الجوع والحصار.
بل انقلب سحر “المقاطعة” على الساحر، حيث أخذ العرب على مشركي مكة تجويعهم لقومهم، معتبرين أنه سلوك لا ترتضيه مروءة العرب.
ويلخص الفقيه ابن القيم ما جرى بقوله: “وبقوا محصورين مُضيَّقا عليهم جدا مقطوعا عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغ بهم الجهد… ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم، وأنه أرسل إليها الأَرَضَة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم؛ إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه فخرج إليهم فأخبرهم أن ابن أخيه قال كذا وكذا، فإن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقا رجعتم عن ظلمنا، قالوا: أنصفت… فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمر كما أخبر النبي ﷺ ازدادوا كفرا وعنادا… وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشِعْب”.
وفي العصر الحديث، لجأت ألمانيا النازية وزعيمها أدولف هتلر، إلى سلاح التجويع في محاولة لإخضاع مدينة لينينجراد السوفيتية التي حملت اسم مؤسس الاتحاد السوفيتي فلاديمير لينين.
حاصر جيش هتلر المدينة في صيف العام ١٩٤١، ضمن حملته على الاتحاد السوفييتي، وأوضح هتلر تعليماته لجيشه بشكل دقيق في مذكرة حملت توقيعه: تطويق المدينة من كافة الجهات، وقصفهم من الجو وبسلاح المدفعية.
رفض هتلر – في المذكرة ذاتها- التفاوض مع أهل المدينة لتسليمها؛ معللا ذلك بأنه لا رغبة لديه في إطعامهم.
وعلى مدار الشهور اللاحقة، عانى مليونان ونصف المليون سوفييتي، بقوا داخل المدينة من سياسة تجويع استمرت نحو ٩٠٠ يوم.
في البداية تقلصت حصة الغذاء اليومية، فحصل العمال على ٢٥٠ جراما يوميا فقط من الخبز والأطفال وكبار السن على ١٢٥ غراما.
ومع اشتداد الجوع، اضطر أهل المدينة إلى قتل أي كائن حي تقع أيديهم عليه، وبات من العادي أن تفنى أسرة بأكملها نتيجة للحصار الخانق.
ولكن اللافت أن لينينجراد وحتى مطلع العام ١٩٤٤، لم تسلم للغزاة ولم ترفع الراية البيضاء، حتى تحررت على يد الجيش السوفييتي الذي تمكّن أخيرا بعد محاولات عدة من كسر الحصار.
آثار صمود لينينجراد دهشة الصحافة العالمية ووصفتها صحيفة “ذا نيويورك تايمز” الأمريكية بالمدينة التي واجهت جبروت الآلة العسكرية النازية وحدها، منذ بداية المعركة وبأنها المدينة التي أنقذت ذاتها بإرادتها.
ومن مفارقات التاريخ، أن الكيان الصهيوني الذي قام تحت ذريعة توفير الحماية لضحايا النازية، لجأ إلى ذات الأسلوب النازي أي التجويع.
ففي أوج حرب عام ١٩٧٣، حاصر الجيش الصهيوني نقطة “كبريت” الحصينة التي استردها الجيش المصري في التاسع من أكتوبر ١٩٧٣.
وكما في لينينجراد.. فرض الصهاينة حصارا خانقا على الموقع لمدة ١١٤ يوما في محاولة لإجبار القوة المصرية المتمركزة في “كبريت” بقيادة المقدم إبراهيم عبد التواب على تسليم المنطقة.
إلا أن المقدم الذي نال الشهادة في ١٤ يناير ١٩٧٤، في مواجهة مع العدو وسائر أفراد مجموعته رفضوا التسليم رغم قصف العدو المتواصل والوحشي والذي دمر النقطة الطبية الوحيدة في الموقع ورغم سياسة التجويع التي انتهجها العدو.
تحايل أبطال كبريت على نقص المياه بتقطير مياه القناة، ويروي الكاتب الراحل جمال الغيطاني، أنه في الفترة من ٢٤ أكتوبر وحتي ٥ نوفمبر ١٩٧٣، كانت كمية الطعام التي تصرف لكل مقاتل كما يلي على مدار يوم كامل:
– ربع علبة فول ١٢٥ جراما.
– ربع باكو بسكويت.
– ربع لتر ماء في اليوم الواحد.
ورغم كل ما سبق، صمدت كبريت حتى ٢٠ فبراير ١٩٧٤، حين انسحبت قوات العدو، ووصل الفريق أحمد بدوي إلى الموقع وهاله ما رأى من أجساد المقاتلين الهزيلة بسبب الجوع، والذي لم يبدوا أنهم يهتمون بقدر ما اهتموا ببقاء علم مصر مرفوعا على الموقع.
اليوم.. وعلى أرض غزة، يعود العدو الذي أخفق على مدار أكثر من ٦٥٠ يوما، في تحقيق أيٍ من أهدافه على أرض القطاع الصامد، لاستخدام سياسة يسعى من خلالها لمداراة إخفاقه، وهي تجويع أهل غزة لينال منهم بهذه السياسة، ما لم يستطع أن يناله بقوة السلاح.
لا يدرك العدو حكمة التاريخ المشار إليها أعلاه، وهي أن الجائعين إذا ما صمدوا بأجسادهم الهزيلة النحيلة بوجه من أجاعوهم؛ فإنهم يكونون مصداقا لقول الشاعر العربي محمود درويش:
“سجِّل..
برأسِ الصفحةِ الأولى
أنا لا أكرهُ الناسَ
ولا أسطو على أحدٍ
ولكنّي.. إذا ما جعتُ
آكلُ لحمَ مغتصبي
حذارِ.. حذارِ..
من جوعي ومن غضبي”.








