رؤى

القرءان الكريم.. والدلالات العملية لمفهوم “الزمان”

إضافة إلى الدلالات “العقدية”، يحمل الزمان في القرءان الكريم دلالات عملية بالغة الأهمية، تتعلق بمسيرة الأمم والحضارات. فالقرءان يصور الزمان بصفته “سُنَّة إلهية” لا تحابي أحدا، تتداول فيها الأيام بين الناس، ويسقط فيها الظالمون، ويعلو فيها المصلحون، إذا ما أدوا واجباتهم الإصلاحية.

يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 140]. هذه الآية الكريمة ترسخ مبدأ “تداول الأيام”؛ فالنصر والهزيمة، القوة والضعف، لا تدوم لأحد. هذا التداول، هو جزء من حكمة الله ليظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق. إنها “دلالة عملية” تشير إلى أن الأمم التي تلتزم بمنهج الله وتعمل الصالحات، هي التي ستكون لها الغلبة في أوقات معينة، بينما الأمم التي تظلم وتفسد، مصيرها الزوال، حتى لو كانت قوية في وقت ما.

الزمان هنا ليس مجرد خلفية، بل عامل فاعل في صعود وسقوط الحضارات.

ومن ثم، تتبدى في التنزيل أهم الدلالات العملية للزمان.. كما يلي:

1 – مصير الأمم السابقة: فهذه الدلالة العملية للزمان، بوصفه عاملا فاعلا في صعود وهبوط الحضارات، هي ما تفسر مصير الأمم السابقة التي قصَّها القرءان، كما في قوله سبحانه: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45]. فـ”الزمان” هنا هو الشاهد على هلاك هذه القرى الظالمة. إنه القانون الإلهي الذي لا يتبدل، وأن لكل أمة أجلا محددا، فإذا جاء أجلها لا تستأخر ساعة ولا تستقدم.

إن فهم هذه الدلالة العملية للزمن يحفز المؤمنين على النهوض بمسئولياتهم، والاجتهاد في إقامة العدل والإصلاح، لأن بقاءهم وعلوهم مرهون بذلك، وليس بمجرد القوة المادية أو كثرة العدد.

2 – العمل واغتنام الزمان: إذ الزمان في القرءان وعاء للعمل، ويجب على المؤمن أن يغتنم كل لحظة فيه، لأنه لن يعود. هذه الدلالة العملية ترتبط ارتباطا وثيقا بالدلالة العقدية لكون الزمن ميدانا للابتلاء. فإذا كان الزمان هو فرصة للعمل الصالح، فإن ضياعه هو خسارة لا تعوض.

يقول تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٭ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100]. هذه الآيات تصوّر الحسرة والندم الذي يصيب الإنسان عند حلول الأجل، وتمنيه العودة إلى الدنيا ليستدرك ما فاته من عمل صالح. لكن هيهات! فالزمن لا يعود، والفرصة قد فاتت. هذه الصورة المروعة تحث المؤمن على عدم التسويف والمبادرة إلى فعل الخيرات.

وهذا ما يدعو إليه القرءان  الكريم بشكل عام في عدة مواضع، مثل الدعوة إلى المسارعة في الخيرات، كما في قوله عزَّ وجل: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. هذه المسارعة تعني استغلال الزمن وعدم تأجيل الطاعات والأعمال الصالحة.

إن إدراك أن الزمان هو رأسمال محدود، وأن كل لحظة تمر هي فرصة لن تعوّض، يدفع المؤمن إلى تنظيم وقته، وتحديد أولوياته، والاجتهاد في الطاعات، والبعد عن الملاهي التي تضيع الوقت دون فائدة. فالوقت هو الحياة، وإضاعته إضاعة للحياة نفسها.

3 – الزمان ومفهوم الصبر: حيث يرتبط الزمان في القرءان الكريم ارتباطا وثيقا بمفهوم الصبر. فـ”الصبر” ليس مجرد تحمُّل للمشاق، بل “استراتيجية عملية للتعامل مع تحديات الحياة” التي تمتد عبر الزمان. كثيرا ما تتطلب النتائج المرجوة وقتا طويلا وجهدا مستمرا، وهذا ما يتطلب الصبر. يقول عزَّ من قائل: ﴿وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [هود: 115]. هنا، يأتي الأمر بالصبر، لأن إحسان العمل قد لا تظهر نتائجه فورا، بل يحتاج إلى مرور الزمان. فالصبر هو الثبات على الحق والخير حتى يأتي وعد الله.

وفي سورة العصر، بعد القسم بالزمان “وَٱلۡعَصۡرِ”، وأن الإنسان “لَفِي خُسۡرٍ”، يأتي الاستثناء في قوله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ﴾ [العصر: 3]. وكما نُلاحظ، فإن التواصي بالصبر يأتي جزءا لا يتجزأ من النجاة من الخسران. وهذا يعني أن الإيمان والعمل الصالح ليسا كافيين وحدهما، بل يجب أن يكونا مصحوبين بالصبر على الحق وعلى البلاء. والصبر هنا صبر على مر الزمان، على طول الطريق، وعلى تأخر النتائج، وعلى شدة المحن. إن فهم هذه الدلالة العملية يدفع المؤمن إلى التحلي بالصبر في طلب العلم، في الدعوة إلى الله، في مواجهة الظلم، في بناء الحضارة، وفي تحمل الابتلاءات. فالنتائج العظيمة لا تتحقق في لحظة، بل تحتاج إلى مسيرة زمنية طويلة من المثابرة والصبر.

4 – الغيب والتخطيط للمستقبل: على الرغم من أن علم الغيب المطلق لله وحده، إلا أن القرءان الكريم يدعو المؤمنين إلى التخطيط للمستقبل، والاستعداد لما قد يأتيهم من أحداث، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وهذا التخطيط والاستعداد يستلزم إدراكا لأهمية الزمان، واستغلاله بحكمة.

قصة يوسف -عليه السلام- مع ملك مصر في تخزين القمح لسنوات القحط- مثال قرءاني بارز على التخطيط المستقبلي القائم على تقدير الزمن. يأتي قول نبي الله يوسف، في قوله سبحانه: ﴿قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٭ ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ﴾ [يوسف: 47-48]. هذه القصة القرءانية تعلمنا كيف يمكن للرؤية المستقبلية القائمة على علم وتخطيط أن تنقذ أمة بأكملها من الهلاك. فالزمان هنا ليس مجرد تدفق عشوائي، بل مسار يمكن التنبؤ ببعض جوانبه والاستعداد لها.

في الوقت نفسه.. يدعو القرءان إلى الاستعداد للآخرة، وهو أعظم تخطيط مستقبلي؛ يأتي ذلك في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. وكما يبدو، فإن “لِغَد”، هنا، تشمل المستقبل القريب والبعيد، ولكنها بالأساس تشير إلى يوم القيامة. فالمؤمن مطالب بالنظر في أعماله التي يقدمها، والاستعداد لما سيواجهه في يوم الحساب. وهذا الاستعداد يستلزم استغلال الزمن الحاضر في طاعة الله. قولا وعملا.

إن إدراك هذه الدلالة العملية يحفز المؤمنين على التفكير في المدى البعيد، وعدم الانغماس في اللحظة الراهنة فحسب. فالمسلم يخطط لدينه ودنياه، مستفيدا من دروس الماضي، وعاملا للحاضر، ومتطلعا للمستقبل، مستشعرا أن الزمن يسير به نحو أجل معلوم.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن فكرة الزمن في القرءان الكريم، تتبدى بوصفها أحد المحاور الأساسية التي تتشابك فيها الدلالات العقدية مع العملية. من الناحية العقدية، الزمن آية كونية تدل على عظمة الخالق وحكمته، وميدان للابتلاء والاختبار الإلهي، ووعاء مقدر لحياة الإنسان المحدودة التي تتجه نحو الغاية الأخروية. كما أن القسم الإلهي بـ”الزمن” في آيات عديدة يبرز قدسيته وأهميته القصوى في تحديد مصائر البشر.

أما من الناحية العملية، فالزمان سنة إلهية تداولية بين الأمم، لا تبقي قوة على حالها إذا زاغت عن منهج الله، وهو رأسمال ثمين ينبغي اغتنامه وعدم إهداره، لأنه إذا مضى لا يعود. كما أن الزمن يستدعي الصبر والمصابرة لتحقيق الأهداف العظيمة، ويدعو إلى التخطيط والاستعداد للمستقبل الدنيوي والأخروي.

إن النظرة القرءانية للزمن، والزمان، هي دعوة للإنسان لأن يكون واعيا بكل لحظة من حياته، مدركا لقيمتها، ومستثمرا لها في كل ما يقربه من ربه ويحقق صلاح حاله في الدنيا والآخرة. هذه الرؤية الشاملة ترفع مفهوم الزمان الإنساني من مجرد قياس مادي إلى بُعد وجودي عميق، يعكس فلسفة حياة متكاملة، يربط فيها القرءان بين الإيمان والعمل، وبين الدنيا والآخرة، لتكون حياة المؤمن كلها حركة دائبة نحو تحقيق الغاية السامية من الخلق.

هذا عن مفهوم الزمن والزمان في القرءان الكريم.. فماذا إذن عن مفهوم المكان؟

للحديث بقية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى