مبادرة بدأها شاب مصري ثم تبعه آخرون من بني جلدته، وهي -كما أبرزها مقطع مصور- القذف بزجاجات تحمل قدرا ولو بسيطا من الطعام في مياه البحر، على أمل أن تجرفها الأمواج إلى قطاع غزة؛ فيلتقطها أهل القطاع المحاصرين من قبل الاحتلال.
والمدهش هنا.. هو أن قدرا من هذه الزجاجات وصل بالفعل الى القطاع، وصوّر أحد أبناء غزة ذاته في مقطع متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يحمل زجاجة بها قدر من العدس، ويشكر أهل مصر على ما بها مؤكدا أنه سيتمكن بهذا القدر القليل من إطعام أسرته بعد اشهر من الحصار، ومنع وصول المساعدات إليهم.
هذا المشهد يؤكد أن المبادرة المذكورة أعلاه على بساطتها، بل أي فعل تضامني أيًا كان حجمه في المعركة المصيرية التي يعيشها قطاع غزة – والأمة بشكل عام- حاليا هو فعل له أثره مهما بدا بسيطا.
لا يهم إن كان الفعل هو قذف زجاجة بها طعام في مياه البحر، أو نشر صور من معاناة أهل القطاع أو ببساطة الاستمرار في الحديث عنهم وعن قضيتهم.
فحرص المتضامنين مع قطاع غزة -من جنسيات مختلفة- على إبراز حرب التجويع الاجرامية، التي يشنها الاحتلال منذ أربعة أشهر، ضد سكان القطاع والتشهير بها عبر الإعلام أو عبر مواقع التواصل- سبَّب حرجا بالغا لدولة الاحتلال.
وذكرت قناة كان العبرية أن التبرير الذي قُدِّم من قبل حكومة الاحتلال، لما أسمته وقف إطلاق النار الإنساني في غزة (٢٧ يوليو ٢٠٢٥) هو دفع الأمم المتحدة لتوزيع الغذاء في مناطق لا ينشط فيها جيش الاحتلال.
وصرح الصحفي سليمان مسودة للقناة المذكورة أعلاه، أن مسئولا حكوميا ذكر له إن قرار إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، اتخذ في أعقاب الفشل في توزيعها -عبر الآلية الأمريكية- وبسبب الضغط الدولي.
وبحسب هذا المسئول الحكومي، فإن “الهدنة الإنسانية” تهدف إلى منح الولايات المتحدة “هامش تحرك” للدفاع عن الدولة العبرية، في المحافل الدولية بعد ما تعرضت له من انتقادات واسعة.
أما الصحفي إلموغ بوكير، فقد أوضح عبر صفحته الشخصية أن المقاومة الفلسطينية حصلت على كل المساعدات التي تريدها، بالطريقة التي تريدها، دون مقابل.
في حين أن الحكومة الصهيونية تعرضت “لضغوط من انتقادات العالم” معتبرا ما حدث فشلا ذريعا للحكومة.
وهو ما ذهب إليه أيضا الكاتب الصحفي نداف إيال، في مقال في صحيفة يديعوت أحرونوت، حيث اعتبر أن الحكومة قد وقعت في فخ المقاومة التي أفادت من “الاهتمام العالمي بالمعاناة الفلسطينية، وكذلك من القتلى والجرحى للجيش الإسرائيلي في القطاع”.
هذا الاهتمام المشار إليه أعلاه هو ما أجبر الحكومة الصهيونية على التراجع عن مشروع آخر لتهجير السكان في قطاع غزة تحت مسمى “المدينة الانسانية”.
حيث كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، عن تجميد خُطّة إقامة “مدينة إنسانية” على أنقاض رفح، والتي كانت مُعدّة لاستيعاب مئات الآلاف من الفلسطينيين كخطوة أولى نحو تهجيرهم.
ونقلت الصحيفة عن مسئولين أمنيين أن “نتيجة قرارات اتُخذت في اللحظة الأخيرة”، هي ضغوط سياسية، ارتجالات، وقرارات صفرية ذات وزن بشأن مستقبل القطاع”.
وعلى صفحات صحيفة معاريف العبرية، كشف الكاتب آفي أشكنازي عن سبب هذا التراجع، وهو الحرج البالغ الذي سببته صور الجوعى في غزة للحكومة.
حيث باتت الحكومة وفقا للكاتب “تتصرف بذعر: فتح المعابر من مصر، والسماح بإسقاط المساعدات جوًا من الطائرات الأردنية والإماراتية، وربط خطوط الكهرباء بمحطة تحلية المياه، وإدخال مواد النظافة بكميات كبيرة، والعمل على إدخال الأدوية والمعدات إلى جميع المستشفيات، وما إلى ذلك”.
هذا الحرج هو ما دفع رئيس الوزراء الصهيوني السابق نفتالي بينيت لشن هجوم حاد على الحكومة الحالية خلال زيارته للولايات المتحدة.
وقال بينيت: “أحارب هنا موجة من الاتهامات بسبب سياسات حكومة نتنياهو، وحملة التجويع التي تشنها”.
وأضاف أن الحكومة “انهارت إعلاميا ودبلوماسيا، تماما كما حدث في الانهيار الأمني في 7 أكتوبر”.
وطالب بينيت بتغيير الحكومة، معتبرا أن الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق، هو استبدال هذه الحكومة المدمرة، واتباع مسار جديد.
وما زاد الأمر تعقيدا لحكومة الاحتلال، هو اعتراف حليفها الأساسي: الرئيس الأمريكي ترامب، بوجود سياسة تجويع في قطاع غزة، وهو ما دفع مصدرا عسكريا صهيونيا للتصريح لهيئة البث الرسمية إن “نحن في أسوأ وضع في الوقت الحالي. المفاوضات بشأن الصفقة متوقفة، والجيش في حالة ركود في القطاع والجنود يُقتلون، وحماس لا تشعر بالضغط، ناهيك عن تصريحات ترامب اليوم التي تؤكد وجود جوع في غزة”.
كما نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت، عمن وصفته بمصدر أمني قوله: “وصلنا هذا الشهر إلى وضع مؤسف حيث حكومات غربية صديقة لنا تصدّق وزارة الصحة في غزة أكثر منا”.
وعلى صفحات نفس الصحيفة، رسم المحلل السياسي آفي يسسخاروف، صورة لما وصلت إليه دولة الاحتلال، بسبب سياسات حكومتها في غزة بقوله: “الإسرائيليون لم يعودوا قادرين على التجول بأمان في العالم، ويُستهدفون في كل مكان تقريبا، وفرنسا تعترف بدولة فلسطينية، بينما من المرجّح أن تنضم إليها دول أخرى من الاتحاد الأوروبي قريبا”.
وأضاف أن الحكومة التي أرادت استخدام سياسة التجويع للضغط على المقاومة “حفرت بيدها الحفرة التي سقطت فيها، وخلقت وضعا اضطرّت فيه لإدخال مساعدات، من دون سيطرة، ومن دون أي مقابل – لا أسرى ولا إنجاز”.
وانتقد الحكومة بقوله “لم يعد هذا ترديا في الأداء أو سذاجة سياسية – هذه سلسلة من الإخفاقات الضخمة، المتواصلة، التي بدأت في 7 أكتوبر وما زالت مستمرة حتى اليوم”.
والحقيقة.. أن دولة الاحتلال ما كانت لتصل إلى وضع كهذا، لولا حرص المتضامنين مع فلسطين من مختلف أنحاء العالم على كشف جرائمها وفضح دعايتها.
والخلاصة هنا هي: لا تستهن بأي فعل متضامن أيًا كان حجمه أو بدت بساطته، أو حاول المثبطون التقليل من شأنه، وتذكر دوما، أن حبات عدس قليلة، يمكن أن تطعم جياعا وأن حبة أرز صغيرة قد تقلب كفة الميزان، وأن مقاتلا واحدا مومنا بربه وبعدالة قضيته -كما أثبتت المقاومة الفلسطينية مرارا وتكرارا- يمكن أن يتصدّى لجيش جرار.








