وتيرة متسارعة تعصف بكل شيء.. الجديد يصبح قديما وباليا خلال أيام.. لا قدرة لأحد على الملاحقة.. لهاث لا يتوقف.. التغير سمة العصر، مع التطور التكنولوجي الهائل تصبح المجتمعات عرضة للتحولات الضخمة على كل المستويات، لكن لا قبل للأكثرية على مواجهة المستجدات.. القلق يستولي عليهم، التوتر سيد الموقف.. الصدام مآل كثير من المواجهات التي تتحول إلى صراع. فئة محدودة جدا ترى في ذلك فرصة للتحقق، لا يتمتعون بقدرات فذة تميزهم عن الآخرين، ربما مدفوعون بطموح يجعلهم قادرين على تجاوز ما يعيق الآخرين.. هناك فئة لا بأس بها من الأكثرية القلقة، تستطيع أن تتجاوز العوائق إذا امتلكت قدرا يسيرا من القدرة على التكيف.
معظمنا لا يخضع لشروط التغير المتسارع.. يقبلون بالتغيير التدريجي الذي يكون جزءا من طبائع الأشياء.. البعض يظن أن القبول السلبي (غير المتفاعل) شكل من أشكال التكيف، لكن التكيف أبعد ما يكون عن ذلك، فالتكيف هو القدرة على قراءة معمّقة للواقع ورصد المتغيرات بهدف تعظيم الجوانب الإيجابية، مع التعامل الحذر مع المثالب وتحجيمها أو تحييدها، بغية الوصول إلى وضع أفضل على كافة المستويات.
لكن نسبة لا بأس بها لا قبل لها بذلك.. فكثيرون أسرى الاعتياد والروتين، يعيشون في مناطق الراحة التي تكبّلهم بمتطلبات لا يرون عنها بديلا.. هؤلاء لا يرون في أنفسهم أدنى قدرة على التكيف، ومن يخاطبهم بشأنه يبدون له شيئا من السخرية، كأنما يقولون له.. لقد قصدت العنوان الخطأ.. وأكبر مثال يستشهد به على هؤلاء، فئة المدخنين.. الذين لا يطيقون بُعدا عن هذه الآفة اللعينة، حتى أن بعضهم يعود للتدخين بعد عمليات كبيرة في القلب!
تمثل القناعات القديمة أهم الحصون التي تحتمي بها تلك الفئات التي تفضل التعامي عن الواقع، وتجنح نحو الهروب دائما من مواجهته.. وتصور تلك القناعات لأصحابها مواقفهم وكأنها التزام أخلاقي أو اجتماعي أو ديني، وتصبح الاستجابة البسيطة لمتطلبات الواقع الجديد، بمثابة تخلٍ مرفوض عن تلك القناعات المتكلّسة، من هؤلاء من رأيته يتمسك كل التمسك بالكتاب الورقي، ويرفض رفضا قاطعا التعامل مع الكتب الإلكترونية (pdf) متذرعا بأن متعة قراءة كتاب ورقي، متعة لا تعدلها متعة.. بينما الأمر في حقيقته لا يختلف كثيرا، وهو كتناول نفس الطعام في طبق من الخشب مرة وفي طبق من البورسلين مرة أخرى، واختلاف نوعية الأطباق لا تؤثر على مذاقه مطلقا.
يذهب البعض.. في نسجه لحجج الرفض لكل ما هو جديد، إلى أن القبول يعني الرضوخ للإرغام دون تشكل قناعة كاملة بالأمر، يقول أحدهم: لا تكمن المشكلة في عدم قدرتي، بل في رفضي للانصياع.. وهذه حجة واهية يمكن دحضها بطرق عديدة.. فإذا كنت قادرا على الفعل، عليك أن تبرهن على ذلك، أما الانصياع فليس كله شر.. فمن الانصياع ما فيه نجاة الإنسان، شرط أن يعي ويوازن ويتعلم ويُقْدِم دون أن يضع العوائق مقدما أمامه؛ بوصفها مبررات للتراجع.
إن قراءة الواقع الآن بكل متغيراته، يشي بأن عالما جديدا في سبيله نحو التشكل، بينما عالمنا القديم يصير كل يوم أقرب إلى البناء المتداعي الذي يجب على سكانه مغادرته قبل أن ينهدم فوق رءوسهم.
لا تتصل القدرة على التكيف بالتخلي عن الثوابت المبدئية من بعيد أو من قريب، بل بالمرونة الذهنية التي تصنع الفرص من التحديات، ولا تنظر إليها بوصفها مِحَنًا نسأل الله منها النجاة، كما يتطلب الأمر إثارة النقاش دائما بعقل مفتوح حول الجوانب الإيجابية بهدف تعظيمها، قبل تناول الجوانب الأخرى.
يتعلق الأمر كثيرا بنظرة الإنسان لنفسه وتقديره لذاته، وابتعاده عن الأشخاص المحبطين والمثبطين، واحتفاظه بدائرة من الأصدقاء أو المعارف الداعمين، كذلك الانتباه التام لكل ما يصدر عن الآخرين -خاصة في بيئة العمل- وتحليله والاستفادة القصوى من أصحاب المهارات المتميزة، واكتسابها على نحو دقيق.
ربما يتصور البعض أن الشخص القادر على التكيف لا بد أن يكون أنانيا أو انتهازيا أو استغلاليا.. وهذا خطأ فادح.. لأن من أهم واجبات الساعي نحو التكيف، تهيئة بيئته ومحيطه ليمثلا إضافة إيجابية مثمرة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال العطاء والحرص على الإيجابية المجتمعية، من خلال التفاعل مع الجميع بروح ملؤها الود والاحترام.
بقي أن نشير إلى أن المسئولية التي وضعها الله على عاتقنا من خلال التكليف الإلهي، تفرض علينا أن نكون دائما واعيين لكل ما حولنا، قادرين على اغتنام الفرص من أجل صنع واقع أفضل.. وهذا جزء من مسئوليتنا وليس من باب الرفاهية أو الترف.








