الميتا شعر، أو الكتابة عن الشعر بالشعر أو الشعر على الشعر، تعدّ من الممارسات الشعرية القديمة، وبداياتها في الشعر العربي تعود إلى زمن الشعر الجاهلي، ثم ازداد التركيز عليها من قبل الشعراء المحدثين في العصر العباسي، لكن هذا الاتجاه شهد طفرة واضحة عند شعراء الحداثة العربية، خاصةً بعد منتصف القرن العشرين.
وإذا كانت اشتغالات الشعراء على الميتا شعر، ظلت عند الشعراء عامة؛ تمثل مفهوما من عدة مفاهيم سعوا إلى تسكينها في النص الشعري، فإن التجربة التي يقدمها الشاعر علوان مهدي الجيلاني في ديوانه الجديد “ألبومات آدم الثاني” إصدارات وزارة الثقافة العراقية، بغداد 2025، يمكن عدّها قفزة حقيقية بهذا النوع من الاشتغالات الشعرية، ففيها يتجلى المفهوم الأساسي للميتا شعر بوضوح في أقسام الديوان الثلاثة “شعراء”، “شعر”، “نصوص”، بمعنى أن الميتا شعر تتجلى في نصوص الديوان جميعها، إذ هي لا تتناول موضوعات خارجية بقدر ما تتأمل في طبيعة الشعر، دور الشاعر، وظيفة اللغة الشعرية وتطورها عبر التاريخ.
“شعراء” هو القسم الأول من أقسام الديوان، وفيه يتم النظر إلى الشعراء بوصفهم من يصنع اللغة، وأنهم يفعلون ذلك بغية تكييف الوجود، حيث يُبرزُ الديوانُ الشاعرَ بوصفه شخصية محورية في تشكيل وعي الإنسان بالوجود، وأن الشعراء ليسوا مجرد مستخدمين للغة، بل هم خالقوها، وهم الذين منحوا الأشياء أسماء ومعاني، وهم الذين وسعوا مدارك الإنسان الحسية والجمالية، وذلك أمر يضع الشعر في مرتبة تأسيسية للواقع الإنساني:
كان المجهولُ جهاتٍ كثيرةً وغامضة،
كنا غرباءَ ومرتبكين
بدا مجيئنا إلى الوجود مجرد حادث مأساوي
وغير مقصود..
كنا مثقلين بصغرنا الفاضح
وبلا ماهية واضحة..
كنا نواجه معضلةَ تعريفٍ يصعب احتمالها
لكن الشعراءَ أوقفونا على المسرح الرئيسي للوجود
جعلونا نقود الدراما الكونية برمتها،
علمونا أن نتوافق مع المجهول وجهاته الكثيرة
لكن وفق شروط يكيِّفها المجاز،
الدهشةُ مقابل كل ارتعاشةٍ غامضة..
كانت موهبة الخداع
واحدةً من أعظم معجزات الشعراء.
يتتبع الديوان – من خلال أفعال الشعراء- تاريخية الشعر وتطوره بشكل مكثف منذ بداياته، أي منذ فجر البشرية مرورا بمراحل حضارية مختلفة، وصولا إلى العصر الحديث وتحدياته (العلم، التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي)، هذا البعد التاريخي الذي يعزز فكرة الشعر بوصفه كيانا حيّا ومتطورا يواكب الوجود الإنساني؛ يمكن النظر إليه بوصفه فكرة ذكيّة بمقدار ما يمكن النظر إليه بوصفه دليلا واضحا على معارف الشاعر؛ أقصد هنا الشاعر الجيلاني المعروف بثقافته الموسوعية.
الأدلة على ما سبق نقرأها بوضوح في الطريقة التي استبطنت من خلالها العملية الشعرية، هناك إشارات متكررة إلى كيفية بحث الشعراء عن الكلمات، وسعيهم إلى ابتكار المعاني، وتطوير اللغة:
ثمة مكانٌ لمعنى آخر طوال الوقت
يمكن للمعنى أن يحدد طبيعة الوجود
وكان على الشعراء أن يخلقوا لكل شيء أكثر من معنى
لا أحد غيرهم يمتلك المفاتيح
إن هذا النوع من الاستبطان للعملية الإبداعية، سيبدو طوال الوقت أهم سمات الميتا شعر في الديوان، وهو استبطان يجمع بين الشغف الشعري والتأمل الفلسفي، حيث يطرح الديوان تساؤلات عميقة حول من هو الأسبق الوجود أم اللغة، ثم يخلص إلى أن كليهما مدين لـ “زمرة شعراء صيادين مفعمين بالقلق”. والمعنى أنه لا وجود لشيء ما لم يكن مُدركا، ولا وجود لأي لغة ما لم تكن لغة مبدعة، ومعلوم أن العلاقة الجدلية بين اللغة والوجود، أو اللغة والواقع تعد إحدى اهتمامات الميتا شعر، حيث يمثل المنحى الجمالي للشعر بشقيه الأسطوري والفلسفي حجر الأساس في مدركاتنا، فهو من خلال لعبة المجاز وما يلحق به من انزياحات، يخلق سلسلة مُدركات للأشياء لا وجود لها في الواقع؛ لكنها بنت الواقع ونبْتُه بالضرورة -كما يصرّح الجيلاني نفسه-:
تبدَّل الأمر حين ظهر من بيننا
أناسٌ بعيونٍ أكثر لمعانا
كانت الكلماتُ تخرج من شفاههم
بشكلٍ مختلف،
كانت تجعل ما هو كئيبٌ يبدو مرحا
كان لكلماتهم روائحُ وألوانٌ زاهيةٌ
يتحول الوجود بسببها إلى احتمالٍ أكثر رهافة،
حتى حين يتحدثون عن ذاتهم الخاصة
نشعر أنهم يتحدثون عن ذاتنا جميعا
بالكيفية نفسها يصور الديوان الشعراء/ الشعر انطلاقا من كونهم القوة التي ظل الإنسان -عبر تاريخه كله- يواجه بها التحديات الوجودية المختلفة، الغموض المحيط به حين ظهر على الأرض، وبدأ يكتشف ما حوله؛ الخوف من الطبيعة وتبدلات مظاهرها، والخوف من المخلوقات الضخمة التي تعيش فيها:
كانت السماء بعيدةً
وكانت البحارُ مُحرَّمةً
وكان الإنسان صغيرا وقليلا جدا
لكن الشعراءَ ببقايا شوفينيّة سماوية
قرروا أننا في مركز الوجود
ثم نقلونا ونقلوا الوجود كله إلى مركز لغاتنا
وإذن فلم يكن الشعر ترفا جماليّا تميّز به الوجود الإنساني؛ بل كان ضرورة وجودية توازي وجودنا نفسه، ومن هنا فإن اشتغال الديوان على فلسفة الشعر، الميتا شعر، هو شعر على الشعر، يندرج فيه بالضرورة انشغال بطبيعة الشعر، بمعنى أنه يتضمن السؤال الفلسفي المشهور: ما الشعر؟ هذا السؤال الذي نلمحه بين السطور دون أن نقرأ تصريحا به، نجد إجابات كثيفة عليه؛ وهي إجابات تمّحي فيها الحدود الفاصلة بين ماهية الشعر ومكونات النص الشعري، بين طبيعة الشعر والشعر نفسه، بين الشعر والميتا شعر:
الشعراءُ لا يبحثون عن اللغة
إنهم اللغةُ ذاتها،
هم الذين جعلوا ضوء القمر يسهر الليل
وهم الذين جعلوه يتحطم كالزجاج
وهم الذين صنعوا منه زورقا صغيرا
وجعلوا فضَّته تتعاشقُ بأخيلتهم اللذيذة.
هم أول من رسم ملامح الدهشة في الكلام
أول من جعل الحروف تتنفَّس،
هم الذين وضعوا الشذى في الوردة
واخترعوا كلمة الحب..
بدون الشعراء
تدور لغات العالم كلُّها في مداراتٍ متَّحدةِ المركز.
هكذا راح الشعر يوسع مدارك البشر، ويوفر منافذ لتجلي إنسانيتهم، ويؤالف بينهم وبين الأشياء، ويعمّق وعيهم بالأمكنة التي يعيشون فيها، والكائنات التي تتعايش أو تتنافس معهم عليها:
كنا خائفين نتراجف في الكهوف
نتحاشى التفكير في ظلالنا
نختبئ في همهماتنا المتحشرجة
حين قال الشعراء: اِفتح يا سمسم،
ومن ثم تأرجح الباب المسحور منفتحا أمام أعيننا..
من يومها
بدأنا نطلق مدونات الدهشة
حَوَّلْنا دَرَكَ المخاوفِ إلى حيوانٍ أليف،
كانت تلك أولى خطواتنا على كوكب الشعر
وطوال رحلة الإنسان في هذا الوجود، لم يتوقف الشعراء عن كونهم علامة الجودة الإنسانية، حتى حين حاولت الأديان والفلسفات تحجيم دورهم “صاروا مغنين جوّالين”، يرفضون كل محاولات الاسترضاء والسيطرة، ويذكّرون البشرية أنها حين توافق على تحجيم دور الشاعر، فإنها تعترف أنها لم تعد ملائمة للحياة.
ويتجلى التفلسف الميتا شعري -إن جاز التعبير- في مقاربة اغترار البشرية بحضارة الآلات والانصياع الغبيّ لجبروتها وعجرفتها، وحين حاول الشعراء التنبيه على هذا الاغترار غير المقنن حاق بهم، وأحسب أن هذه المقاربة الميتا شعرية من أنضج ما جاء في هذا الديوان:
كنا نستمتع بمشاهدة وحش الضوء
يتجول في الأرض بحثا عن فريسة،
كنا الفريسة
وكنا نعيش حماسةً متعجرفةً لما يقتلنا..
حينها الشعراء وحدهم من قال:
إننا نغرق في ظلام وجودنا
سعيا وراء الوضوح الشديد..
في تلك اللحظة قررت الحضارات موت الشاعر
صارت اللغة تعيش حياتها بصمتٍ ولا مبالاة
صارت عوالمَ مهجورةً وقاحلة
عوالمَ عرَّتها رياح الآلة،
صرنا نسكن واقعا افتراضيا بلا مجاز
لا قطرة ماء يشتعل فيها الحنين
ولا نصل عشب ينبتُ من قبلة احترق بها عاشقان.
وعند هذه النقطة؛ بدا أن النص يتعمّد جعل المستقبل يتداخل مع الحاضر، كون ما يحدث في الحاضر سيتكرس ويتسع ويتأكد أكثر في المستقبل، وكون غربة الشعراء أو غربة الشعر فيه؛ هي غربة الإنسان عن إنسانيته، سيكون النبض الجمالي للوجود كله تحت وطأة مربكة ومرعبة:
كان المستقبلُ خرائطَ لرياحٍ هوجاءَ عاليةِ السرعة
مئاتٍ من القنوات المتعرجة والشبكات العنكبوتية
خوارزميَّاتٍ تتبجَّح بمنطقها الاستدلالي
بياناتٍ تتدفق وتتصادم في تجاويف روحنا الضعيفة،
وحين التهمَنا الذكاءُ الاصطناعي
لم نكن من بحارِ وهواءِ كوكبِ الشعر القديم
كنا وحوشاً غريبةً
ولم يكن الوجود متجانساً أبداً.
وفي هذه اللحظة المعتمة القاسية، عاد الشعراء لمحاولة أنْسَنَةِ الوجود مرة أخرى، هكذا وجدوا أنفسهم؛ يبدءون من الصفر كما فعلوا ذلك عند فجر الوجود البشري على الأرض:
كان على الشعراء
أن يكشفوا المخلوقات الغريبة
التي سبحت فينا ذات يوم،
أن يطردوا أقنعة الإيموجي من مخيِّلاتنا
أن يطردوا وحش التنمُّر
من قاع قلوبنا المسكونة بالبرد
أن يقولوا:
إن الكارثة التي تلمع بصيغةٍ افتراضية
ما هي إلا شظايا لصراعاتنا البلهاء،
إن الفوهة تتسع في الداخل..
لذلك صارت الكلمات صخورا ملفوظة،
روبوتاتٍ على شكل قلوب حمراء..
وكان على الشعراء أن يعوضوا تراجع الحياة
موتَ الضحكة الصافية
وتوقفَ تدفق الأنهار
وأن يخبرونا ببساطة
أن اللقاء بشخصٍ جديدٍ هو لقاءٌ بعالم آخر.






