رؤى

أدب الخيال العلمي في العالم العربي: جدلية الغياب والحضور في النسق الثقافي المعاصر(3-3)

” الخيال العلمي: تخميناً واقعياً لأحداث مستقبلية “ (روبرت هاينلاين).

” إن ترابط العنصرين: العلمي والاجتماعي خلق فضاءً جديداً مُبدعاً لما سيعرف بـ (الخيال العلمي) “ (روجيه بوزيتو).

” كاتب الخيال العلمي كثير الأحلام كثير الهواجس والخوف من المستقبل “ (طالب عمران).

– تمهيد:

حاول عدد من الكتّاب ربط هذا الأدب القصصي بالعلم، بل واستخدامه كوسيلة لترويج المعرفة العلمية، وهو اتجاه مستمر لوقتنا هذا فيما أصبح معروفاً ﺑ ” الخيال العلمي الصارم “. لقد نُوقِشَت العلوم التطبيقية (التكنولوجيا) على نطاق أوسع بكثير في الخيال العلمي، لأن كل ابتكار تكنولوجي يؤثر على بنية مجتمعنا وطبيعة سلوكنا. وقد ربط الخيال العلمي التكنولوجيا مراراً وتكراراً بالمستقبل، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن قصص الخيال العلمي تحكي عن المستقبل.

وعلى أية حال، يعتبر أدب الخيال العلمي أحد أكثر الأنواع الأدبية تطوراً وإبداعاً في العصر الحديث، حيث يجمع بين التخيل والإبداع من جهة وبين الرؤية المستقبلية والعلمية من جهة أخرى. يتميز هذا النوع الأدبي بقدرته على استكشاف المواضيع التي تتجاوز حدود الواقع الملموس، مما يجعله أداة فعالة لطرح الأسئلة الفلسفية والاجتماعية والعلمية حول مستقبل البشرية. منذ بداياته الأولى وحتى الآن، ظل أدب الخيال العلمي مرآة عاكسة للتحديات الإنسانية الكبرى، سواء كانت تقنية، أو بيئية، أو اجتماعية .بناءً على ما سبق سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على أدب الخيال العلمي وبالأخص في العالم العربي من خلال مناقشة عدة عناصر.

في العقود الأخيرة، شهد أدب الخيال العلمي العربي تطورا ملحوظا، مدفوعا بزيادة الوعي بأهمية هذا النوع الأدبي ودوره في تعزيز التفكير النقدي والإبداعي. كما ساهمت التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، مثل التغيرات السياسية، والاجتماعية، والتكنولوجية، في تحفيز الكتّاب العرب على استكشاف هذا المجال. ومن أبرز الكتاب العرب الذين أسهموا في تطوير أدب الخيال العلمي نذكر منهم يوسف عز الدين عيسى  (1914–1999)الذي يعتبر من أوائل المؤسسين لأدب الخيال العلمي العربي وأستاذا لعلم الحيوان في جامعة القاهرة، ما أضاف مصداقية علمية لأعماله. بدأ كتابته في ثلاثينيات القرن الماضي. تميزت أعماله بدمج الخيال العلمي مع الرمزية الفلسفية، مثل مسلسله الإذاعي عجلة الأيام” عام 1936، الذي يتناول فكرة عكس الزمن وتحوّل المستقبل إلى ماضٍ،            و”الطوفان” عام 1960، عن آلة زمن تنقل الشخصيات إلى مستقبل ديستوبي. كما قدم أعمالا مثل دنيا الحمير”  و”الواجهة“، التي نالت إشادة من نجيب محفوظ. ونهاد شريف (1932-2011) الملقب “بعميد أدب الخيال العلمي العربي“، الذي اشتهر بروايته “قاهر الزمن” التي تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1987، كما تناولت أعماله مواضيع مثل السفر عبر الزمن والتجارب العلمية الغامضة، مثل “الماسات الزيتونيةمجموعة من قصص الخيال العلمي” في عام 1979، التي تروي قصة طبيب يحاول استخدام جسد الإنسان؛ لتصنيع ماسات حقيقية، أمر فيه الكثير من المخاطرة والدهشة إلى حدٍ كبيرٍ والجرأة بتطبيق القوانين العلمية لتصنيع مادة خام حقيقية هي بالأصل من صنع الطبيعة عبر تتالي عدة عوامل لتشكلها طبيعيا وتحوي أيضا الكثير من الخيال. كما كتب في عام 1977 “سكان العالم الثاني” حيث تدور أحداث رواية في عام 2099، في محاولة لتجسيد حلم البشرية في استغلال أعماق البحار والمحيطات، عن طريق مجموعة من العلماء الشبان، الذين لجئوا إلى قاع البحر، لبناء ما يشبه المدينة الفاضلة، بهدف العمل الجدي من أجل خدمة الجنس البشري وسعادته. كما يُعتبر شريف من أوائل من نقل الخيال العلمي إلى الشاشة والإذاعة العربية. بالإضافة إلى نبيل فاروق (1956-2020) الذي يعتبر أحد أبرز كتّاب الخيال العلمي الموجه للشباب، اشتهر بسلسلة “ملف المستقبل” التي بدأت عام 1984 برواية “أشعة الموت“، وتناولت مغامرات علماء في مواجهة كوارث مستقبلية. قدم أيضا سلسلة “رجل المستحيل” عام 1984، التي تحمل طابع الخيال العلمي كما أنها جمعت بين الإثارة والعناصر العلمية، وحققت انتشارا واسعا في العالم العربي. وأحمد خالد توفيق (1962- 2018) الذي لقب بـ”عرّاب أدب الرعب والخيال العلمي العربي” واشتهر أيضا بسلسلة “ما وراء الطبيعة” المنشورة بين عامي (1993-2014) التي مزجت بين الفانتازيا(1) (الخيال المُبدع) والعلم، ورواية “يوتوبيا” عام 2008، التي صورت مستقبلا ديستوبيا (عالم الواقع المرير) لمصر منقسمة بين الأغنياء والفقراء، كما نجح في جذب جيل الشباب إلى هذا النوع الأدبي عبر لغته السلسة وربطه بالقضايا الاجتماعية. وأخيرا الكتّاب المعاصرون والجيل الجديد أمثال عمرو عبد الحميد: طبيب وروائي مصري، اشتهر بثلاثية أرض زيكولا” عام 2010، التي تجمع بين الخيال العلمي والأساطير. ومحمد العشري وأميمة خفاجي من مصر، اللذان قدما أعمالا تتناول الذكاء الاصطناعي والكوارث البيئية. طيبة أحمد الإبراهيم من الكويت التي رائدة أدب الخيال العلمي في الخليج، حيث مثل رواية “الإنسان الباهت”  عام 1986، عن هندسة الجينات. وطالب عمران من سوريا الذي كتب مجموعة من روايات أهمها عوالم من الأمساخ  عام 1997، تأخذ القارئ إلى عوالم يمتزج فيها الواقع بالخيال، والعلم بالسحر، والمعقول باللامعقول، وذلك لاستخلاص فوائد علمية وأدبية وتربوية. كل ذلك عبر أحداث مثيرة، ولغة ممتعة، وحبكة ذكية، تدفع القارئ إلى التفكير والتحليق مع الكاتب. تدور أحداث الرواية عن مغامرات علمية وأحداث غريبة عجيبة يجريها عالم دكتور في علم الخلية، لاستنتاخ كائن بشري، في مخابر حيوية مزودة بعلماء متخصصين وأجهزة تقنية عالية الجودة، يقومون بتجارب كثيرة على الجينات البشرية والخلايا الحية في مناطق متفرقة من الجسم البشري، الذي يعده الدكتور صاحب المخابر نموذجا حيا كفأر تجارب، لا فرق بين موته وحياته. يستنسخ الدكتور القردة والخنازير والكلاب، ويخلط في نسخه هذه النماذج الحيوانية مع البشر.

بعد هذا الاستعراض الوجيز نجد أن أدب الخيال العلمي في العالم العربي قد مرّ بأربع مراحل، الأولى استكشافية على يد توفيق الحكيم، الثانية تأسيسية على يد مصطفى محمود ونهاد شريف، الثالثة مرحلة الانتشار على يد نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق، والمرحلة الرابعة هي مرحلة التأصيل. ورغم الجهود المبذولة لتطوير أدب الخيال العلمي في العالم العربي، إلا أن هناك العديد من التحديات التي تعيق نمو هذا النوع الأدبي أهمها ما يلي:

1- ضعف الدعم الثقافي والمؤسسي: يفتقر أدب الخيال العلمي العربي إلى الدعم المؤسسي الكافي، سواء من الناشرين أو الجهات الثقافية. غالبا ما يركز على الأنواع الأدبية التقليدية، ما يجعل من الصعب على كتّاب الخيال العلمي الوصول إلى جمهور واسع.

2- قلة الوعي بأهمية الخيال العلمي: لا يزال هناك نقص في الوعي بأهمية أدب الخيال العلمي بوصفه أداة لتعزيز التفكير النقدي والإبداعي. كثير من القراء العرب يفضلون الأنواع الأدبية التقليدية، ما يحد من فرص نجاح هذا النوع.

3- التكنولوجيا والعلوم في المجتمعات العربية: رغم التقدم الذي حققته بعض الدول العربية في مجالات العلوم والتكنولوجيا، إلا أن هناك فجوة كبيرة بين هذه الإنجازات وبين وعي الجمهور العام بها، ما يؤدي إلى صعوبة تقديم قصص خيال علمي تستند إلى مفاهيم علمية دقيقة.

4- التحديات اللغوية والثقافية: يواجه كتاب الخيال العلمي العرب تحدياً في كيفية تقديم قصص خيالية تعكس الهوية الثقافية العربية دون الوقوع في تقليد النماذج الغربية.

إلا أن مع زيادة الاهتمام بالتكنولوجيا والعلوم في العالم العربي، تبدو هناك فرص كبيرة لنمو أدب الخيال العلمي. يمكن أن تسهم المؤسسات الثقافية والتعليمية في تعزيز هذا النوع الأدبي من خلال تنظيم المسابقات الأدبية ودعم الكتّاب الشباب. كما أن استخدام وسائل الإعلام الحديثة، مثل الإنترنت والمنصات الرقمية، يمكن أن يساعد في الوصول إلى جمهور أوسع وتعزيز مكانة أدب الخيال العلمي في المشهد الثقافي العربي. كما يشكل أدب الخيال العلمي في العالم العربي مجالا واعدا مليئا بالإمكانات الإبداعية. رغم التحديات التي يواجهها، إلا أن هناك بوادر أمل تشير إلى نمو هذا النوع الأدبي في المستقبل. ومع استمرار التحولات العالمية والتكنولوجية، سيظل أدب الخيال العلمي العربي وسيلة فعالة لاستكشاف المستقبل ومناقشة القضايا الكبرى التي تواجه المجتمعات العربية.

والمصطلح العلمي استوعبته لغتنا العربية، والكتابة العلمية أصبحت منتشرة، مهما كانت اللغة المنقول منها الكتاب العلمي، دقيقة، وصعبة… فالخيال العلمي هو ميدان جديد في الأدب وهو شديد الأهمية، وقد أصبح كتّاب الخيال العلمي جزءاً من الخبرات التي تساهم في رسم استراتيجيات الدول. ونتمنى أن يصبح الخيال العلمي العربي ظاهرة إبداعية تؤخذ بشكل جاد من قبل النقاد والمحافل الأدبية والعلمية، لأنها تستحق ذلك. وبالنظر إلى المستقبل (كرؤية استشرافية)، يبدو أن أدب الخيال العلمي سيظل لاعباً رئيسياً في المشهد الثقافي العالمي. مع استمرار التقدم التكنولوجي والتحديات البيئية والاجتماعية، ستزداد الحاجة إلى هذا النوع الأدبي كوسيلة لاستكشاف السيناريوهات المحتملة ومناقشة الخيارات المتاحة للبشرية.

– خلاصة القول، يمثل أدب الخيال العلمي جسرا بين الخيال والواقع، وبين الماضي والمستقبل. إنه نوع أدبي لا يقتصر على التسلية فقط، بل يشكل أيضا وسيلة للتفكير النقدي والتأمل العميق في قضايا عصرنا. مع استمرار التحولات العالمية، سيظل أدب الخيال العلمي مصدر إلهام للعلماء والمفكرين والجمهور العام، وسيبقى وسيلة فعالة لاستكشاف المجهول وطرح الأسئلة الكبرى التي تواجه البشرية.

إن الخيال (الخيال العلمي) والعلم والأدب قدرة بشرية خلاقة كانت ولا تزال، فالخيال نشأ مع تفتح العقل البشري حتى أصبح العقل مفتاح الخيال، فالخيال يسبق العلم أحياناً ولكن العلم يعتمد على الخيال. وأدب الخيال العلمي جنس أدبي له خصوصيته يجب علينا الحذر والتحذير من الإفراط أو التطرف غير المحدود في موضوعات البحث العلمي، أي دخول ساحات الخلق البشري تحديدا، بالإضافة إلى وجوب الحفاظ على إنسانية الإنسان وعدم تحويله إلى آلة، ففي ذلك ضرر ودمار ما بعده دمار.

– الهوامش:

(1) وفي هذا الأدب ينطلق الخيال الخلاق فيتجاوز حدود المعقول والمنطقي والتاريخي والواقعي، فيُخضع كل ما في الوجود لقوة الخيال المطلقة.

– المراجع المعتمدة:

–  طالب عمران: الخيال العلمي وتجربتي مع المصطلح، مجلة الخيال العلمي، العددان: الخامس والسادس، كانون (1)- كانون (2) 2008-2009.

– طالب عمران: مقابلة برنامج خيوط الذهب حوار مع الدكتور طالب عمران بعنوان: (أدب الخيال العلمي قديماً وحديثاً)، تقديم: صفوان علي، تاريخ مشاهد الفيديو 16/02/2025. https://www.youtube.com/watch?v=PoRWh0Aybjs

– نضال الشوربجي: الواقع الاجتماعي والخيال والعقل الباطن (ثلاثة مصادر للأدب الإنساني)، مجلة كلية الإلهيات، جامعة سليمان دميرال، العدد: 42، 2019.

– شاكر عبد الحميد: الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد:360، فبراير 2009.

– روجيه بوزيتو: الخيال العلمي الغربي في أزمة، ترجمة: محمد الهادي عياد، مجلة الخيال العلمي، العددان: الخامس والسادس، كانون (1)- كانون (2) 2008-2009.

– إدوارد جيمس، فرح مندلسون: دليل كمبرج للخيال العلمي، ترجمة: أيمن حلمي آخرون، مراجعة: رؤوف وصفي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 1991، ط1، 2013.

– محمود قاسم: سينما الخيال العلمي، وكالة الصحافة العربية (ناشرون)، القاهرة، ط1، 2018.

– عبد المجيد إبراهيم قاسم: قصص الخيال العلمي الموجهة للطفل (بين المضمون العلمي والخِطاب الأدبي)، مجلة الرافد الكترونية، الإمارات (الشارقة)، 01 مارس 2022. https://arrafid.ae/Article-Preview?I=MKMnTmBGCsY%3D&m=5U3QQE93T%2F0%3D

– ديفيد سيد: الخيال العلمي: مقدمة قصيرة جداً، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط2، 2016.

– عبدو محمد: أدب الخيال العلمي بوصفه جنساً أدبياً، مجلة الخيال العلمي، العددان: الخامس والسادس، كانون (1)- كانون (2) 2008-2009.

– ناصر كامل: سبقوا العلماء برحلة إلى القمر… هكذا أبدع أدب الخيال العلمي، موقع قناة العربية نقلاً عن مجلة القافلة، أرامكو السعودية، نشر في: 18 مايو، 2020. https://2u.pw/NaZGTGa2

– مجموعة من المؤلفين: اليوتوبيا والفلسفة (الواقع اللا متحقق وسعادات التحقق)، إشراف وتحرير: عامر الوائلي وآخرون، منشورات الاختلاف وآخرين، الجزائر، ط1، 2014.

حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع - كلية الآداب في جامعة ماردين - حلب سابقاً.
زر الذهاب إلى الأعلى