ثقافة

ديوان “ألبومات آدم الثاني” لعلوان الجيلاني.. لعبة الشعر ولعبة الميتا شعر (2-3)

 “شعر” هو عنوان القسم الثاني من الديوان، ويبدو واضحا أن الشاعر الجيلاني، ينظر إلى تاريخ الشعر العربي بوصفه عينة مناسبة جدا؛ لجعلها نموذجا لما يمكن أن يبدو عليه تاريخ الشعر في اللغات العالمية الأخرى، كما أنه – وهذا يتضح من السياق العام لنصوص هذا القسم-لا ينظر إلى تاريخ الشعر بوصفه سلسلة من الأحداث والأسماء؛ بل بوصفه حوارا مستمرا وتطورا ذاتيا للشعر. هناك وعي داخلي نلمسه لدى هذا الكائن (الشعر)، باعتباره موضوعا وشخصية وجودية في الآن ذاته، إنه “آدم الثاني” بتحولاته وتكيّفه مع السياقات الزمنية والثقافية المختلفة.

فكرة صائبة؛ أن يُتعامل مع الشعر بوصفه كائنا حيا، يمتلك فاعلية خارقة وملهمة:

منذ اللحظة الأولى كنت شابا ومكتملا

مدهشا ومفرطا في أناقتك،

تخايلت لنا كصهوة جواد أشقر

كان سحرك هو المحرك الخفيّ للوجود

كنت تصل في الوقت المناسب وتقول الكلمة الفصل

تفعل ذلك ككائن اعتاد على تجسيد تجارب الحياة،

منذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان وحيدا

كذلك فإن الشعر “آدم الثاني” مثلنا نحن البشر؛ تكمن قيمته في النقص وليس في الكمال، في الاختلاف لا في التماثل، في الالتباس لا في الوضوح:

أنت حياةٌ ناقصةٌ،

جوهرٌ لا يتجانس أبدا

لذلك تبدو مبعثرا ومشوشا وبدائيا

مع ذلك تبدو وسيما ومتلاحما أيضا

نقصك هو سرُّ جمالك.

هو أيضا يتجاوز الثبات ويخضع للتغيرات:

هكذا كنت تبدِّل طعمك

تجمَّعتْ في صوتك مذاقاتٌ كثيرة

لم تعد عيون المسكون بماضيك تعرفك

صرت توجسا صارخا على شفتيه

من هذه النظرة الحيوية للشعر، يتنامى منظور الـ”ميتا شعري” فيه، حيث يصبح الشعر موضوعا لتأمل ذاته.

هنا نجد أنه من اللازم الإشارة – مرةً أخرى- إلى الميزة المعرفية العالية؛ التي يتمتع بها الشاعر، وهي ميزة يبدو واضحا أنه تعمّد جعلها تتخفى وراء السطوع الشعري للنص، جَعْلها تتخفى في حدّ ذاته ميزة، فنحن نلمح تأثير السياقات الجغرافية والتاريخية والثقافية والاجتماعية، ونلمح تفاعل الشعر في الديوان معها، ففي العصر الجاهلي:

كان الزوال غرابا لا يتوقف عن النعيق

وكانت الأطلال رجفةً دائمةً على شفتيك،

حساسيةً غامضةً تتجسد في فناءٍ غامض

تضعكما في مهبِّ الهشاشة

أنت والإنسان في دائرةٍ كهربائيةٍ واحدة

وسط تدرجات اللون الأغبر

وسط بقايا الأثافي والقَرَطِ والرَّوث

يتكئ كلٌّ منكما على الآخر ويبدأ النحيب.

أما في العصر العباسي، فهو لم يعد “قصة بقاء يخوضها عنترة في الدهناء”، لقد اختلف الأمر، صار الشعر “مثاقفة في مجلس الرشيد”، “لذة كأس في دار ندامى”، “ملاسنةُ أجناسٍ وتلقِّيات، نزواتٌ مرهفةٌ بطعم بابل، هكذا كنت تبدِّل طعمك”.

وهنا يمنح النص الميتا شعري لنص المتنبي مكانة فارقة في سياق الميتا شعرية العربية:

حين وثَبَ بك المتنبي خارج المدار

لم يكن ذلك حادثا عرضيا،

بوسع أيٍّ منا اليوم أن يُقدِّر الطاقةَ التي شحنك بها

كنت تتوتر حتى تتقطعَ خطوط الطول والعرض..

حينها مَسَّكَ غموضٌ شفيف

غموضٌ يشبه ستائر الغمام البيضاء

كنت كثيفا ومتعارضا

كان هجاؤك للزمن إصابةً مباشرةً

كانت الخيباتُ تتحول إلى رؤوسٍ مدببةٍ

إلى حوافَّ حادةٍ تُدمي كل شيء..

أصبحت المعاني لا تتلاشى

بل تظلُّ مفعمةً بالحياة عبر القرون،

هكذا جعلك تعيش بعينين مفتوحتين طوال الوقت

وهكذا سنراقب الشعر، وهو يخوض تجربة التصوف؛ بوصفها مُنقذا له من الانسداد الذي بدأ يحيق به:

ثمة ستائرُ ترتجف خلفها الأسرار

وثمة صورةٌ تستحق النفاذ إليها..

هي نفسها إثباتك ومحوك

حقيقتك التي تدخل منها إلى حقيقتك الأخرى

بهذا الشكل ستتوالى الاستحضارات وصولا إلى الأندلس “نسجتك الموشحات بالأوتار”، الاستحضارات لا تحدث بشكل تاريخي محض، بل من خلال تأثير السياقات المتبدّلة على طبيعة الشعر وخصائصه، عبر استبطان عميق للتحولات الفنية التي طرأت على الشعر العربي، كما هو الحال عند استحضار فن “الحميني” في اليمن:

سقاكَ الـحُمَيْنيُّ خمرةً لم تعرفها من قبل

بعثَكَ في غناء المطوَّقات على طَرْفَاءِ زبيد

جعلكَ تتمايل سُكرا في حَضَرات الجبرتي

وتنادمُ السلاطين في قصر الدّيباج،

ألبسكَ “ستارةً صنعانيةً” ملوَّنةً

وعلمك مشية “التِّرتَّاحْ”،

صاد فؤادكَ في “كوكبان”

وحولكَ إلى عاشق مجنون،

كنتَ رهيفا ومرحا

تهزُّ “قامة الرديني”

وتجعل من فرط الشغف قيمةً مضافة.

والملاحظ أنه لا تقدم هذه التحولات بوصفها حقائق تاريخية جامدة؛ بل حالات وعي وتجريب داخل صميم الشعر نفسه.

في هذا السياق؛ يمكننا أن نلاحظ أن الديوان يُبرز وعي الشعر بمحاولات الأيديولوجيا لتقييده أو توجيهه “الأيديولوجيا رأتها كذلك قالت إنك كنت تهرب من الأسئلة”، هذه النظرة النقدية لدور الأيديولوجيا في الشعر، هي جزء من التأمل الميتا شعري، وهو تأمل يطال وظيفة الشعر وحدوده.

نلاحظ أيضا أن القصيدة الصوفية، تبدو قوية الدلالة، بوصفها لحظةً ميتا شعرية:

أجلستَ ليلى على العرش

وسألتَ الأطلالَ عنك أنتَ لا عن ليلى

 يمكن اعتبار هذه الإشارة إلى تبادل المواقع في الشعر الصوفي؛ بمثابة إيماءة إلى البعد الميتا شعري في الشعر الصوفي نفسه؛ لأن الشعر الصوفي غالبا ما يتجاوز التعبير المباشر، ويسعى إلى استكشاف عوالم روحية ولغوية جديدة، ما يجعله نوعا من التأمل في إمكانيات اللغة الشعرية.

قبل ذلك نلاحظ أن تقديمه لتجربة المتنبي؛ ليس فقط بوصفها قمة في تاريخ الشعر العربي، بل لحظة مفصلية أثرت في طبيعة الشعر نفسه:

 وحده كان يلوي رجليه كي يتخلص

كان يفعل ذلك بنبرةٍ حادةٍ

مرئيةٍ ومضمرةٍ في آن،

نبرةٍ لا تتواطأ

لا تكفُّ عن الرنين في أذن الدهر

نبرةٍ تبتدئ فينا ولا تنتهي

نبرةِ بحثٍ لا يتوقف عن معادلٍ صوتيٍّ لما يحدث

إن التركيز على الطاقة التي شحن بها المتنبي الشعر، وعلى التوتر والغموض الذي أضافه إليه، يحوّل النص إلى مرآة لحالة المتنبي، كلتاهما تمثلان ميتا شعرية بامتياز.

في هذا القسم من الديوان؛ تستحضر أيضا التحولات التي أدت إلى ظهور الحداثة الشعرية، وثمة صورة مشهدية طريفة تعكس ما حدث، ففي اللحظة التي وصل فيها الشعر إلى طريق مسدود، باغتته تجليات الآخر المختلف، لكنه بدلا من مواجهته هرب إلى الماضي:

لم يكن التوافق عادةً حسنة،

هكذا قلت لنفسك وقد تلقيت ضربةً على الرأس

لكنك ارتجفت في اتجاه عكسي

اخترت اللعبَ عبر المرايا المتقابلة

كانت تلك لحظة غريبة وغير سويّة مر بها الشعر، لكنه ما لبث أن انقلب على نفسه، هنا  تصوَّر الحداثة بوصفها لحظة وعي ذاتي للشعر؛ حيث يرفض التقاليد السائدة، ويسعى إلى تجريب أشكال ومضامين جديدة، وذلك كله ناتج عن انفتاحه على الثقافات الأخرى:

منذ رأيتَ الوردةَ الزرقاءَ في الجانب الآخر

صار قلبكَ مفطورا من شدَّة الحزن

صرتَ تتلوَّى وتتأوَّه لأتفه الأسباب،

ارتميتَ على صدر الطبيعة العذراء

صرتَ شجرةً تتمايل في غابةٍ من ظلام

عشبةً تتفتح أزاهيرُها لأجل عاشقين

قمرا يخفق مقهورا خلف الغيوم

فكرةَ انتحارٍ لا تتوقف،

كان شحوبُك حياةً جديدةً لك..

رهافتك تتحول إلى تعريفاتٍ لا عهد لك بها

صرت تملك روحا من الكريستال تعكس كلَّ شيء

صرت طيرا بحريا يمنحنا قلبه ودمه،

صار الوجود كله مسمارا تُعلَّق فيه اللوحة.

وإذا تأملنا هذا النص؛ سنجد أنه نص ميتا شعري بامتياز، ميتا شعري في ذاته، وميتا شعري في الاحالات الواسعة التي تقودنا كناياته إليها، فـرؤية “الوردة الزرقاء” كناية عن الاشتباك بما أبدعه الرومانسيون الأوربيون، إذ ترمز الوردة الزرقاء للغموض والخيال والحب، وهي رمز ابتكره الشاعر الألماني نوفاليس؛ أحد أعلام الحركة الرومانسية في الشعر الأوربي عند نهايات القرن الثامن عشر، وقد أدى اشتباك الشعر العربي بتجارب الرومانسيين الغربيين إلى تبدلات واسعة في مفهوم الشعر، وبالتالي دخول متغير واسع طال طبيعته وتعريفاته ومواضيعه، صار الحزن والشحوب والتغني بالطبيعة، وحتى فكرة الانتحار من أهم علاماته، كما انتقلت الصورة الشعرية من السمة البيانية؛ التي اتسمت بها في معظم أحوالها إلى السمة التعبيرية. كي تتواصل قدرة الشعر على التبدل والتجاوز:

لم تعد مأخوذا بالقداسة

ثمة حصانٌ مختلفُ الشكل يبدأ العَدْو،

ذاتٌ تتصاعد داخل ذاتك

تشاطرك السرير وترفض قواعد العيش في البيت،

مع ذلك لم تغادر رماديةَ الوجود

من تأرجُحِ اللحظةِ بينكما توَهَّجَ شفقٌ لاذع،

صار لـحُلَّتك المكرمشة مكانٌ تذهب إليه،

لم تجرب مواجهةَ تناقضاتٍ كهذه من قبل

التلميحات واضحة جداً، وهي تلميحات تعبر بوضوح عن التوالج الميتا شعري:

تقول: “عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السَّحَرْ”،

ثم تقول: “العنوا الظلام”..

وبيقين من لا يسمع أحدا يتنفس بجواره

كان جزءٌ من ذاتك يغادر ظلَّ العرش

يغادر وفيه نواةٌ من جوهرك الأبديّ

بعد هذا، ثمّة تلميح واضح إلى الممكنات الواسعة؛ التي منحتها قصيدة النثر للشعر، مع ذلك تبقى ممكنات أخرى لا حصر لها، وتبقى هناك أقاليم لم يدخلها الشعر بعد، لكن الأهم من ذلك كله، هو الجوهر الحقيقي للشعر:

ليس للُعْبةٍ مكشوفةٍ أن تتسمَّى باسمك

ليس لك أن تكون خارج رهافة الإشارة

لا يمكنك العيش دون تلميحاتٍ فنية

لا يمكن لجملةٍ تسير في طريق مستقيم أن تكون شعرا.

زر الذهاب إلى الأعلى