في السنوات القليلة الماضية طفا الحديث عن الذكاء الاصطناعي على سطح الحياة عموما، وأصبح أكثر شيء يُتحدث عنه، سواء في البرامج أو في المقالات، وأصبح كثيرون مهمومين بما قد ينتج عنه، ما بين سارد لمزاياه ومُحصٍ لعيوبه ونتائجه السلبية على البشر، وفي كتابه “أنسنة الذكاء الاصطناعي..الأخلاقيات والقوانين” الصادر عن مجموعة بيت الحكمة بالقاهرة، يرى د. محمد شومان – وكله ثقة- أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا طبيعيا من حياة الناس، ووسيلة أساسية من وسائل الحياة لا غنى للبشر عنها، خلال القرن الحادي والعشرين، مشيرا إلى أن هناك تفاوتا هائلا وفجوات كبيرة بين انتشاره واستخدامه عبر دول العالم، حيث لا يزال حضوره وتأثيره محدودا في أغلب دول الجنوب، التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقاته من كهرباء واتصالات وإنترنت، إلى جانب نقص التمويل والكوادر والخبرات البشرية وانتشار الأمية الخاصة به، غير أنه يؤكد أن الذكاء الاصطناعي سينتشر ويتطور باستمرار في شكل قفزات وتحولات سريعة تسبق دائما قدرة البشر على تنظيم استخداماته، متوقفا عند مسألة أهمية وضع القوانين التي تجعل من الذكاء الاصطناعي، أداة في خدمة الإنسانية وإنهاء كافة أشكال التمييز والعنصرية وتحقيق العدالة والمساواة بين البشر.
شومان الذي يطرح سؤالا معقدا وبسيطا -في الوقت نفسه- عن ماهية الذكاء الاصطناعي، يركز على الإشكاليات والتحديات والفرص التي يثيرها، معلنا أن تعريف الذكاء ااصطناعي لا يزال مفتوحا وغير محدد ويثير الجدل لأنه -ربما- يعتمد صراحة أو ضمنا على البشر بوصفهم نقطة مرجعية أو وحدة قياس، خاصةً وهو يهدف -دائما- إلى تكرار بعض جوانب الذكاء البشري، منحازا للقول أنه نظام قائم على الآلة، يمكنه تحقيق مجموعة معينة من الأهداف التي يحددها الإنسان، وتقديم التنبؤات أو التوصيات أو القرارات التي تؤثر على البيئات الحقيقية أو الافتراضية.
الاستعمار الرقمي
ومتحدثا عما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله، يرى الكاتب أن التمييز بين السلع والخدمات والفنون والآداب والصور والمضامين المنتجة بواسطة الآلات والبشر- عملية صعبة ومعقدة، فالذكاء الاصطناعي يستطيع رسم لوحة فنية أو تأليف قطعة موسيقية أو قصيدة شعر، وسيصبح كذلك شبه مستحيل الحفاظ على خصوصية الفرد في المجتمع، خاصةً أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستتمكن من رقابة ومتابعة الأفراد على مدار الساعة، سواء في الواقع الفعلي أو الافتراضي.
غير أن ما يُقلق هنا -حسب رؤية الكاتب- أن الاستعمار الرقمي أو التكنولوجي أو الإلكتروني، وأحيانا استعمار البيانات أو الإمبريالية التكنولوجية أو الاستعمار الخوارزمي، وكلها مصطلحات تشير إلى استغلال ونهب دول الجنوب العالمي بواسطة النظام التكنولوجي الناشئ والمدفوع بالبيانات والذكاء الاصطناعي، حيث تقود دول الشمال والصين تطوير الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تلك الدول وتشكيل مستقبله، مؤكدا أن تولِّي شركات الذكاء الاصطناعي الغربية الكبرى، إنشاء وإدارة البنية التحتية الرقمية في الجنوب العالمي له أوجه تشابه واضحة ومذهلة مع ممارسات الاستعمار السابقة وكذلك الاستعمار الرقمي.
هنا أيضا يشغل الكاتب أن طوفان تطبيقات الذكاء الاصطناعي سيؤثر في كل مجالات الحياة عبر العالم، كما سيؤثر في الثقافة وحياة الأفراد والمجتمعات وأنماط الحياة وتمضية الوقت والتنشئة الاجتماعية وغيرها، وسيؤدي هذا الطوفان إلى تحولات كبيرة في نُظم التعليم وكل الوظائف والمهن، ذاكرا أن ملايين الوظائف والتخصصات ستختفي أو ستتقلص أعدادها للحد الأدنى، كالمدرسين والمترجمين والصحفيين والمصممين وكتاب السيناريو ومنتجي المحتوى ومُدخلي البيانات وموظفي الأرشيف والمراجعين والسائقين والمحللين الماليين والمسوقين عبر الهاتف وغيرهم، مشيرا إلى أنه في مقابل هذا ستظهر وظائف جديدة، وفرص عمل من نوعية جديدة لم تعرفها البشرية من قبل، مثل مهندسي التعلم الآلي، مدربي الذكاء الاصطناعي، والمهندسين والفنيين الذين يعملون على صيانة الروبوتات البرمجية ووظائف مراقبة مستوى الأداء، كما سيظهر خبراء مراقبة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وضمان عدم تحيز تطبيقاته والشفافية وعدم انتهاك خصوصية الأفراد.
حروب سيبرانية
ومتوقفا عند إشكالية اختطاف الذكاء الاصطناعي، يذكر الكاتب أننا نعيش عصر البيانات الضخمة التي تعتمد عليها الحكومات والشركات والأفراد، ومع التطور التكنولوجي المستمر يتضاعف حجم البيانات وسرعة معالجتها وحفظها، كما تزداد المخاطر السيبرانية، ومن هنا تظهر أهمية أمن المعلومات وحمايتها من التعطيل أو التعديل أو التدمير، مشيرا إلى أنه في حروب أمن الكاء الاصطناعي قد ينجح الخصم، سواء أكان دولة أم شركة أم شخصا، في تسميم البيانات المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، من خلال إدخال بيانات غير صالحة أو تالفة في مجموعة التدريب، معتقدا أن حروب المستقبل قد تكون حروب سيبرانية أو بين روبوتات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لذلك تثير إشكالية الذكاء الاصطناعي المُعادي اهتماما كبيرا بين العلماء لتطوير نماذج التعلم الآلي والعميق التي يمكنها الصمود في وجه أنواع مختلفة من الهجمات، مؤكدا أن مخاطر السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي أو التلاعب بها تبقى أمرا خطيرا للغاية، وغالبا ما يُشار إلى ذلك باسم “هجوم الذكاء الاصطناعي المعادي” أو “هجوم التعلم الآلي المعادي” أو اختراق أو اختطاف الذكاء الاصطناعي.
أيضا يتساءل الكاتب هنا قائلا ما الحقيقة؟ وهل أصبحت الحقيقة في متاهة؟، فهي مفتتة وغير واضحة ومراوغة، كما أنها أصبحت نسبية، ولا توجد معايير واضحة متفق عليها لرصد الحقيقة والكذب والتلاعب في كثير من المواقف، سواء في السياسة، أو الصحافة والإعلام، أو الاقتصاد، أو حتى في الحياة العامة، ذاكرا قول أحد الباحثين أن الخط الفاصل بين الحقيقة والباطل يبدو غير واضح، حيث فقدت الحقيقة نفسُها قيمتها الرمزية، مشيرا إلى أنه مع انتشار الأخبار المزيفة والحقائق البديلة ونظريات المؤامرة والمعلومات المضللة، أصبحت الحقيقة مجرد رأي غارق في طوفان من وجهات النظر المتنافسة والسرديات المتصارعة.
ما بعد الحقيقة
ومما يعتقده الكاتب كذلك؛ أنه من الصعب التنبؤ بكيفية تأثير تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي على المجتمع، مثلما يعتقد بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على تعزيز قدرتنا على الوصول إلى المعلومات وتحليلها، ما يؤدي إلى فهم أكبر للعالم من حولنا، وربما المساهمة في مجتمع أكثر استنارة وقائمًا على الأدلة، غير أن الكاتب يحذر من الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي؛ لأنه قد يؤدي إلى انتشار معلومات خاطئة أو تلاعب بالبيانات، ما قد يسهم في دعم عالم “ما بعد الحقيقة”، كذلك يرى أن محو الأنواع المختلفة من الأمية، أبجدية، وظيفية، ورقمية، هو شرط ضروري لضمان حقوق الإنسان وتمكين المواطن، وإشراكه في جهود التنمية المجتمعية، كما أن محو هذه الأميات يعد وسيلة أساسية لبناء قدرات الناس على التعامل مع التحديات والتعقيدات المتطورة للحياة والثقافة والاقتصاد والمجتمع في عالم سريع التغير، وهي حق أساسي من حقوق الإنسان.
الكاتب الذي يرى، في سياق تناوله لهذا الموضوع المهم والخطير، أن الذكاء الاصطناعي يشبه الطوفان الذي لا يتحكم فيه أحد، معتقدا في أهمية ترويض هذا الطوفان وتنظميه، حتى لا يصبح عدوًّا يهدد حياة الإنسان، يدعو إلى أنسنة الذكاء الاصطناعي بجعله يُستخدم لصالح البشرية، راصدا المخاطر التي قد تنتج عن استخدامه سواء على مستقبل الدول أم الأفراد، مؤكدا أن الفشل في ترويض وأنسنة الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى شيوع الانفلات والفوضى، ما يؤدي أيضا إلى إنهاء سيادة أو خلافة الإنسان على الأرض، حيث تتحول السيادة لآلات وتطبيقات فائقة الذكاء، تفكر وتعمل أفضل من البشر، لكن بدون قيم دينية أو أخلاقية.








