رؤى

صورة الاحتلال.. انهيار أم انكشاف؟

يسهل على من يتابع ما ينشره الإعلام العبري على مدار الشهور الخمسة الأخيرة -أي منذ تجدد العدوان على قطاع غزة- أن يلاحظ مفردة تتكرر بشكل مضطرد في تغطيته للمعركة وهي “الانهيار”.

حيث استخدمها رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق نفتالي بينيت الذي يزور الولايات المتحدة حاليا، حيث صرّح أن مكانة الدولة العبرية “تنهار وقد ترسخت كدولة منبوذة”.

وأضاف أن هذا الانهيار يشمل كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة وفقا لبينيت لأن “الحزب الديمقراطي لم يعد معنا منذ فترة، ونفقد الآن الحزب الجمهوري”.

كما أن الانهيار -فيما يتعلق بصورة دولة الاحتلال- امتد إلى داخل الحزب الجمهوري، حزب الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، إذ أن العديد من المنتمين إلى تيار المحافظين في الولايات المتحدة، بما في ذلك حركة “أعيدوا عظمة أميركا” المؤيدة لترامب يبتعدون عن تأييد الدولة العبرية.

وأوضح بينيت أن الجيل الأمريكي الشاب -حتى من الجمهوريين- أصبح أقل تعاطفا بكثير معنا وأن الولايات المتحدة، ربما لأول مرة منذ تأسيس الدولة العبرية، باتت ترى تلك الدولة عبئا عليها.

وانتقد بينيت الحكومة الصهيونية الحالية بقوله إنها “لا تُقدِّر حجم الكارثة، وليس لدينا جهاز إعلامي، ولا توجد إجابات لمن يسألون”.

وأكد أن سياسات هذه الحكومة وتصريحات المنتمين إليها “مدمرة وستلاحق جنودنا في طوابير جوازات السفر حول العالم”.

وهي ذات الرؤية التي عبّر عنها رئيس وزراء صهيوني سابق آخر هو إيهود أولمرت الذي اعترف بأن دولة الاحتلال باتت دولة منبوذة -على حد تعبيره- بسبب سياسات الحكومة الحالية.

كما نقلت إذاعة جيش الاحتلال عن وزير الخارجية السابق شلومو بن عامي: “لم نشهد انهيارا لمكانتنا بين الأمم مثل اليوم”.

ويرى الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش عاموس يادلين، أن دولة الاحتلال “هذه الأيام أمام انهيار سياسي على ثلاثة مستويات: تبني الرواية الفلسطينية في العالم حول “عدالة القضية”، الاعتراف الدبلوماسي الواسع بالدولة الفلسطينية، مقاطعة وعزل “إسرائيل” والإسرائيليين حول العالم”.

وفي مقال في صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية بعنوان “حماس تنتصر في الحرب السياسية”، قال الكاتب أورن نهاري صراحة “نحن نعتمد على العالم في اقتصادنا؛ في الاستيراد والتصدير؛ ونعتمد عليه من أجل بقائنا من خلال تفوّقنا التكنولوجي والعلمي؛ ونعتمد عليه في السلاح الذي نشتريه، أو نحصل عليه من العالم، وليس فقط من الولايات المتحدة”.

وأضاف “المسألة هي أن الفلسطينيين ينتصرون في الحرب السياسية، و”حماس” تنتصر”.

لأنه في “كلّ يوم، تعلن دول جديدة اعترافها بالدولة الفلسطينية.. وهذا الأمر لا يُصدّق. الفشل الإسرائيلي لا يُصدّق. انتقلنا من وضع كان العالم بأسره يقف إلى جانبنا في 7 أكتوبر 2023، وأصبحنا الآن في وضع باتت فيه إسرائيل علامة سامة في العالم، في كل المجالات، من المجالات الأكاديمية، مرورا بالثقافة والترفيه، والاقتصاد، والدعم السياسي. لا يوجد أيّ مكان في العالم نتلقى فيه حاليا دعما للخطوات التي تقوم بها الحكومة، أو الجيش”.

ورغم تلقي دولة الاحتلال دعما من الولايات المتحدة؛ إلا أن الكاتب يحذر “في داخل  الحزب الجمهوري، يتراجع الدعم لإسرائيل، يوما بعد يوم، حرفيا؛ حتى إن اليمين المتطرف في أوروبا ليس معنا… نحن نخسر، يوما بعد يوم، ما تبقى من المؤيدين بين جيل الشباب في الغرب، وحتى بين الجيل الأكبر سنا”.

وعلى صفحات نفس الصحيفة، كتب الضابط السابق في جهاز استخبارات الاحتلال ميخائيل ميلشتاين، ما أسماه بـ”تسونامي” دولي.

وأوضح ميلشتاين “ما بدا في البداية كأنه قطرة صغيرة، تحوّل في الأسبوع الماضي إلى فيضان: أعلنت بريطانيا وكندا نيتهما الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر، وصدرت إشارات مماثلة عن دول أُخرى (بما فيها دول صديقة، وعلى رأسها ألمانيا). كذلك فرضت هولندا حظرا على دخول الوزيرين سموتريتش وبن غفير إلى أراضيها. الأخطر من ذلك، هو التلميحات الأوروبية بشأن تقليص التعاون في مجالات التجارة والبحث العلمي”.

وحذر الكاتب “قبل أن نسلك طريق روسيا في ظل حكم بوتين وصربيا في مرحلة حُكم ميلوشيفيش، أو جنوب أفريقيا خلال الفصل العنصري،  يجب أن تصحو الحكومة ورئيسها بسرعة، ورؤية الهاوية التي يتجه إليها البلد، والتهديد النابع بصورة كاملة من الطريقة التي تجري معالجة القضية الفلسطينية وِفقها”.

ما أسماه الضابط المشار إليه أعلاه بـ”تسونامي” سياسي تمثّل في استعداد أكثر من ١٤٧ دولة للاعتراف بدولة فلسطينية، يبدو أنه قد وصل إلى سواحل الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لدولة الاحتلال، حيث وقّع عدد من المشرعين الأمريكيين، دعوة للاعتراف بدولة فلسطينية، مؤكدين أن هذا الاعتراف سيلزم القادة باحترام القانون الدولي.

إن ما يسميه الساسة والكتاب الصهاينة بـ”انهيار” صورة دولة الاحتلال ليس في حقيقة الأمر سوى انكشاف لوجه الاحتلال القبيح.

إذ لم يعد من الممكن أن يتم إخفاء هذا الوجه تحت أقنعةٍ؛ حرص الصهاينة على استخدامها منذ تأسيس دولتهم عام ١٩٤٨، مثل كونها “الديمقراطية الوحيدة في المنطقة” وواحة لحقوق الإنسان…الخ.

حيث تتساقط هذه الاقنعة بشكل تلقائي مع ما يصدر من صور من قطاع غزة، ومع تصريحات إرهابيين سابقين ووزراء حاليين في حكومة الاحتلال من نوعية “محو غزة” أو “استخدام قنبلة نووية ضدها” أو وصف أهلها بأنهم “حيوانات بشرية”.

أسقطت غزة، المحاصرة والمجوّعة، كافة أقنعة الاحتلال المختلفة وحوَّلت دولته كما يعترف ساستها إلى “دولة منبوذة”.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى