أعتقد أن القسم الأخير من الديوان (نصوص)، يمثل ذروة الاشتغال الميتا شعري في ديوان “ألبومات آدم الثاني”، فهنا ينتقل التركيز من تاريخ الشعر ودور الشاعر إلى طبيعة النصوص الشعرية ذاتها؛ نستطيع القول: إن تشخيص النصوص، ومنحها طبائع بشرية، هو مقاربة مبتكرة وعميقة، وتستحق التوقف عندها؛ لتقييم مدى ريادتها وإسهامها في حقل المقاربات الميتا شعرية.
فكرة التعامل مع النصوص الشعرية، وكأنها كائنات حية؛ ذات ملامح وخصائص وسلوكيات بشرية، هي في حد ذاتها فكرة لافتة للنظر، فعندما تُجَسَّد الصفات المجردة للنصوص الشعرية في صورة طبائع بشرية؛ لا يعود النص الشعري مجرد مجموعة من الكلمات والجمل، بل يصير كيانا حيّا يتفاعل مع القارئ بطرق متنوعة، هذا التشخيص يفتح آفاقا جديدة لفهم العلاقة بين القارئ والنص، وبين النصوص الشعرية المختلفة.
بهذا الشكل نرى النصوص وهي تتجسد، ونرى كيف تخلق بشرا بصفات وطباع متمايزة، نص الجاذبية والإثارة مثلا؛ هو:
نصٌّ كانحناءاتِ جسدٍ فاتن
يتطلَّعُ إليك بصوتٍ هامس
برائحةٍ خفيفةٍ كرائحةِ “البَرْدَقُوْشْ”،
تقتربُ منه فيهتز كَرَوْدِ النبع
تحرِّكُ به لسانك فيشتعل برقَّةٍ كأنه شمعة.
أما نص الغموض والقلق؛ فهو:
نصٌّ كشفتين مواربتين
ينظر إليك بملامحِ طيرٍ جارح،
يمنحنك قلقا لم تجرِّبه من قبل
يجبرك على السير تحت سقوفه المنخفضة
كذلك نص التفاعل الحسي والروحي؛ هو:
نصٌّ يشبه ميدان “الزَّار”
تتعلم منه رقصاتٍ لم تختبرها من قبل
تعرف معنى أن تدور بك الأرض
تشعر بتغيُّر ملامح وجهك
تتبدَّل شرايينُك ودقاتُ قلبك
هذا السيل من التشبيهات الحية، يجعلنا نتعامل مع النصوص بطريقة حسية وعاطفية، نعيشها بدلا من تحليلها بشكل عقلاني.
إن تنوع الطبائع النصية يحوّل هذا القسم من الديوان إلى بانوراما واسعة من الطبائع والتجسدّات، وهو تنوع يبرز الثراء والتعددية الكامنة في عالم النصوص الشعرية.
ومن خلال تشخيص النصوص، يركّز الجيلاني على تأثيرها الفاعل على المتلقي، فإلى جانب تلك النوعية من النصوص التي تمنح القلق، وتجبر القارئ على السير تحت سقوفها المنخفضة، سنجد نصوصا تشفي القارئ؛ لكنها تستبدل مرضه بها بمرضه، وسنجد طبائع أخرى، تُشخّص بطريقة نافذة، فهذا:
نصٌّ يعاني أزمةَ انفجاراتٍ عصبية
يعيش وسواسا يشبه الدُّوار
بنزقٍ يَتَقَارَحُ في الصفحات
يتشنَّج بفظاظةٍ فيما هو يتدلى رخوا،
تنتهي منه مشحونا بفراغٍ متوتر
يشبه الأمر أن تتخلص من مذاقٍ تافهٍ يسكن أعماق حنجرتك
إن التركيز على ديناميكية التفاعل بين النص والقارئ، هو جانب مهم في الدراسات الحديثة لتلقي الأدب، وعندما نتعامل مع النصوص ككائنات حية، فإن عملية القراءة تصبح أشبه بالتفاعل مع شخص آخر، نحن نقترب، نصغي، نشعر بالانجذاب أو النفور، نتأثر ونُغيَّر، هذا الاستبطان للعملية القرائية من خلال منظور التشخيص، يضيف طبقة جديدة من الفهم للدراسات الميتا شعرية.
كذلك تجاوز المفاهيم التقليدية، فهو يعد جزءا من العملية الإبداعية، ولا يمكن أن نحسب لعمل إبداعي أي قدر من التجاوز، ما لم يكن فيه ملمح ابتكار واضح، وهذا ما لا يمكن إنكاره في هذا الديوان.
لقد ظلت الاشتغالات الميتا شعرية؛ سواء عبر النصوص الإبداعية، أو من خلال الدراسات الميتا شعرية، تركز في الغالب على العلاقة بين الشعر والواقع، أو على استبطان الشاعر لعملية الإبداع؛ لكن “ألبومات آدم الثاني” يذهب أبعد من ذلك، عبر تشخيص النصوص نفسها، وتحويلها إلى موضوع للتأمل الميتا شعري.
التعامل مع النصوص بوصفها طبائع بشرية، يقدم نموذجا جديدا للتحليل النقدي، فبدلا من التركيز فقط على البنية اللغوية أو الدلالية، يمكننا الآن التفكير في شخصية النص، ومزاجه، وتأثيره العاطفي والحسي، نستطيع وضع نصين في حالة تقابل؛ لنختبر من خلالهما مدى شعورنا بما نقول عنه: إنه شخصية النص ومزاجه، وتأثيره العاطفي والحسي:
الأول:
نصٌّ ينضح دفئا وسحرا
يصافحكَ كيَدٍ بشرية
نَفَسُهُ يختلط بأنفاسك
ينحني لك كأنه يُعبِّر عن العرفان بالجميل،
لكنك فجأة تشعر بشيء من الارتداد
ثمة طبقاتٌ معتمةٌ من الداخل
جِلدٌ سميكٌ لا تستطيع سلخه
في لحظةٍ ما ترتبك أمام إيماءاته
لا تستطيع التوهُّج معها بتفاهماتٍ من نوعٍ مّا،
نصٌّ مليءٌ بالأسرار
لكنه لا يدعك تزحف إليها.
الثاني:
نصٌّ يرتعش كقُبلةٍ عذراء
يشبه تنورةً قصيرةً من الرِّيش
تشعر وأنت تقرأه باهتزازِ مظلةٍ رقيقة
تريد أن تحمله بين ذراعيك وتستنشقَه،
إنه ملاكٌ على الورق
ملاكٌ بعينين حالمتين ورومانسيَّتَيْن
كل شيء فيه يبهج الحواس
يمنحك جمالا لا تملكه في العادة
يلاعبك كما يلاعب القمرُ البحر
يتواطأ لتكييفك كوسادةٍ مترفة
لا تنتهي منه أبدا،
يتحول إلى جزء منك
تعيش معه كأنك تعيش في داخلك.
إن هذا النوع من الاشتغال، يوسع مفهوم الميتا شعر؛ ليشمل ليس فقط الشعر الذي يتحدث عن الشعر، بل الشعر الذي يتحدث عن النصوص الشعرية بوصفها كيانات فاعلة ومؤثرة.
في ختام هذه المقاربة، لا بد من الإشادة بالتناغم العميق بين الألبومات الثلاثة؛ التي تنضوي في “ألبومات آدم الثاني”، فبعد استعراض دور الشعراء، وتاريخ الشعر، يصل بنا الديوان إلى مستوى أكثر احتداما وتأملا؛ في طبيعة النصوص الشعرية الفردية وتأثيرها، وهو بهذا يقدم إضافة ميتا شعرية نوعية ومبتكرة، ذلك أن تشخيص النصوص، ومنحها طبائع بشرية، يفتح آفاقا جديدة لفهم طبيعة الشعر وتأثيره، ويمثل خطوة رائدة في استكشاف العلاقة المعقدة بين النص والمتلقي، إنها دعوة للتفكير في النصوص الشعرية ليس فقط كمنتجات لغوية، بل بوصفها كيانات حية تتفاعل معنا، وتؤثر فينا، إلى جانب ذلك يمكننا القول: إن اختيار قصيدة النثر شكل شعري للديوان كله، قد خدم هذا التوجه الميتا شعري، فمرونة قصيدة النثر، وقدرتها على استيعاب الأفكار والتأملات النظرية، تجعلها وسيلة مناسبة للخوض في طبيعة الشعر ذاته.








