وأنا أضع قدمي خارج عتبة الدار، بعد عشرين سنة من مكوثي فيها، عازما على الذهاب إلى مركز المدينة، مشيا على الإقدام للمرة الأولى، بدت الأشياء من حولي جميلة زاهية, كأني أراها للمرة الاولى، حيث الشارع الهادئ النظيف, بينما ازدان الرصيف بالعشب الأخضر؛ كسجادة نظرة سميكة, وامتدت على جانبيه حدائق طرزتها الأزهار والرياحين، وكانت قطرات الندى تكسو أزهار التيولب (الخزامى) كأنها تتثأب بعد ليل طويل، وتذكرت صديقي الرومانسي وهو يتغنى برائعة عمر الخيام وأم كلثوم بولهٍ:
زاد الندى بالورد حتى غدا *** منحنيا من حمل قطر الندى
والكم قد جمع أوراقه فصار *** في زهر الربى سيـــــــــدا
ويقول لي: إن عمر الخيام كان عبقريا حيث قصد أنك كلما ابتعدت عن الحمقى، حميت نفسك من ضررهم.. كنا بعد أن ترهقنا الدراسة بالكلية، نبدأ رحلتنا من المستشفى، ونتجه إلى شارع نينوى مشيا على الإقدام؛ فنكتشف خفايا شوارع وأزقة الموصل، ونناقش كل معضلات العالم وإشكالاته الفلسفية، حتى نصل إلى شارع نينوى، وإلى المقهى الذي نرتاده.. ويكون الصعود إليه بدرج من زقاق ضيق، ويطل المقهى على شارع نينوى بصخبه واكتظاظ أرصفته بالمارة والمتبضعين، ولا أدري لماذا كنت أصر على الصعود إلى المقهى حسب المرتبة الشطرنجية، رغم أنني لم أكن الفائز دائما، وبينما كنا نتنافس من سيعلب أولا، كان صديقي قد اختار المقعد القريب من النافذة، وبدأ يتأمل الشارع غير مكترث بصخبنا، وتحتدم صراعاتنا على رقعة الشطرنج، ويبقى صديقي هائما بملكوته يتأمل الشارع، وكأنه غارق بحلم أو بعالم آخر يبعد مئات الأميال عنا وفجاءة، يترك النظر إلى الشارع، ويلتفت إلينا.
ويطلب المشاركة بلعب الشطرنج، استغربت لحال صديقي، وسألته عن السبب، فنفى أي سبب، ولكني ربطت سلوكه بحركة “باص” مصلحة نقل الركاب رقم 8 حيث كان موقفها مقابلنا، وفي المرة التالية لمحت فتاة تنتظر بالموقف، وما إن تأتي عربة المصلحة تختفي الفتاة، وعندما سألته من تكون؟ احمرَّ واخضرَّ وبدأ يتلعثم، وينكر أن تكون له علاقة بها، ولكن سلوكه استمر، ورغبتي بمن تكون؟ وما علاقته بها؟ ازدادت دون جدوى، فبدأت أمازحه بأغنية فيروز “ع موقف دارينا، لا عرفنا أساميهن لا عرفوا أسامينا” استمرت الأمور وازداد صديقي حلما ورومانسية، واضطرم شوقي لأسبر أغوار ذلك السر، وتخرجنا في الكلية، فتلقيت منه بطاقة تهنئة، اختتمها بتمنياته لي بالتوفيق والنجاح، وأن يطغي صرير القلم على أزيز الرصاص وقرقعة المدافع، ويزهر الأمل ويعم السلام في ربوع وطننا الحبيب والعالم، ومرت الأيام واستغرقنا الواقع ودوامة الحياة. وبدأت الحرب.. وسمعت أنه استدعيِّ لخدمة الاحتياط، وفي يوم من أيام الخريف كنت أجلس ساهما، والريح تعبث بأوراق الشجر وتعزف أوتار اللحظة فتنذر بمزاج متقلب، وإذا بالهاتف يرن، وصوت صديقي يقول لي أنه في إجازة، وسألني إن كنت أود رؤيته، فقلت له بشوق: نعم. وعندما التقينا كان يبدو متعبا ومهموما، فبدأت أمازحه واقترحت أن نذهب إلى المقهى المعهود، ونتأمل شارع نينوى، ولكنه رفض بفتور، وقال إنه يود أن يقضي كل لقائنا نتجول بشوارع وأزقة الموصل التي افتقدها، ويود أن يقضي كل وقته فيها قبل أن تنتهي إجازته؛ فتجولنا بأزقة الخاتونية، وحضيرة السادة، والمكاوي، وباب النبي، وخزرج، وباب الجديد، وكان مطرقا وساهما معظم الوقت، وعندما بدأت أمازحه وأذكّره برومانسيته أيام زمان، كان يقول لي بحزن:
يا صديقي، الحرب ليست نزهة، كم أحزن على هؤلاء الأطفال الإيرانيين، وهم يزجُّون بهذه الحرب الضروس، وتقدر أن تتصور ألمي على شهدائنا وجرحانا.. لم أدر ما أقول له وكيف أخفف عنه، كان لقاؤنا شجيا، مفعما بالهم والأسى، وعندما افترقنا أحسست أنه قد تغيير إلى الأبد.
وفي طريقي إلى البيت تأسفت على أيام الكلية، وكيف انقضت بسرعة، واترعتنا الهموم.
بعدها بأيام قليلة، كانت معركة الشلامجة، ولم أسمع عنه بعدها، وكم سألت عنه! ولم أعرف ماذا حلَّ به، البعض قال إنه أسر، والبعض قال إنه ضمن قائمة المفقودين، والبعض قال إنه أسر وطلب من الصليب الأحمر أن يختاروا له دولة تقبله لاجئا، وبقيت أنا أتذكره كلما سمعت فيروز، أو رأيت الندى، وهو يثقل الأزهار ويجعلها تنحني خفرا وجمالا، وأدعو الله أن يجعل أيامه مليئة بالحب والرومانسية والجمال والسلام كما كان يرجوها.







