رؤى

“بيت العنكبوت”.. النسيج يزداد تمزقا

أغلب الظن أنه لو كان للسيد الشهيد حسن نصر الله، الأمين العام السابق للمقاومة اللبنانية لا يزال بيننا، لرأى بعينيه مدى صدق مقولته عن الكيان الصهيوني، حين وصفه في خطاب له بأنه “أوهن من بيت العنكبوت”.

فهذا الكيان الاستعماري، الذي جرت العادة فيه على امتداد تاريخه منذ ٧٥ عاما، على توحد مستوطنيه في أوقات الحروب ضد عدو ما- قد قسمته حرب غزة وزادته تفرقا.

فحديث الحكومة الصهيونية الحالية المتكرر، عن نيتها إعادة احتلال قطاع غزة، لم يفت في عضد المقاومة التي أكدت عبر بيانات مختلفة لفصائلها المسلحة، أنها لا تخشى تهديدات الاحتلال؛ بل تتوق لمواجهته في حال فكر في الإقدام على خطوة لتلك.

لكن هذا الحديث -وللمفارقة- قد أحدث انقساما واسعا في الشارع الصهيوني، ولم تعد معارضة توسيع المعركة مقتصرة فقط على أهالي الأسرى الصهاينة، الذين تحتفظ بهم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة؛ بل امتد إلى أهالي الجنود الصهاينة الذين يشاركون في المعركة هناك.

حيث أصدر عدد من أمهات جنود الاحتلال بيانا دعون فيه إلى التظاهر ضد توسيع المعركة، وجاء في بيانهم: “لا يحق لنا البقاء بمنازلنا بعد إعلان رئيس الأركان أن حرب غزة تعرض أبناءنا للخطر”.

وانضم إلى الرافضين لهذه الخطوة، العسكريون السابقون في جيش الاحتلال مثل اللواء احتياط نمرود شيفر، الذي صرّح لإذاعة جيش الاحتلال: “لا فائدة من هذه الحرب؛ بل هناك ضرر فقط، لقد نشرنا قوة عسكرية غير مسبوقة بغزة لمدة عامين، وإذا كنا لم ننجح حتى الآن فماذا ستفيد عملية عسكرية أخرى؟”.

كما نقلت قناة كان العبرية عن عشرات الجنود الاحتياط قولهم، إنهم يعارضون استمرار المعركة في قطاع غزة لأن “استمرار الحرب يكلفنا أثمانا باهظة في الجسد والروح.. إنه يرهقنا ويرهق عائلاتنا، ويعزلنا في العالم”.

ووصل رفض المعركة الجديدة التي تعتزم حكومة الاحتلال شنها في غزة إلى سلاح النخبة في جيش الاحتلال: سلاح الطيران حيث شهد يوم الثلاثاء ١٢ اغسطس ٢٠٢٥، وقفة احتجاجية لمنتسبي سلاح الجو الصهيوني من الاحتياط أمام مقر وزارة الدفاع للمطالبة بإبرام صفقة تبادل تنهي المعركة.

كما أن الشك في قدرة جيش الاحتلال على تحقيق أهداف المعركة بدأ يتسرب -ولو بشكل تدريجي- إلى المؤسسة العسكرية الصهيونية.

حيث نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصادر في جيش الاحتلال قولهم إن هناك “تساؤلات دارت في اجتماعات بين قادة الجيش ومسئولين غربيين بشأن عدم قدرة الجيش على هزيمة المقاومة الفلسطينية”.

وأضافت الصحيفة نقلا عن هذه المصادر أن “المؤسسة العسكرية تخشى من فشل عملية احتلال مدينة غزة حتى قبل أن تبدأ”.

ولعل من أبرز أسباب تشكك المؤسسة العسكرية الصهيونية في قدرة الجيش على النجاح في معركة جديدة في قطاع غزة هو العمل البشري.

حيث أفادت قناة كان العبرية بوجود تقديرات في جيش الاحتلال بوجود نقص في عدد الجنود مقارنة بالأعداد المطلوبة لشن حملة جديدة في القطاع.

وتشير هذه التقديرات إلى وجود نقص بنحو 10 آلاف جندي ناهيك عن نقص في قطع غيار بعض الآليات العسكرية بسبب مقاطعة شركات أجنبية لدولة الاحتلال.

ولعل إدراك الجيش التام للنقص المشار إليه أعلاه هو ما دفع رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، لأن يصرح مؤخرا: “علينا أن نتيح فترة تنفس لجنود الجيش في الخدمة النظامية والاحتياط، وأن نُنشئ فترات توقف تسمح بمواصلة المناورة في قطاع غزة بأكثر الطرق فعالية وكفاءة، إلى جانب الحفاظ على القوة للمستقبل”.

وعلى صفحات جريدة “يسرائيل هيوم” كتب يوآف ليمور محذرا “احتلال غزة لن يُدْخِلَ المخطوفين والمقاتلين فقط في “فخ الموت”، بل أيضا الدولةَ بأكملها”.

وأضاف: “أشار كبار المسئولين في المنظومة الأمنية في نهاية الأسبوع إلى الخبرة التاريخية المتراكمة للأميركيين في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، وللروس في أفغانستان وأوكرانيا، وحتى للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان”.

حيث “لم تنجح أي دولة في القيام بما يدّعي الكابينيت أنه سينفذه الآن، وخصوصا أن وراءنا فعلا عامَين من الحرب التي أنهكت الجيش، بينما المجتمع منقسم، والشرعية الدولية في أدنى مستوياتها على الإطلاق”.

إن تهديد الحكومة الصهيونية بإعادة احتلال قطاع غزة والذي خفف لاحقا إلى “إعادة السيطرة” والذي أرادت هذه الحكومة أن تستخدمه أداة للضغط على المقاومة الفلسطينية للعودة إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات في تلك المفاوضات، أدى الى نتيجة مغايرة تماما.

حيث كشفت هذه التهديدات عن مدى عمق الانقسام الذي أحدثته معركة “طوفان الأقصى” في داخل المجتمع الصهيوني ومدى هشاشة هذا المجتمع من الداخل الذي أثبت مرة تلو مرة أنه وبحق “أوهن من بيت العنكبوت”.

زر الذهاب إلى الأعلى