ثقافة

صنع الله ابراهيم.. رحيل مثقف حمل هَمَّ أمة

بخطى ثابتة وواثقة.. توجَّه الأديب المصري المخضرم إلى المنصة، في ذلك اليوم من شهر أكتوبر عام ٢٠٠٣، لتسلُّم جائزة “ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي”.

ألقى الأديب كلمة فاجأت الجميع وبدت غير متوقعة، إذ خلت من الشكر -كما جرت العادة- للجهة المنظمة وبدلا من ذلك ذكَّر الأديب الحضورَ بواقع الأمة.

وقال في كلمته: “في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا، تجتاح القوات الإسرائيلية، ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتقتل النساء الحوامل والأطفال، وتشرِّد الآلاف وتنفذ بدقة منهجية واضحة، إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة، وعلى بعد خطوات أخرى، يحتل السفير الأميركي حيا بأكمله، بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيا”.

ثم ألقى الأديب قنبلته التي فاجأت الجميع، حيث رفض تسلُّم الجائزة المخصصة له، معتبرا أن الحكومة التي تمنح الجائزة “لا تملك مصداقية منحها”.

وأضاف: “أعلن اعتذاري عن عدم قبول (الجائزة) لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء (في مصر) في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب”.

كان هذا الأديب هو الكاتب المصري صنع الله ابراهيم، الذي أثرى الحياة الثقافية في مصر، منذ الستينات بإبداعاته الأدبية، التي تنوّعت ما بين الرواية والقصة والدراسة، مبتكرا أساليب جديدة في الكتابة، حازت إعجاب الجمهور والنقاد على حد سواء.

من عرف صنع الله إبراهيم، لم يستغرب موقفه المشار إليه أعلاه، إذ كان الراحل ينتمي إلى تلك الفئة المحدودة من الكتاب والمثقفين الذي يتمسكون بمواقفهم كالقابض على الجمر.

وفي سبيل مواقفه تلك، وفي مقدمتها الإيمان العميق بالفكر الاشتراكي٬ دفع صنع الله ثمن مبادئه، مرة تلو أخرى، على مدار سنوات مسيرته الأدبية، حيث خاض تجربة الاعتقال في الستينات، بسبب انتماءاته السياسية، وذاق مرارة البعد عن الوطن في السبعينات، وظل لسنوات رمزا من رموز الحركة المطالبة بالتغيير في عهد مبارك، وصولا إلى انتفاضة ٢٥ يناير ٢٠١١، التي أسقطت حكم هذا الأخير.

ولا يمكن للقارئ أو الناقد أن يفصل ابداعات صنع الله الأدبية عن مواقفه السياسية، فروايته “اللجنة” مثلا التي أبدعها في بداية الثمانينات، كانت أشبه بصيحة تحذير مبكرة من زمن العولمة القادم، زمن تحدد فيه “اللجنة” التي تمثل الشركات الكبرى المتنفذة، للفرد في بلدان العالم الثالث، ماذا يفعل ومتى بل وكيف يفكر؟

وفي روايته “بيروت بيروت” رصد صنع الله الحرب الأهلية الدامية في لبنان، بوصفها انعكاسا لعالم عربي ممزق، ولم يكن لبنان سوى ساحة انفجرت فيها كافة خلافاته.

وهو ما يقود الى روايته “وردة” التي روى من خلالها قصة تنظيم “القوميين العرب” منذ انطلاقته أوائل الخمسينات وحتى السبعينات من القرن الماضي وكيف أثرت في أكثر من قطر عربي.

أما رواية “ذات” التي تحولت الى مسلسل تلفزيوني، فهي أشبه بقصيدة هجاء للسياسات الاقتصادية المتبعة في مصر منذ السبعينات، حيث تبرز تأثيرها على أسرة مصرية تنتمي إلى الطبقة الوسطى.

ومن خلال روايات مثل “أمريكانلي” و”القانون الفرنسي” يربط صنع الله إبراهيم بين ما تعانيه الشعوب؛ حتى تلك التي تعيش في بلدان مصنفة ضمن “العالم الأول” كالولايات المتحدة وفرنسا، حيث يبرز تناقضات المجتمعات ذات النظام الاقتصادي الرأسمالي، مثل العنصرية العرقية والاجتماعية على حد سواء.

وفي مجال الدراسة، قدّم صنع الله دراسة قيمة في الستينات بعد نهاية فترة اعتقاله حول ما أسماه “إنسان السد العالي” مؤكدا أن ذلك المشروع التنموي الضخم قد أفرز إنسانا جديدا من خلال تجربة المشاركة في بناء صرح تنموي (السد العالي).

رحل صنع الله ابراهيم في وقت لا تختلف فيه الظروف كثيرا عن تلك التي ذكرها في خطابه الشهير الذي رفض فيه تسلُّم الجائزة، وفي توقيت تحتاج فيه الأمة التي انتمى إليها ودافع عنها إلى مثقفين من أمثاله، يقرنون الفعل بالقول والكتابة بالموقف الثابت.

 

زر الذهاب إلى الأعلى