في السادس والعشرين من يوليو المنقضي، مات زياد الرحباني، وقبل يومين توفي صنع الله إبراهيم.. كلا النموذجين كان مثالا للمثقف العضوي والفنان الملتزم بقضايا أمته.. رحيل المبدعَين أثار شجونا عديدة لدي الكثيرين.. ليس لتفردهما إبداعيا فحسب، فلا شك أن الوطن يستطيع تعويض ذلك أو شيئا منه، لكن ما تشكك البعض في إمكانية تعويضه -لأسباب كثيرة- هو الصورة التي رسمها كلاهما عن دور المثقف المبدئي الذي لا يساوم ولا يهادن السلطة، ولا يتخذ من المواقف إلا ما يمليه عليه ضميره.. أهم أسباب التشكك في القدرة على إعادة إنتاج مثل هذين النموذجين، تنبع من انتفاء البيئة والحالة المناسبة لظهور أمثال زياد الرحباني وصنع الله إبراهيم.. فهما نموذجان ينتميان لزمن ولّى وانتهى بكل جماله وحميميته وصدقه.
يعود مصطلح المثقف العضوي للفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي، في الربع الأول من القرن العشرين، ويعرّفه جرامشي بأنه “ذلك العنصر المفكر والمنظم في طبقة اجتماعية أساسية معينة. ولا يتميز هؤلاء المثقفون بمهنهم، التي قد تكون أية وظيفة تتميز بها الطبقة التي ينتمون إليها، بقدر ما يتميزون بوظيفتهم في توجيه أفكار وتطلعات الطبقة التي ينتمون إليها عضويا”.

بالتأكيد أضافت الممارسة العملية لهذا التعريف الكثير والكثير، كما دققت ألفاظه ومعانيه، فالطبقة هنا ليست أي طبقة، إنها الطبقة المحرومة من حقوقها، والتي تتطلع لنيلها وتسعي إلى ذلك وتقدم التضحيات في سبيله.. وربما يكون أهم ما يجب الإشارة إليه في التمييز بين المثقف العضوي والمثقف التقليدي -إذا جاز أن نطلق عليه لقب مثقف- هو أن المثقف العضوي ليس صاحب مشروع فردي، فهو لا يطمح لتحقيق نجاح شخصي، فإن تحقق فبشروط معينة صارمة، تهدف إلى التنوير التربوي للطبقة، والتماس التام مع قضاياها، ثم إنه يوجه آثار هذا النجاح لخدمة الفكرة العامة وتأصيلها والانتصار لها.
يعي المثقف العضوي جيدا خطورة الاقتراب من السلطة والتماهي معها، بينما يسعى الآخر -ولنسمِّه المثقف الزائف- إلى الاقتراب من السلطة، وتسخير طاقاته في خدمتها، اتقاءً لشرها وللتمتع بالمزايا التي توفرها لذلك النوع من الكائنات المدجّنة.
يسعى المثقف العضوي دائما للتأثير العميق في أفراد مجتمعه، إنه لا يعمد إلى التأثير اللحظي، أو إثارة الإعجاب أو أي مكاسب شخصية.. لذلك فهو عدو لكل ما هو سطحي وزائف وغير أصيل في هذا المجتمع.. فشروط وجود المثقف العضوي وطبيعة دوره، تجعله مضادا لكل هذه النماذج التافهة.
ومع انفجار ثورة المعلومات في القرن الحادي والعشرين، وظهور المؤثرين الرقميين الذين يمتلكون قدرة هائلة على الوصول السريع إلى الجمهور، لكنهم -غالبا- يعتمدون على المحتوى الخفيف، المثير، أو الشخصي، بدلا من الخطابات الفكرية المعمّقة – أصبحت السلطة المعرفية التي اكتسبها المثقف العضوي بتراكم الخبرات والقراءة المعمقة والبحث العلمي والتضحيات الكبيرة؛ سلطة في متناول السفهاء بأدوات التفاعل الفوري، وحسب الاستغلال الأمثل لخوارزميات الانتشار والمشاهدات؛ ليتحوّل مركز الثقل من العمق الفكري إلى التأثير اللحظي القائم على الصورة، والمقاطع القصيرة، وتدفق المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

سلطة معرفية مشاعة، يستطيع أيا من كان امتلاكها؛ لأنها باتت تتشكل وفق معايير الانتشار والتفاعل والقدرة على صياغة خطاب مبسّط يسهل التقاطه.
وبينما يراهن المثقف العضوي على حضور الوعي الجمعي لدى مواطنيه- يستثمر غالبية المؤثرين الرقميين في غياب ذلك الوعي الجماهيري؛ لافتقارهم إلى التخصص والعمق، واعتمادهم على التأثير اللحظي المتغير دوما بتسارع تدفق المواد الرقمية.. بينما يواجه المثقف العضوي الذي يقدم محتوى ذي قيمة -على مواقع التواصل- مشكلة غياب التفاعل الجماهيري الذي يصيبه بالإحباط.. فلا مجال هنا لمعايير الفكر والنقد المتعارف عليها؛ بل إن معايير مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها موقع فيس بوك، تكاد تتجاهل عن عمد المحتوى الهادف، وتحتفي بكل ما هو تافه وساذج.
تؤكد معطيات الواقع الذي تعيشه أن المثقف العضوي الذي أصّل له جرامشي معرفيا- لم يصبح موجودا تقريبا.. وما تبقى منه مجرد بعض نماذج هنا وهناك، نلتفت إليها فقط ساعة الفقد النهائي.. وظروف وملابسات ظهوره مجددا بات أمرا بالغ الصعوبة.. فهل أصبح المثقف العضوي في ذمة التاريخ؟








