رؤى

زال السحر عن الساحر.. والمسحور!

بعد هزيمة 1967، تنادت أصوات سياسية وثقافية، أن أحد أسباب الهزيمة، أننا لم نعرف (العدو) بالقدر الكافي! واستعدادا لـ (إزالة آثار العدوان) كانت النصائح قوية بوجوب التعرف على هذا العدو، وانتشر شعار (اعرف عدوك).

وأنشئت وحدة مستقلة بالأهرام لدراسة (الفكر الصهيوني)، أشرف عليها الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- بعد عودته من أمريكا 1969، وقدمه الدكتور أسامه الباز (صديق الغٌربة) أثناء رحلة الدكتوراه، للأستاذ هيكل.

بعد أن عاد الصديقان إلى مصر، كان كل منهما يعرف الطريق جيدا ومبكرا، إلى غايته.. المسيري كان ينظر إلى الوجود الكلى للإنسان في الطبيعة، وعلاقته بها، مخلوقا مٌكلّفا من الخالق سبحانه.

وسيبدأ رحلته من هاته المحطة، والتي ستأخذه وتأخذنا، إلى دنيا ليست كالدنيا.. وأفكار ليست كالأفكار.

أسامة الباز كان ينظر إلى الدولة والسلطة، في إطار صلب، ويرى نفسه في قلب هذا الإطار، وطبيعي أن تكون له صلات معلنة، وغير معلنه مع الأستاذ هيكل -رحمه الله- أقوى مراكز القرار في الدولة وقتها (آخر الستينيات).

الدكتور عبد الوهاب المسيري أخذته أفكاره التي ستتمدد كثيرا، إلى النظر العميق في الحضارة الغربية، فوجد نفسه محمولا إلى (أثقل الألآم) في قلب الشرق، حيث (الداء العياء).. (الدولة الصهيونية).

وبالفعل أصدر باكورة اهتمامه بهذا الوضع الخطير في عمقه العميق: (الفكر الصهيوني). في كتاب بعنوان (نهاية التاريخ/ مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني).. والذي سيهتم به الأستاذ هيكل.

الجملة ستشتهر عالميا بعد 20 سنة (1992) على لسان المفكر الأمريكي/ الياباني ف. فوكوياما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في كتاب طريف!! عنوانه (نهاية التاريخ/الإنسان الأخير) الذي قال فيه أن الحضارة الإنسانية وصلت إلى منتهاها، في صورتها الغربية الليبرالية!

وستبدو (الخيبة الكبيرة) التي يتمتع بها فوكوياما الأن، (المعادل الموضوعي) للخيبة الأكبر التي يتمتع بها (نتنياهو) الأن، وهو يحضر لغزو واحتلال غزة، وسنعرف كيف.

كانت غايات ومرامي الدكتور عبد الوهاب من (الموضوع)، أبعد كثيرا من أهداف الأستاذ هيكل، الذى كان مشغولا بالتفاصيل السياسية والإعداد للحرب..

لكن المسيري سيستفيد كثيرا من قصة شعار (اعرف عدوك).. لينفذ منه إلى مراده الكبير، وهو الحديث الموسوعي الشامل الكامل عن (اليهود واليهودية والصهيونية).

اليهود باعتبار أنهم سيمثلون (النموذج الإنساني) الذي جعله القرآن عبرة كاملة الاعتبارات، للتمرد و”النمردة” والإنكار والعصيان واللجاجة والدجل والتزييف والاستكبار والخداع والألاعيب.

لكنهم في النهاية (ليسوا سواء).. كما أخبرنا القرآن العظيم، وسنرى من بعضهم، مواقف كريمة، قديما وحديثا.

بل إن (طوفان الأقصى) سيبدى لنا منهم، ما كان خافيا من تلك المواقف.

كثيرة هي دفقات التاريخ والمستقبل، من عطايا هذا (الحدث الأعظم) في تاريخنا الحديث.

وتقبل الله القادة من الشهداء، الذين كانوا على نور وبصيرة، وهم يخطون بأمتهم تلك الخطوة الواسعة للأمام.. وغفر الله لمن (تجرَّأ) عليهم ووصفهم، بأنهم أخذوا قرارا منفردا!

ندعو له فعلا بالمغفرة، ليس فقط على هذا الموقف الأخير، بل على أغلب مواقفه، التي يٌشرك فيها (نجوميته) و(مكانته) بالله العلى الأعلى.. تعالى الله عما يشركون.

وهذا لون من ألوان (الشرك) رأيناه مؤخرا عند البعض، حظ (النفس) أهم كثيرا لديهم، من (حظ الدين).

وسنجد خلف أحاديثهم عن السياسة والإصلاح والوطن والشعب والتاريخ والأمة.. (مطالب) أخرى تماما.. تتعلق بأمورهم الشخصية البحتة.

صحيح أن (ذات الإنسان هي شغله الشاغل) لكن القاعدة الإنسانية الصحيحة، ذكرها لنا القرآن في معادلة: (وابتغ فيما أتاك الله الدار الأخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا). وهي قاعدة منصفة للغاية، في تلك الدنيا ذات الهلاك والفناء. ولعلها أحد الدروس الكبرى أيضا، بل والأهم، والتي جاءنا بها (طوفان الأقصى).

فرأينا أبطالا عظماء، وشعبا أبيا صبورا، وقد انصهر الجميع، في وعاء الإخلاص والتجرد والصبر وصدق التوكل على الملك الخلاق العليم. ذلك أن (رب البيت) كان بخلاص الإخلاص قائما.. وبمصداق الصادقين ملهما.

وضمن سلسال الأخطاء (المُسخّرة).. صوّره أعداؤه، في أروع الأوقات له، ولنا، وللتاريخ الإنساني كله.

لم يكتفوا بذلك، بل وأصدروا تقريرا طبيا عن (خلو أمعائه) من الطعام من ثلاثة أيام، وكأنهم يقولون لنا ولأهل غزة: هذا (قائدكم وقدوتكم) الذي لم يغرر بكم. فاتبعوه وأكملوا.

حياة الثرى بعض ماء ** وتحيا القلوب ببعض البشر.. يا عم يحيى.

أي أيام من (أيام الله) تلك التي يعيشها الشرق في هذه الحقبة من الزمن؟

أيام .. من أراد الجمع فيها بين الحق والباطل، لم يجتمعا له، وكان الباطل به أولى.

وسواء كانوا يعلمون، أو لا يعلمون عن (الذرة) ومثقالها، التي هي إن خيرا فـ (خير)، وإن شرا فـ (شر)، فذلك أمر محسوم.

وإن لم يكن دين، هو في أخلاق التاريخ عظيم، ليس هذا فقط، بل هو كتاب وميزان وقسط، كما أخبرنا القرآن..

وعودة للعلاّمة، فبعد حديثه رحمه الله، عن اليهود والدين اليهودي.. سيحدثنا عن (الصهيونية)، والتي كانت شغله الشاغل، باعتبار تجسدها في أشرس (كيان) مغروز في جوانبنا.

وأذكر انه قال جملة مفتاحية بهذا الصدد: (الدولة الصهيونية باقية، بمقدار ما تقدمه من خدمة للغرب) إن استمرت الخدمة استمرت الدولة الصهيونية.. انتفت الخدمات انتفت الدولة الصهيونية.

ونحن بالفعل ذاهبون إلى هذه (الحقيقة) خلال السنوات القادمة، فقد زال السحر عن الساحر تماما.. لقد أصبح (مجردا عاريا) من كل أكاذيبه الطوال العراض، التي عاش عليها هو، و(مشغلوه) ردحا طويلا طويلا من الزمن. كل الأكاذيب بلا استثناء. حالة غريبة من حالات التعري والفضح الفضوح، لم يعرفها التاريخ من قبل.

والفضيحة حين تلح في طلب المفضوح، فإنها تنزع عنه جلده ولحمه، لا ملابسه فقط.. وهو ما نراه الأن، لا ردع، ولا حسم، ولا إنذار مبكر، و(هوهوه) في سوريا ولبنان، تزيده فضحا على فضح.

والصورة التي تمثلها (غزة) تملأ وجه العالم، أمام هذه الصعلكة المفبركة.

العالم كله بلا استثناء (يتفرج) الأن عليه، على عجزه العسكري والأمني، وكلما (برز) له عجزه، كلما أمعن في التقتيل والتجويع.. والمثير أنه وهو في الدرك الأسفل من إحباطاته، يريد أن يحتل غزه بالقوة الغاشمة!

ورئيس أركان الجيش يكاد يصرخ، مما يراه رأى العين، لقواته التي ستدخل تسير في الطرقات كـ (العميان) في جبال الإنديز

على رأى الروائي البريطاني (جورج ويلز) صاحب رواية (آلة الزمن) الشهيرة.. سيكونون أهدافا بالغة السهولة للمقاومة التي تجهزت له ولهم، بحول الله وقوته.

دعونا نختم بجملة قالها أحد أكبر أبطال (الملحمة) من يومها الأول: إنه البطل أحمد عبد العزيز الذي استقال من الجيش المصرى برتبة قائمقام (عقيد) سنة 1948، ليجمع حوله الفدائيين والمتطوعين من أبطال الأمة.. وذهب إلى ربه شهيدا: “أيها المتطوعون، إن حربا هذه أهدافها لهي الحرب المقدسة، وهي الجهاد الصحيح الذي يفتح أمامنا الجنة، ويضع على هاماتنا، أكاليل المجد والشرف. فلنقاتل العدو بعزيمة المجاهدين، ولنخش غضب الله، وحكم التاريخ، إذا نحن قصرنا في أمانة هذا الجهاد العظيم. نحن نحارب لحماية بلادنا، وأولادنا، وأحفادنا، وأعراضنا، وآمالنا في المستقبل، من خطر الصهيونية، الذي لا يضاهيه خطر في الشرق”.

زر الذهاب إلى الأعلى