في تصريح يوضح -بل يؤكد- جوهر المشروع الصهيوني، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ارتباطه العميق برؤية “إسرائيل الكبرى” مُحددا بذلك ملامح العقيدة التوسعية الممتدة، منذ نشأة الحركة الصهيونية، تلك التي تتجاوز حدود “الدولة” المتواجدة حاليا، على الأرض العربية في فلسطين، لتصل إلى ضم أراضٍ من دول عربية مجاورة.
وقد أثار تصريح نتنياهو بهذاالشأن عاصفة سياسية وإعلامية، على المستويين الإقليمي والدولي، لما يحمله هذا التصريح من دلالات خطيرة تتجاوز حدود الخطاب السياسي العابر إلى التعبير عن رؤية أيديولوجية راسخة في العقل السياسي الصهيوني، منذ نشأة المشروع الاستيطاني في فلسطين.
الإشكالية هنا، تخص ردود الأفعال العربية، سواء الرسمية أم غير الرسمية؛ تلك التي توضح أن “العرب” -في نسبة كبيرة منهم على الأقل- ترسخت لديهم فكرة “إمكانية التعايش مع إسرائيل”، بل وتطبيع العلاقات معها؛ دون خطر على وجودهم في سدة الحكم والسلطة، في كثير من الدول العربية.
طموح توسعي
إن مفهوم “إسرائيل الكبرى” لم يكن يوما شعارا فارغا، بل تعبير عن طموح توسعي يسعى إلى إعادة رسم الخرائط الجغرافية والسياسية في المنطقة العربية، بالاستناد إلى قراءات دينية وتأويلات سياسية للنصوص التوراتية؛ هذا فضلا عن توظيف الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط لصالح المشروع الصهيوني. من هنا، فإن تصريح رئيس الوزراء لم يكن مجرد زلةَ لسانٍ أو خطابا موجّها للاستهلاك الداخلي، وإنما خطوة محسوبة بعناية، تستند إلى قراءات إسرائيلية للواقع العربي الراهن، الممزق بين حروب أهلية، وانقسامات سياسية، وتحديات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة.
ردود الأفعال العربية على هذا التصريح كشفت -من جهة أخرى-عن حالة من التباين والتناقض بين الدول والقوى السياسية العربية؛ فبينما سارعت بعض الحكومات العربية إلى إصدار بيانات تنديدية تؤكد رفضها القاطع لأي محاولة إسرائيلية لتغيير حدود المنطقة أو فرض واقع جديد بالقوة، جاء رد فعل أطراف أخرى أكثر تحفظا أو حتى صمتا، بما يعكس أولويات مختلفة أو حسابات مرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة والغرب، وكذلك بالتوازنات الداخلية. أما على مستوى القوى الشعبية والفصائلية، فقد جاء الرفض أكثر وضوحا وحدة، إذ أعاد التصريح إلى الأذهان فكرة أن إسرائيل ما تزال ترى في محيطها العربي فضاءً مفتوحا لمشروعها التوسعي، وأن الحديث عن السلام أو التطبيع لا يلغي الأهداف الجوهرية للحركة الصهيونية.
على المستوى التحليلي، يكشف التصريح وما تبعه من ردود أفعال عن جملة من الحقائق: أولها، أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي، في ظل الحكومات اليمينية المتعاقبة، لم يعد يخشى الإعلان عن طموحات توسعية، كانت تُطرح سابقا في دوائر مغلقة أو في صياغات غامضة.. وثانيها، أن العالم العربي، برغم ما يمتلكه من قدرات بشرية وجغرافية واقتصادية هائلة، ما يزال عاجزا عن صياغة موقف موحد وقادر على الردع تجاه السياسات الإسرائيلية.. وثالثها، أن إسرائيل توظف لحظات الانقسام والضعف العربي لتثبيت معادلات جديدة على الأرض، سواء عبر الاستيطان، أو عبر تكريس سياسات الأمر الواقع، أو عبر إعادة إنتاج خطابها التوسعي بأدوات حديثة.
إن خطورة تصريح “إسرائيل الكبرى” تكمن في أنه يضع المنطقة أمام احتمالين متناقضين” إما الاستسلام لفكرة أن إسرائيل قادرة على فرض رؤيتها الجغرافية والسياسية على محيطها، وإما أن يشكّل هذا التصريح صدمة وجرس إنذار يعيد للعرب وعيهم بوحدة التهديد، وضرورة تجاوز الانقسامات الداخلية لمواجهة مشروع استراتيجي مشترك. وبين هذين الاحتمالين، يظل السؤال الأهم: هل تملك الأنظمة العربية، ومعها الشعوب، القدرة على تحويل هذا التحدي إلى فرصة لإعادة بناء مشروع عربي جامع، أم أن التصريح سيضاف إلى سلسلة طويلة من المقولات الإسرائيلية التي مرت دون أثر حقيقي في السلوك العربي؟
كيان ودور
في كتابه “سلام عابر ـ 1993″، يقول جوزيف سماحة بأن: “إسرائيل كيان ودور؛ قد يكون التعايش مع الكيان صعبا بعض الشيء، إلا أنه ممكن.. أما التعايش مع الدور فهو مستحيل، لأنه بالضبط دور عدواني لا يهدف إلى التوسع الجغرافي فحسب، بل أساسا إلى تجبير المحيط العربي لصالح قوى أجنبية وتركه مستباحا أمامها. لا مجال -مع هذا الدور- للحديث عن مستقبل عربي يدير وجهة له، لأن طبيعة الدور تقضي بعدم السماح بإدارة الظهر وتتدخل ليس للمشاركة في صياغة هذا المستقبل، بل لتحديد وجهته ومضمونه على قاعدة إخضاعه لقوى أخرى ولنفوذها وطموحاتها”.
لا شك أن في هذا التقرير بعضا من الحقيقة. إنه ذلك “البعض” الذي يدل عليه أن الاستراتيجية “الإسرائيلية” قد تبدأ بفلسطين ولكنها لا تنتهي بها؛ إن ضرب حركة المد القومي الوحدوي في العام 1967، وتدمير المفاعل النووي العراقي في عام 1981، واجتياح لبنان في عام 1982، وتهديد منابع النفط، وغيرها… وصولا إلى تدمير الجيش السوري، والاعتداءات المستمرة على الجنوب اللبناني، إضافة إلى كل الأحداث الأخيرة منذ 7 أكتوبر 2023، لا يمكن أن يقنعنا أن الهدف الصهيوني الأصيل هو الاستيلاء على أرض فلسطين وكفى، ذلك خطأ بِّين لا يمكن أن نقع فيه.
إن إعاقة تطور الشعب العربي نحو النهوض، هو الهدف والمصدر الأساسي للاستراتيجية “الإسرائيلية” التي تعتمد، ضمن ما تعتمد عليه في بناء مستقبلها الخاص، التحكم في ـ بل تدمير ـ المستقبل العربي. ومن أجل هذا الهدف (إعاقة التطور العربي)، تتنوع الأساليب لتحقيقه، فيصبح اغتصاب الأرض أسلوبا، ويصبح زرع الأنظمة “المتحالفة” مع “إسرائيل” أسلوبا ثانيا، ويصبح التغلل الاقتصادي والثقافي من خلال المؤسسات الاحتكارية أسلوبا ثالثا؛ بل ويصبح تهدئة الصراع وتسويته بالصورة التي نراها الآن أكثر الأساليب توافقا مع المتغيرات الحاصله على الساحة الدولية راهنا.
هذا وإن كان يعني أن المسألة الفلسطينية تبعا للهدف الصهيوني الأصيل، بؤرة الحركة “الإسرائيلية” داخل المنطقة العربية؛ فإنه يعني أيضا، أن الخطأ العربي الكبير في الصراع مع “إسرائيل” كان قد تمثّل في “تركيز” القضية الفلسطينية إلى الدرجة التي أصبحت فيها هذه الأخيرة قضية العرب الأولى، بل المركزية.
هل هذا مجرد كلام نظري؟!
عودة للتاريخ
لنعد إلى حقائق التاريخ لنرى، بل ولنعد التذكير بها، ففي الإعادة إفادة كما يقولون.. أول وأهم هذه الحقائق أنه عندما وضعت الصهيونية مخططات إقامة دولتها على الأرض العربية، واختارت فلسطين، في مؤتمر بال عام 1897، لم تكن أي دولة عربية قائمة في الوطن العربي، لا في فلسطين ولا في غير فلسطين بما تعنيه الدولة من سيادة على الأرض؛ بل كان الوطن العربي إما جزءا من الدولة العثمانية، وإما أجزاء يحتلها الأوربيون.
يعني هذا -في ما يعنيه- أن الحقيقة التي يجب أن لا نغفل -نحن العرب- عنها أن المشروع الصهيوني (الذي تجسده إسرائيل حاليا)، ظهر أساسا قبل حفر قناة السويس، ووضع وتبلور قبل اكتشاف النفط في المنطقة العربية، وتجسّد قبل أن تحصل كافة البلدان العربية الموجودة راهنا على استقلالها.
بعبارة أكثر وضوحا.. إن هذا المشروع ظهر لتكريس شطر المنطقة العربية إلى قسمين، والإسهام في تجزئتها وتفتيتها، وتكريس السيطرة على التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيها، لصالح تكريس المصالح “الغربية” التي ينتمي لها.
باختصار.. لم تدق “إسرائيل” كـ”إسفين” في قلب المنطقة العربية، إلا من أجل شطرها إلى قسمين والتحكم في ديناميات تطورها؛ إنه الهدف الاستراتيجي الذي اكتسب عمقا عندما أصبح يتمحور راهنا حول: “منع نشوء أي قوة عربية أو إسلامية ذات حد من الاستقلالية في قرارها السياسي، يشجع على تكوين دينامية توحيد إقليمية، تقلب المعادلة الجغراسية في حوض المتوسط والعالم”.. هذا هو جذر الموقف، كل الباقي فروع متعلقة به وتتغذى منه، وكما هي طبيعة الجذور، تبقى مطمورة ساكنة، بينما لا تكف الفروع عن التراقص في الهواء فخورة بأوراقها الخضراء وأزهارها الملونة، تظن أنها ذوات استقلال ولا تكف عن الحفيف وجذب انتباه المارة.








