رؤى

بين الحكومة والشارع.. تصدع “البيت” الصهيوني

“يجب إنقاذ شعب إسرائيل من حكومته”.. هكذا صرّح وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروستو، خلال الأسبوع الثاني من شهر أغسطس، تعليقا على اتجاه الحكومة الصهيونية لتصعيد القتال في قطاع غزة.

كلمات كروستو الذي لا تتخذ حكومته موقفا معاديا للكيان الصهيوني، لاقت صدى واسعا داخل هذا الكيان، حيث بدت وكأنها تعبر عن موقف قطاع عريض من الصهاينة تجاه حكومتهم.

ففي صحيفة معاريف العبرية، كتب الصحفي يوسي هدار أن كلمات كروستو لا تشير فحسب إلى إصرار الحكومة المذكورة على المضي في ارتكاب مزيد من الجرائم في قطاع غزة، وإنما أيضا “ينطبق أيضا على الفشل الكامل في إدارة حرب السابع من أكتوبر، وعلى محاولة الانقلاب على النظام التي استمرت طوال الوقت، حتى في أثناء الحرب، ومن دون أدنى شعور بالخجل”.

واستشهد هدار في مقاله بعبارة لوزير خارجية أمريكي سابق، هو هنري كيسنجر الذي وصف الدولة الصهيونية بأنها “تمتلك سياسة خارجية، بل سياسة داخلية فقط” وأوضح الكاتب أنه في ظل الحكومة الحالية ليس لدولة الصهاينة “لا سياسة خارجية، ولا سياسة داخلية أيضا” في الواقع، ليس لديها أي سياسة على الإطلاق، فكل شيء يدور حول نزوات الزعيم الأعلى السياسية والشخصية، وكلها مجرد مناورة سياسية”.

وعلى صفحات نفس الجريدة، كتب العميد السابق لكلية لورد للحكومة والدبلوماسية بوعاز غانور مقالا اعتبر فيه أن الحكومة الحالية تقود البلاد نحو الهلاك.

ففي حين تتجه هذه الحكومة للتصعيد من جديد في قطاع غزة بدلا من عقد صفقة شاملة لتبادل الأسرى مع المقاومة الفلسطينية، كما يطالب الشارع الصهيوني فإن “الزمن يعمل ضد إسرائيل. فالأضرار الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الناجمة عن استمرار القتال في غزة، وتآكل مكانتنا في العالم، والارتفاع غير المسبوق في موجة معاداة السامية، والاعتراف الأحادي من أصدقاء إسرائيل بدولة فلسطينية، والضرر البالغ الذي لحِق بالاقتصاد، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وقبل كل شيء، الأذى الجسدي والنفسي الذي لحِق بجنود الجيش الإسرائيلي والأسرى، أمور كلها تفوق كثيرا أي فائدة ممكنة من استمرار الحرب”.

وفي صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، شن الكاتب يوآف ليمور هجوما مماثلا على الحكومة الصهيونية موكدا أن “من يريد الفوز لا يُذلّ قادة الجيش. من يريد الفوز لا يسمح للمتشددين بالهروب. من يريد الفوز لا يُخاطر بفقدان الأسرى. من يريد الفوز لا يتخلّى عن ساحة الدعاية. من يريد الفوز لا يُضعف النظام القانوني الذي يُشكّل درعا دوليا لـ”إسرائيل”. من يريد الفوز لا يُحطّم الشعب”.

وأضاف “مع كل الاحترام للزملاء من الجانب الآخر للمحيط الأطلسي-أي الصحافة الأجنبية- فهم لا يمرون بما يمر به الإسرائيليون. إنهم لا يعرفون أحدا يسكن في مستوطنة نير عوز. ليس لديهم ابن في الجيش أو زوج سيتلقى مجددا أمر استدعاء رقم “8”. ليس لديهم جار فقد عمله أو دُمّر منزله بصاروخ. لا يُهاجمون في العالم بسبب إسرائيليتهم أو يهوديتهم. ولا يعيشون في قلق وجودي دائم على مستقبلهم ومستقبل دولتهم. كل هذا لا يفهمه إلا إسرائيلي”.

ما ذهب إليه ليمور في مقاله أكده استطلاع للرأي أجرته صحيفة معاريف، أبدى 36% من الجمهور فقط عن رضاهم عن رئيس الحكومة، بينما أعرب 59% عن عدم رضاهم، ولم يُحدد 5% موقفهم.

وحصل وزير الحرب “يسرائيل كاتس” أيضا على نسب رضا منخفضة نسبيا: 32% من الجمهور راضون عن أدائه، و57% غير راضين، و11% لا يعرفون.

حالة عدم الرضا المشار إليها، بدت نتيجة طبيعية لما اعتبره “معهد القدس للاستراتيجية والأمن” إخفاقا في تحقيق أهداف الحرب على قطاع غزة.

ووفقا للمعهد فإن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة “لم تتوقف بعد عن العمل -مدنيا وعسكريا- كعامل مسيطر على أجزاء كبيرة من قطاع غزة. ورغم أن هذه الأجزاء ليست كبيرة، إلا أن أهميتها تنبع من رمزيتها وكونها مراكز ثقل للحركة وتركيز عدد كبير من السكان فيه”.

هذا الموقف عبر عنه أيضا أحد قادة المعارضة وهو يائير غولان الذي كتب مقالا في صحيفة هآرتس يحذر فيه من الثمن الباهظ الذي تدفعه الدولة العبرية نتيجة لسياسات حكومتها.

واعتبر غولان في مقاله أنه طالما استمرت الدولة الصهيونية “تواصل اللعب -على حد تعبيره- وفق القواعد التي تفرضها هذه الحكومة، فلن تتوقف، وسنُهزَم نحن”.

وأضاف إن مفتاح إنقاذ الدولة العبرية هو “كسر هذه القواعد، ليس فقط بالتظاهرات الأسبوعية والإضرابات المحدودة، بل من خلال جعل حُكم هذه الحكومة مستحيلا، مدنيا واقتصاديا وسياسيا”.

إن حالة الانقسام الحادة بين شارع مطالب بوقف الحرب وإعادة الأسرى الصهاينة وحكومة تصر على مواصلة المعركة لأسبابها الذاتية، كانت ولازالت كما يؤكد عدد من الكتاب والمحللين الصهاينة، هدفا حرصت المقاومة الفلسطينية على تحقيقه.

وهو ما ذهب إليه العقيد في الاحتياط في جيش الاحتلال حيزي نحميا في تصريحات للقناة N12 العبرية حيث أكد أن القائد الشهيد القسامي أبو إبراهيم السنوار حدد في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، ثلاثة أهداف رئيسة للتفاوض مع الاحتلال: الأول، هو الاستمرار في السيطرة على قطاع غزة وإطالة أمد القتال؛ الثاني: الإفراج عن الأسرى من سجون الاحتلال؛ الثالث: تمزيق المجتمع الإسرائيلي من الداخل.

زر الذهاب إلى الأعلى