في مقال له على موقع أصوات بتاريخ ١٥ أغسطس ٢٠٢٥، نعى الزميل العزيز الأستاذ ماهر الشيال -إلى الأمة- اثنين من أبرز مثقفيها ومبدعيها، وهما الكاتب المصري صنع الله إبراهيم، والفنان اللبناني زياد الرحباني.
وطرح الكاتب في ختام مقاله سؤالا حول مفهوم “المثقف العضوي” الذي مثّله كلا الراحلين، وهل أصبح في ذمة التاريخ في المنطقة العربية أم أنه لا يزال موجودا؟
أود من خلال هذه السطور.. أن أطمئن كلا من الزميل العزيز، والقاري العربي أيضا، أن نموذج المثقف العضوي العربي لا يزال حاضرا وبخير، وما على من يريد التأكد من ذلك سوى أن يدير بصره نحو قطاع غزة.
هذا القطاع الذي تعربد فيه آلة الحرب والموت الصهيونية الهمجية منذ ما يقرب من عامين، لا يزال المتعلمون من أبنائه متشبثين بأرضه، يؤدون دورهم تجاه بني وطنهم، بما توفر لديهم من إمكانات محدودة ورغم كل ما صنعه العدو بديارهم.
أدر بصرك وسترى المثقف العضوي حاضرا في شخص الإعلامي الشهيد أنس الشريف الذي أبى حتى آخر لحظة أن يغادر قطاع غزة، وظل حتى آخر لحظة يؤدي دوره في نقل ما يحدث على أرض القطاع؛ حتى لقي وجه ربه.
ستراه في زملاء الشهيد أنس من إعلاميين وصحفيين مثل: الصحفي محمود العمودي الشهير بأبي صلاح، الذي سخّر صفحاته المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، لبث رسالة أمل يومية، لا إلى أهل القطاع فحسب؛ بل إلى متابعيه من مختلف أقطار الأمة، مستشهدا بكافة أمثلة الصبر والصمود من القرآن الكريم والسنة النبوية.
ستراه في العالم الجليل الدكتور نصر خليل فحجان، المحاضر في كلية العودة الجامعية بغزة، وأستاذ الدراسات الإسلامية في كلية فلسطين للتمريض، والذي قدم أحد أولاده شهيدا، في مواجهة سابقة مع العدو على أرض غزة.
لم يمنع القصف الصهيوني والذي دمر دار الدكتور فحجان ومكتبته العامرة- هذا الأكاديمي القدير من الاستمرار في مشروعه الفكري المتمثل في تقديم اجتهادات معاصرة في تفسير القرآن الكريم، وطرح فهم مغاير لنصوصه عن التفسيرات التراثية.
بل إن الدكتور فحجان استمر في هذا المشروع في خيمة نزوحه الصغيرة التي ألجأه إليها العدو، وبث فيها عبر مواقع التواصل دروسا ومحاضرات في مجاله.
ولم ينس الدكتور فحجان بطبيعة الحال أن يشيد بالمقاومة وصمودها فيما يبثه من مقاطع مصورة وأن يبشر بني وطنه بفرج قادم آت.
ستراه في شباب القطاع المحاصر، ممن استخدموا الموارد -على قلتها- لتنظيم مبادرات لتقديم مساعدات النازحين من مناطقهم الاصلية بفعل القصف، كمبادرات توفير مياه السقاية ووجبات للنازحين لا سيما الأطفال بما توافر لهم من مواد.
والملاحظ أن هؤلاء الشباب، لم يوظفوا مواقع التواصل الاجتماعي كما يفعل كثيرون للتسلية والترفيه، وإنما جعلوا من هذه المواقع أداة لتوثيق مبادراتهم المشار إليها، ودعوة متابعيهم للمشاركة فيها، ولو بأقل القليل.
إن المثقف العضوي لا يزال حاضرا في هذه المعركة التي يخوضها قطاع غزة نيابة عن الأمة بأسرها، وهذا النموذج بالذات يثير خوف العدو وقلقه، إذ يخشى من قدرة هذا المثقف على التأثير في الجماهير ودفعها دفعا للعمل المقاوم، لذا نجد أن العدو يستهدف المثقفين الفلسطينيين، لا سيما من جمع منهم بين الثقافة والعمل المقاوم٫ بالاغتيال تارة وبالاعتقال تارة أخرى.
لكن المثقف العضوي، الذي أنجبته أرض فلسطين، يأبى إلا أن يمارس مهمته الرسالية، في حق وطنه وشعبه وأن يكون قسما لا يتجزأ منه، يقاسمه كافة أوجاعه وينقلها بالقلم أو الكاميرا أو غيره من وسائل وأكثر من ذلك، فإنه يجعل من هذه المعاناة مدادا لقلمه وابداعه.








