تطرح الخطة الإسرائيلية المُعلنة لاحتلال قطاع غزة، جملة من الإشكاليات الاستراتيجية والسياسية والإنسانية، التي تعكس أبعاد الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل؛ وهي الخطة التي اقترحها بنيامين نتنياهو، وأعلن مكتبه في 8 أغسطس الجاري، عن موافقة “الكابينت” عليها. فالقطاع على صغر مساحته الجغرافية وضيق حدوده، يمثل عقدة سياسية وأمنية وثقافية، يتجاوز حضوره حدود الجغرافيا ليغدو رمزا للمقاومة الفلسطينية ومسرحا لصراع الإرادات بين مشروع الاحتلال والمشروع الوطني الفلسطيني.
من هنا، فإن أي إعلان إسرائيلي بشأن احتلال غزة لا يمكن قراءته كفعل عسكري مجرد، بل هو جزء من رؤية استراتيجية أشمل ترتبط بمفاهيم الأمن الإسرائيلي، وبالهواجس الديموغرافية والسياسية، وبإدارة العلاقات الإقليمية والدولية.
مأزق إسرائيل
منذ انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من قطاع غزة، عام 2005، بقي القطاع في قلب التوترات المستمرة. صحيح أن الاحتلال قد أزال مستوطناته وأخلَى وجوده العسكري المباشر، لكنه ظل يتحكم في الأجواء والمياه والحدود، وفرض حصارا خانقا على القطاع. وفي عام 2007، عقب سيطرة حركة حماس على غزة، تكثفت الإجراءات الإسرائيلية لعزله. ومنذ ذلك الوقت، تعرض القطاع لسلسلة من الحروب العسكرية: 2008-2009، 2012، 2014، 2021، وصولا إلى الحرب الشاملة في أكتوبر 2023، وما بعدها.
هذه الحروب لم تحسم الصراع، بل عمّقت “مأزق إسرائيل”: لا هي قادرة على القضاء الكامل على البنية العسكرية لحماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى، خاصة الجهاد الإسلامي؛ ولا هي، في الوقت نفسه، مستعدة لتحمل كلفة إعادة احتلال القطاع وإدارته.
لكن في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة، ومع تزايد الضغوط الداخلية على القيادة الإسرائيلية، أعادت تل أبيب طرح خيار احتلال غزة، سواء عبر اجتياح شامل أو من خلال خطة مرحلية لإقامة مناطق عازلة، وتفكيك البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية. هذا الطرح، وإن بدا للوهلة الأولى تكتيكا عسكريا، إلا أنه يعكس في العمق أهدافا استراتيجية أوسع.
أهداف الاحتلال
تعدد الأهداف الإسرائيلية الدافعة إلى احتلال قطاع غزة، على أكثر من مستوى: من جانب، محاولة القضاء على المقاومة الفلسطينية؛ وهو الهدف الذي فشلت فيه على مدى العامين الماضيين، رغم تدمير القطاع بشكل كبير. ومن ثم يبدو أن الهدف الإسرائيلي تحوّل إلى محاولة تحييد قدرات المقاومة في غزة، وخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، اللتين تشكلان تهديدا أمنيا مستمرا لإسرائيل عبر الصواريخ والعمليات العسكرية. إذ تسعى إسرائيل إلى تفكيك البنية التحتية العسكرية لهذه الفصائل، بما في ذلك الأنفاق ومخازن الأسلحة، وإضعاف نفوذها السياسي والأمني في القطاع.
وبالنظر إلى أن منظومة “القبة الحديدية” مكلفة، وغير قادرة على الاعتراض الكامل، فإن الاحتلال يرى أن الحل الأمثل يكمن في “تجفيف منابع الخطر”، عبر السيطرة على الأرض أو إضعافها جذريا.
من جانب آخر، فإن إسرائيل تنظر بعين القلق إلى الكثافة السكانية في غزة، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني على مساحة ضيقة. وبالتالي فإن طرح احتلال قطاع غزة، ليس مجرد مسألة أمنية؛ بل ينطوي على سيناريوهات لترحيل أو تهجير قسري نحو سيناء أو مناطق أخرى، بما يخفف الضغط الديموغرافي الفلسطيني.
هذا فضلا عن أن ثمة بُعد يتعلق بمصالح الحكومة الإسرائيلية نفسها، خاصة في ظل قيادة بنيامين نتنياهو؛ فالإعلان عن خطة لاحتلال غزة، يخدم أجندة تعزيز التماسك الداخلي بين الأحزاب اليمينية، وامتصاص غضب الشارع الإسرائيلي الذي يطالب برد قاسٍ على العمليات الفلسطينية. كما أنه يُستخدم لتشتيت الانتباه عن ملفات فساد ومحاكمات تمس شخص نتنياهو.
من جانب أخير، قد تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم الخريطة السياسية لغزة، إما عبر إدارة مباشرة أو عبر سلطة فلسطينية موالية، لتسهيل السيطرة على القطاع دون تكبد تكاليف الحروب الدورية. إلا أن الأهم، هي الرسائل التي تريد إسرائيل توجيهها. فمن خلال احتلال غزة، تسعى إسرائيل إلى توجيه رسائل مزدوجة: أولا، إلى دول المنطقة، بأن إسرائيل ما زالت قادرة على فرض وقائع عسكرية. وثانيا، إلى الولايات المتحدة والغرب، بأنها الطرف الأكثر فاعلية في محاربة “الإرهاب” ما يضمن استمرار الدعم السياسي والعسكري والمالي الغربي لها.
احتمالات مستقبلية
في حال أقدمت إسرائيل على تنفيذ خطة الاحتلال، يمكن تصور عدة سيناريوهات:
– الاحتلال الشامل طويل الأمد: وهو سيناريو يعيد غزة إلى ما قبل 2005، عبر سيطرة مباشرة كاملة. غير أن كلفة هذا الخيار عالية جدا، وقد يؤدي إلى استنزاف إسرائيلي على المدى الطويل، وربما يفشل كما فشل الاحتلال في لبنان.
– الاحتلال الجزئي أو “المناطق العازلة”: وهو سيناريو أكثر ترجيحا، يعتمد على اجتياح محدود للقطاع بهدف السيطرة على الشريط الحدودي أو بعض المناطق الاستراتيجية. الهدف هنا تقليص التهديد دون الانغماس في إدارة كاملة للقطاع. لكنه لن يحل المشكلة جذريا، إذ ستبقى الفصائل قادرة على إعادة تنظيم صفوفها.
– إعادة صياغة الوضع عبر طرف ثالث: قد تلجأ إسرائيل، بعد عملية عسكرية واسعة، إلى تسليم إدارة القطاع إلى جهة إقليمية أو دولية (مثل السلطة الفلسطينية، أو قوة عربية مشتركة، أو إدارة دولية مؤقتة). لكن هذا السيناريو يتطلب توافقا دوليا وإقليميا، وهو أمر معقد وصعب التحقيق.
– تراجع عن التنفيذ والاكتفاء بالتهديد: ثمة احتمال ألا تُنفذ الخطة أصلا، وأن يكون الهدف مجرد مناورة سياسية داخلية، أو أداة ضغط على الأطراف الإقليمية والدولية لدفعهم نحو ترتيب جديد لغزة، دون أن تتحمل إسرائيل كلفة الاحتلال.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن الخطة الإسرائيلية لاحتلال غزة، سواء كانت جادة أم مجرد ورقة ضغط، تكشف عن عمق المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي. فهي من جهة تعكس رغبة الاحتلال في فرض معادلات جديدة على الأرض؛ ومن جهة أخرى تعكس عجزه عن إيجاد حل سياسي للصراع. وفي كل الأحوال، يبقى قطاع غزة أكثر من مجرد مساحة جغرافية: إنه رمز لصمود الفلسطينيين ومختبر للسياسات الإقليمية والدولية.
وعليه، فإن الاحتمالات المستقبلية لأي احتلال إسرائيلي لن تتوقف عند حدود القطاع الضيقة، بل ستعيد تشكيل ملامح الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي برمته، وتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي والدولي. وهنا، تكمن المفارقة الكبرى: إسرائيل قد تربح معركة عسكرية ميدانية، لكنها قد تخسر استراتيجيا إذا وجدت نفسها غارقة في مستنقع جديد، يزيد من عزلتها، ويعزز من قوة المقاومة الفلسطينية كفكرة، حتى لو تراجعت كتنظيم.








