رؤى

بريطانيا من دعم جيش الاحتلال.. إلى حظر “فلسطين أكشن”

قبل عشرة أيام، اعتقلت شرطة العاصمة البريطانية 466 شخصا شاركوا في مظاهرة مؤيدة لحركة “فلسطين أكشن” التي حظرتها الحكومة الشهر الماضي بموجب قوانين “مكافحة الإرهاب”.

الحظر جاء بعد إعلان الحركة مسئوليتها عن اقتحام أفرادها قاعدة جوية في جنوب إنجلترا، وتسببهم في أضرار قدرت بنحو 7 ملايين جنيه إسترليني، بعد رش طائرتين عسكريتين بطلاء أحمر! كما أعلنت الحركة أن هذا الفعل جاء احتجاجا على الدعم العسكري الذي تقدّمه بريطانيا لـ”إسرائيل” في خضم الحرب على قطاع غزة.

تأسست حركة “فلسطين أكشن” في يوليو 2020، وهي حركة احتجاجية مباشرة وغير عنيفة مقرها في المملكة المتحدة. هدفها الرئيس هو “إغلاق الصناعة العسكرية البريطانية التي تزود إسرائيل بالأسلحة”.

وتؤمن الحركة بأن هذه الشركات، مثل: (Elbit Systems)، تتواطأ في ما تصفه بـ”الجرائم ضد الشعب الفلسطيني”.

تتبنى الحركة منهج “العمل المباشر”، والذي يشمل أساليب مثل: احتلال المصانع والمكاتب.. حيث يتسلل أعضاؤها إلى مباني الشركات المستهدفة ويحتلونها، ما يؤدي إلى وقف الإنتاج وتعطيل العمل.. ويشمل الأمر أيضا استخدام الطلاء الأحمر(يرمز إلى الدم)، وتحطيم النوافذ والمعدات.

من أهم أدوات الحركة تنظيم مظاهرات واعتصامات خارج المصانع والشركات لمنع دخول الموظفين وعرقلة العمل.

وتصف حركة “فلسطين أكشن” نفسها بأنها حركة لا تتبع أي حزب سياسي، وتؤمن بأن النضال من أجل التحرير الفلسطيني يجب أن يكون مستقلا عن الأحزاب السياسية. وتؤكد الحركة على أن عملها “لا عنفي”، حيث ترفض استخدام العنف ضد الأفراد، وتصر على أن أهدافها هي الممتلكات والبنية التحتية فقط.

وقد أثارت أساليب الحركة جدلا واسعا في المملكة المتحدة؛ إذ سارعت الحكومة البريطانية والشرطة لإدانة أنشطة الحركة، ووصفتاها بـ”التخريب الجنائي” و”العمل المتطرف”. وقد أوقفت الحكومة عددا من أعضاء الحركة، وهم قيد المحاكمة بتهم تتعلق بالتخريب وإحداث أضرار.

في المقابل، تحظى الحركة بدعم من قبل بعض المنظمات الفلسطينية والبريطانية، التي تعتبر أن أفعالها ضرورية لزيادة الوعي حول التواطؤ البريطاني في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

وكان الحظر والوصم بالإرهاب وفق قانون “مكافحة الإرهاب” الصادر عام 2000، قرار لإداري اتخذته الحكومة في 17 من الشهر الماضي، وهو القرار الذي أثار استياء واسعا في الأوساط القانونية والحقوقية في بريطانيا.. وبررته الحكومة بأن أساليب الحركة ينجم عنها أضرار مادية كبيرة، تستوفي معايير الإرهاب. وهذا القرار جعل الانتماء إلى الحركة أو دعمها جريمة جنائية. بينما وصفت منظمات حقوقية القرار بأنه خلط متعمد بين الاحتجاج السياسي والإرهاب.

مظاهرة ساحة البرلمان التي اعتقلت فيها السلطات البريطانية هذا العدد الكبير من المناصرين للقضية الفلسطينية، نظّمتها مجموعة تُعرف باسم “دافعوا عن هيئات المحلفين” وقد أعلنت المجموعة أن هذه الفعالية، في إطار تصعيد حملتها تحت شعار “ارفعوا الحظر” التي تهدف إلى إلغاء قرار الحكومة بحظر حركة “فلسطين أكشن”. في بيان لها قالت المجموعة أن الشرطة البريطانية تمارس أعمالا مخالفة للقانون من شأنها عرقلة المساعي لتنظيم تحرك معارض للحظر، وكذلك حجب الموقع الإلكتروني للحركة.

المتظاهرون الذين شاركوا بأعداد لا مثيل لها – حسب بيان المجموعة- لم يرهبوا الاعتقال.. ووضعوا شعارات دعم “فلسطين أكشن” على صدورهم- ما يعرضهم للسجن 14 سنة وفق قانون الإرهاب- ورفعوا الأعلام الفلسطينية، ولافتات حملت عبارات “عارضوا الإبادة” و”فلسطين حرة” و”أوقفوا المذبحة”.

موقف الحكومة البريطانية كان مثار سخرية المتظاهرين، وتساءل بعضهم.. كيف تصنف الحكومة “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية، بينما تدعم الحكومة ذاتها أكبر تجمع للإرهابيين في العالم.. وهو الكيان الصهيوني.

ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، قدمت الحكومة البريطانية الدعم بكافة أشكاله للكيان المؤقت، حيث أعلن رئيس الوزراء البريطاني السابق، ريشي سوناك، أن بلاده تقف “بشكل لا لبس فيه” مع إسرائيل.. وأعقب سوناك ذلك بزيارة للأرض المحتلة للتعبير عن هذا التضامن، كما زار وزير الخارجية البريطاني السابق، جيمس كليفرلي، ووزير الخارجية الحالي، ديفيد كاميرون- الأرض المحتلة عدة مرات لذات الغرض.

كما قدمت المملكة المتحدة دعما عسكريا واستخباراتيا للدولة العبرية، فأرسلت البحرية الملكية سفينتين حربيتين، بالإضافة إلى طائرات مراقبة، إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. كما أجرت القوات الجوية الملكية رحلات استطلاع فوق غزة “لدعم جهود إنقاذ الأسرى الصهاينة”. وتُشير تقارير إلى أن هذه الرحلات قد تجاوزت 570 مهمة منذ ديسمبر 2023.

وعلى الرغم من الضغوط المتزايدة من البرلمانيين ومنظمات حقوق الإنسان، استمرت الحكومة البريطانية في الموافقة على رخص تصدير الأسلحة لإسرائيل.

في عام 2023، بلغت قيمة هذه الصادرات 18 مليون جنيه إسترليني.. وقد شملت بعض الشحنات مكونات لطائرات مقاتلة، وقطع غيار لطائرات مسيرة وأنظمة بحرية، بالإضافة إلى ذخائر ومكونات لمركبات مدرعة.

وكانت المحكمة البريطانية العليا قد رفضت نهاية يونيو الماضي، دعوى منظمة فلسطينية غير حكومية بشأن منع تصدير أجزاء من طائرات إف-35 لإسرائيل، رغم اعتراف المحكمة بأن الأجزاء قد تستخدم في انتهاك للقانون الإنساني الدولي في غزة.

في ضوء ذلك يمكن فهم قرار الاعتراف بدولة فلسطين المرجأ حسب تصرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى سبتمبر القادم، بأنه ومثيله الفرنسي ما هو إلا محاولة لتخفيف الضغط على الكيان الإرهابي، حتى ينجز مهمة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.. وهي المهمة التي تتسق تماما مع التاريخ الأوروبي القائم على المذابح والإبادة للشعوب المستضعفة خلال الحقبة الاستعمارية.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى