بدا كل شيء هادئا في سايغون٫ عاصمة الجنوب الفيتنامي، في ذلك اليوم من شهر يناير من عام 1968،
حيث كانت المدينة التي تتمركز فيها القوات الأمريكية، ويحكمها نظام حليف لواشنطن تستعد للاحتفال بما يعرف بعيد التيت او راس السنة وفقا للتقويم الفيتنامي.
وكان وزير الدفاع الأمريكي حينها روبرت ماكنمارا قد صرح قبل ذلك بأيام بأن العدو المتمثل في ثوار الجنوب الفيتنامي أو “الفيت كونغ” وقوات فيتنام الشمالية أو “الفيت منه” قد تراجعت قدرتها على شن أية هجمات على القوات الامريكية أو حليفتها الفيتنامية الجنوبية.
لكن الهدوء كان خادعا وسرعان ما تبدد صبيحة الحادي والثلاثين من يناير1968، حيث استفاقت سايغون على هجمات متزامنة شنها ثوار فيتنام٫ الجنوبيون والشماليون على حد سواء، شملت أكثر من 30 موقعا مختلفا في الجنوب.
بل وصل المهاجمون إلى موقع السفارة الأمريكية في سايغون، واستمرت الاشتباكات بين الطرفين في مواقع مختلفة حتى شهر مارس 1968.
ومع نهاية الاشتباكات صورت الدعاية الأمريكية معركة التيت، على أنها إنجاز للقوات الأمريكية حيث استطاعت وقف الهجوم الفيتنامي، وقتل عدد كبير من المهاجمين، ناهيك عن منع سقوط السفارة الأمريكية في أيدي المهاجمين.
ولكن.. وعلى المدى البعيد، وكما يؤكد موقع الجيش الأمريكي في تقرير له عن هجوم التيت، فقد أدى هذا الهجوم إلى نتائج لصالح فيتنام الشمالية ذات النظام اليساري، حيث أثبت للجمهور الأمريكي زيف دعاية حكومتهم عن إنجازاتها في فيتنام، وقاد إلى حركة معارضة واسعة في داخل الولايات المتحدة لاستمرار الحرب.
وسرعان ما توسَّعت هذه الحركة، خاصةً في أوساط الطلاب الجامعيين، حتى أجبرت الرئيس الأمريكي نيكسون على توقيع اتفاق مع الجانب الفيتنامي؛ لإنهاء الحرب في مطلع عام 1973، وبعد نحو عامين فقط من توقيع الاتفاق المذكور في باريس، دخلت قوات فيتنام الشمالية مرة أخرى إلى سايغون في مايو من عام 1975، بعد انسحاب القوات الامريكية منها، وأعيد توحيد البلاد في مشهد أيقوني.
تداعت ذكريات هجوم التيت إلى أذهان كثيرين، مع هجوم شنته المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ضد موقع لقوات الاحتلال في جنوب القطاع، وتحديدا في منطقة خان يونس صبيحة الثلاثاء الماضي.
حيث فوجئ الجيش الصهيوني، بعد نحو عامين من اكتفاء المقاومة الفلسطينية، بصد هجماته في القطاع، بهجوم مباغت ضد موقع أمامي لوحدة الاستطلاع في لواء كفير، وبعدد كبير من المقاتلين يتراوح ما بين 14 و18 مقاتلا.
ووفقا لإذاعة جيش الاحتلال؛ فإن المسلحين وصلوا إلى مسافة قريبة جدا من التحصين، حتى مدخل الموقع تقريبا، حيث واجهوا عن قرب الجنود الذين كانوا يحرسون المكان، وهناك وقعت مواجهات واشتباكات بالرصاص من مسافة صفر بين الجنود والمسلحين.
أما بيان المقاومة فكان أكثر تفصيلا، حيث ذكر أن مجاهدي المقاومة هاجموا “الموقع و استهدفوا عددا من دبابات الحراسة من نوع “ميركفاه 4” بعدد من عبوات الشواظ وعبوات العمل الفدائي وقذائف “الياسين 105” وانهم دخلوا “عددا من المنازل التي يتحصن بداخلها جنود الاحتلال لتثبيتها بـ 6 قذائف مضادة للتحصينات والأفراد ونيران الأسلحة الرشاشة، واقتحم عدد من المجاهدين المنازل وأجهزوا بداخلها على عدد من جنود الاحتلال من المسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية”.
كما تمكنوا من قنص قائد دبابة “ميركفاه 4” وإصابته إصابة قاتلة “ودكوا موقع العملية بعدد من قذائف الهاون لتأمين انسحاب المجاهدين من المكان، وفور وصول قوة الإنقاذ، فجّر أحد الاستشهاديين نفسه في الجنود، وأوقعهم بين قتيل وجريح، واستمر الهجوم لعدة ساعات”.
أثار الهجوم ونوعيته وجرأته الشديدة انتقادات عدة لجيش الاحتلال؛ خاصةً في ظل تحضيراته الجارية لشن هجوم جديد على مدينة غزة.
حيث كتب المحلل آفي اشكنازي في صحيفة معاريف أن جيش الاحتلال تلقى من خلال الهجوم “إشارةً يوم أمس تُشير إلى محدودية قوة جيشٍ يدخل أرضا محتلة ويحاول السيطرة عليها لفترةٍ طويلة. يُظهر التاريخ العسكري أنه في مثل هذه الحالات، تتمتع حرب العصابات بميزةٍ تكتيكية”.
وأضاف “نعم، هذا هو بالضبط كابوس المؤسسة الأمنية. التحدي في خان يونس أو رفح أو في بيت حانون ضئيلٌ مقارنةً بتحدي العمل في مدينة غزة، هناك ينتظر لواءان حربيان تابعان لحماس في محاولة لتحدي الجيش الإسرائيلي”.
وفي صحيفة يديعوت أحرونوت كتب المراسل العسكري رون بن يشاي: “من الواضح أن المسلحين استعدوا بالتحضيرات اللازمة لشن الهجوم في خان يونس، جمعوا معلومات استخباراتية، ووضعوا عبوات ناسفة في المنطقة القريبة من الموقع على الطرق التي افترضوا وصول التعزيزات عبرها. كما جهزوا أنفسهم بعبوات خاصةً وهي عبوات يحملونها بأيديهم ويثبتونها على الدبابات أو ناقلات الجند المدرعة”.
ووجه بن يشاي انتقادا للمؤسسة العسكرية الصهيونية قائلا: “الأمر الخطير حقا هو أن القادة الميدانيين لم يطبقوا أبسط الدروس التكتيكية التي كان ينبغي استخلاصها من 7 أكتوبر، واعتمدوا مرة اخرى على التكنولوجيا بدلا من وجود مراقبة بشرية في الموقع”.
انتقاد المؤسسة العسكرية بسبب هجوم خان يونس، أتى أيضا من جنرالات سابقين في تلك المؤسسة، مثل اللواء احتياط يتسحاق بريك، الذي أوضح في تصريحات صحفية أن “رئيس الأركان يدرك أن عملية مركبات جدعون 2 – أي محاولة احتلال مدينة غزة- قد تنتهي بالفشل وكثير من القتلى لقواتنا” وأن “خطة الجيش لاحتلال مدينة غزة من شأنها أن تعود بكارثة على الجيش” وخاصةً أن مقاتلي المقاومة “لديهم أنفاق بمئات الأمتار في غزة، ويمكنهم التحرك فيها بحرية” وخلص إلى أن “بقاء الجيش فترة طويلة بغزة سيجعل الجنود عرضة للهجمات وحرب الاستنزاف” وهو ما قد يجعل الدولة العبرية “تصل إلى حافة الهاوية بسبب الحكومة غير المنطقية والمنفصلة عن الواقع”.
ما خلص إليه الجنرال بريك، نقلته أيضا صحيفة معاريف عمن أسمته مسئولا عسكريا رفيعا حيث أكد أن جيش الاحتلال “يواجه حرب استنزاف في غزة” وتساءل كيف لا تزال هناك أنفاق ومسلحين في خان يونس رغم أن الجيش دخل إليها ثلاثة مرات منذ بداية المعركة؟
وأضاف المصدر العسكري أن “جيشنا يقيم مواقع عسكرية في الميدان، بينما يتحرك المسلحون في الأنفاق ويهاجمون ثم ينسحبون” وأن “هجوم خان يونس لم يكن الأول الذي ينفذ بهذه الطريقة وقد لا يكون الأخير” وحذَّر من أن التحديات في خان يونس ورفح ستبدو صغيرة أمام التحديات في مدينة غزة وسط وجود كتائب للمقاومة الفلسطينية”.
توقيت الهجوم المباغت الذي شنته المقاومة في خان يونس، سبب حرجا بالغا لحكومة الاحتلال في وقت تبدو فيه واقعة ما بين مطرقة أهالي الأسرى الصهاينة المطالبين بعقد صفقة تبادل، وبين الجناح اليميني المتطرف في الحكومة المُصر على مواصلة المعركة.
ولعل ما زاد الحرج بالنسبة لتلك الحكومة هو تقرير لمعهد الأمن القومي الصهيوني جاء فيه أن “استمرار الحرب في غزة أسوأ من أي بديل، ولذلك يجب إيقافها فورا مهما كلف الأمر”.
فبسبب الحرب تورطت الدولة الصهيونية في “أزمة دولية تهدد مكانتها العالمية وتقوض علاقاتها” وأما الجيش فهو “مرهق ويظهر ذلك في الضرر بالأفراد وتراجع الانضباط العملياتي”.
كما أنه – وفقا للتقرير- من غير المرجح أن يؤدي احتلال أراض في غزة أو إجراء مناورات إضافية إلى انهيار المقاومة في القطاع؛ بل على العكس “قد يؤدي إلى حرب عصابات طويلة وفعالة ضد الجيش”.
إن القيمة الأساسية لهجوم خان يونس، تماما كهجوم التيت، ليس في كم القتلى والجرحى، وإنما في كشفه لجمهور دولة الاحتلال عن زيف وكذب دعاية حكومته وتذكير تلك الحكومة أن المعركة ليست نزهة لقواته، خاصةً وأن في انتظار تلك القوات مقاومة قادرة على مفاجأتها مرة تلو الأخرى واستنزافها بشكل مستمر.








