رؤى

استقالة وزير الخارجية الهولندي.. بعد امتناع الحكومة عن تطبيق عقوبات على دولة الاحتلال

أعلن مساء أمس الجمعة، السيد كاسبار فيلد كامب وزير الخارجية الهولندي، استقالته من منصبه، موضحا أنه لم يعد يمتلك “الثقة الكافية” للاستمرار في موقعه بعد رفض مقترحاته للعقوبات على دولة الاحتلال.

وقال الوزير إن الإجراءات التي طرحها، نوقشت بجدية لكنها واجهت معارضة متكررة من زملائه في الحكومة، حتى بشأن الإجراءات التي كانت هولندا قد فرضتها بالفعل.

فيلدكامب الذي عمل من قبل سفيرا لبلاده لدى الدولة العبرية، برر قراره بقوله: “أنا أيضا أرى ما يحدث على الأرض في غزة، الهجوم على مدينة غزة، وما يحدث في الضفة الغربية، وقرار بناء المستوطنات، وفي القدس الشرقية”.

وزير الخارجية الهولندي المستقيل لم يخفِ موقفه من دولة الاحتلال، إذ كان وراء قرار الحكومة، منع دخول بن غفير وسموتريتش إلى هولندا بسبب تحريضهما على العنف والتطهير العرقي، في يوليو الماضي، وفي نفس الشهر قررت الحكومة الهولندية إدانة مشروع الاستيطان في منطقة E1 واعتباره انتهاكا  صارخا للقانون الدولي وتهديدا لحل الدولتين.

كما استدعى فيلد كامب السفير الصهيوني لدى بلاده، ووجه إليه توبيخا شديدا.. وهو موقف لم تعرفه الدبلوماسية الأوروبية منذ قيام دولة الاحتلال.

أما المسعى الرئيس الذي عمل من أجله الوزير كاسبار فيلدكامب، فكان الضغط من أجل تعليق اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل”.. ومن المعروف أن هولندا أحد الدول التي تورِّد لجيش الاحتلال بعض المكونات، خاصةً مكونات مقاتلات F-35. وهي الطائرات التي استخدمها العدو في قصف غزة، ما أثار تساؤلات حول مسئولية هولندا -غير المباشرة- عن الجرائم هناك.

سعى فيلد كامب لإيقاف تلك الجريمة، لكنه اصطدم بمعارضة داخلية وضغوط أوروبية، خاصة من ألمانيا.. وإن نجح قبل استقالته في إلغاء ثلاثة تصاريح تصدير لمكونات بحرية موجهة للكيان الغاصب.

قرار فيلد كامب أحدث صدمة في هولندا لعدة أسباب، أهمها حساسية الوقت، حيث تبحث أوروبا مستقبل علاقتها مع الكيان المؤقت، وتواجه ملفات موازية مثل الحرب في أوكرانيا.

لم يقتصر الأمر على ذلك؛ إذ أعلن وزراء حزب “العقد الاجتماعي الجديد” استقالتهم أيضا تضامنا مع فيلد كامب، ليصل عدد الوزراء المستقيلين إلى تسعة.. ما زاد من ضعف موقف الحكومة “المؤقتة”.

وكان إيدي فان هيوم، وزير الشئون الاجتماعية ونائب رئيس الوزراء، أول المستقيلين تضامنا مع فيلد كامب، ثم انسحب بعده باقي وزراء حزب “العقد الاجتماعي الجديد” (NSC)، ومن بينهم: وزيرة الداخلية جوديث أوترمارك، ووزيرة التعليم إيبو بروينز، ووزيرة الصحة دانييل يانسن، ووزيرة الدولة لشئون التجارة الخارجية هانِكه بورما، وأربعة وزراء دولة آخرون.

وصرّح هيوم عقب استقالته بقوله “باختصار، لقد سئمنا الأمر.. فيلدكامب كان يشعر بشدة بالحاجة إلى مزيد من الإجراءات ضد الحكومة “الإسرائيلية”؛ لكن المكابح كانت تُستخدم باستمرار”.

وصرّحت نيكولين فان فرونهوفن زعيمة حزب العقد الاجتماعي الجديد بقولها “لقد وجّه الحزب رسالة بضرورة حدوث تحسن في الوضع، وهذا لم يحدث، لذلك نتخذ خطوات الآن”.

باستقالة الوزراء التسعة.. يبقى في الحكومة المؤقتة حزبان فقط، هما حزب “حركة الفلاحين المواطنين” (BBB) الشعبوي، وحزب “الشعب من أجل الحرية والديمقراطية” (VVD) الليبرالي- الأمر الذي يجعل تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات المقررة في 29 أكتوبر المقبل؛ أمرا بالغ الصعوبة.

أما رئيس الوزراء ديك شوف، فقد أعرب عن “أسفه الشديد” لانسحاب حزب العقد الاجتماعي الجديد NSC من الحكومة، مؤكدا خلال كلمة أمام البرلمان، أن بلاده تواجه مرحلة انتقالية صعبة، كما ألغى شوف، زيارة له كانت مقررة إلى كييف للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وكانت الحكومة الهولندية قد انهارت قبل ذلك في الثالث من يونيو الماضي، بسبب الأزمة التي أحدثها حزب الحرية اليميني المتطرف؛ بانسحابه من الائتلاف الحاكم، بعد فشله في فرض خططه بشأن المهاجرين وقانون اللجوء.

تحاول الحكومات الأوربية التنصل من المسئولية الأخلاقية تجاه جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة، خاصةً وأن الدعم الأوروبي لدولة الاحتلال لعب دورا كبيرا في استمرار الحرب إلى الآن.. ورغم ارتهان القرار الأوروبي بالتبعية للولايات المتحدة، الراعي الأول في العالم للإرهاب الصهيوني.. إلا أن ثمة ممانعة قوية تظهر الآن في دوائر الحكم في أكثر من عاصمة أوروبية، ربما بفعل تأثير ضغط الشارع الأوروبي الذي لم يتوقف عن مناصرة الحق الفلسطيني على مدار العامين الماضيين.. وربما تحمل الأيام القليلة القادمة مزيدا من التحركات الأوروبية ضد دولة الاحتلال التي بات مواطنوها يعانون النبذ في معظم الدول الأوروبية.

إن استقالة فيلد كامب ورفاقه، تكشف -وعلى نحوِ بالغ الوضوح- حالة النفاق الأوروبي والغربي، التي تكتفي بالإدانة الشفهية؛ لكنها عندما تواجه مسئولا في شجاعة هذا الرجل، يطالب باتخاذ عقوبات حقيقية  ضد دولة الاحتلال؛ فإنها تتقاعس وتتهرب وتحاول إيجاد المبررات الواهية لموقفها الشائن.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى