رؤى

أقرؤهم لكتاب الله.. أُبَيُّ بن كعب

هو سيد القراء أبو منذر الأنصاري النجاري المدني المقرئ البدري ويكنى أيضا أبا الطفيل.. ولو جاز الفخر في الإسلام لأحد لجاز لهذا الرجل.

فعن أنس بن مالك أنه قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأبي بن كعب : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن. وفي لفظ: أمرني أن أقرئك القرآن . قال: الله سماني لك؟ قال: نعم. قال: وذُكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه.

أي شأن كان لك عند الله يا أبا المنذر، والله إنه لأمر يأخذ بالألباب.. فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن نبي الهدى قال عن أصحابه: “أقرؤهم لكتاب الله.. أُبيُّ بن كعب”. إنه حبيب القرآن العظيم الذي ملك عليه فؤاده فوعاه، وأخلص له كل الإخلاص فرعاه.. حتى رفعه الله به الدرجات العلا.

وها هو الحبيب محمد -صلوات ربي وسلامه عليه- يسأله عن أي آية في القرآن أعظم، فيقول أبي: “الله لا إله إلا هو الحي القيوم”. فيضرب النبي – صلى الله عليه وسلم – في صدره قائلا: “ليهنك العلم أبا المنذر”. أي: هنيئا لك ما أوتيت من العلم.

وكان أمر جمع القرآن الكريم على عهد رسول الله، وهو أمر جلل.. بل هو أجلّ الأعمال من نصيب أربعة من الأنصار.. وكان أبي بن كعب أحدهم.

إنه ركن شديد من أركان دين الله.. كيف لا وهو القائل لابن الخطاب: “إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل -عليه السلام- وهو رطب”. وهي مسئولية عظيمة، ألقاها المصطفى على عاتق ابن كعب، بأمر من الله تعالى.. فأي إيمان كان لك يا أُبَيّ؟!

وكان عمر بن الخطاب أعرف الناس بمكانة، أبي بن كعب في الإسلام، فكان إذا جلس في مسجد الرسول، أجلس أُبَيًا إلى جواره، فإذا سُئل عن الرجل أجاب: هذا أبي بن كعب سيد المسلمين.

أسلم أبي قبل هجرة الحبيب محمد إلى المدينة بنحو من عامين، ومنذ أن أسلم عرف طريقه الذي رأى فيه طوق النجاة من فتن الدنيا.. فالتزم كتاب الله حفظا وقراءة وفهما، فأجزل له ربه العطاء.. فكان من أول من كتب الوحي، وكان النبي -صلوات ربي وسلامه عليه- يأمره بقراءة القرآن للوفود.

غير أن أُبَيًا رضي الله عنه، يأبى إلا أن يجمع المجد من أطرافه، فإلى جانب كل ما ذكرنا.. حضر أُبَيٌّ العقبة وبدرا وأحد والخندق، وشهد المشاهد كلها مع الرسول الأعظم.. وأبلى في الجهاد خير البلاء راجيا من الله أن يكتبه في الشهداء.

رجل آتاه الله هذا العلم، حري به أن يزهد الدنيا.. وقد رآها فُتحت على المسلمين، وتنافسها ولاة أمورهم.. يجبون إليهم الأموال، ويبتنون القصور.. ويغرقون في الترف والملذات.. فلما هاله الأمر وقف ذات يوم بين الناس صائحا: “هلكوا ورب الكعبة.. هلكوا وأهلكوا.. أمَّا أني لا آسى عليهم، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين”.

“وكان على كثرة ورعه وتقاه، يبكي كلما ذكر الله واليوم الآخر. وكانت آيات القرآن الكريم وهو يرتلها، أو يسمعها، تهزه وتهز كل كيانه.. على أن آية من تلك الآيات الكريمة، كان إذا سمعها أو تلاها تغشَّاه من الأسى ما لا يوصف.. تلك هي: “قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ”. الأنعام: 65

كان أكثر ما يخشاه أٌبَيّ على الأمة المسلمة أن يأتي عليها اليوم الذي يصير بأس أبنائها بينهم شديدا.. وكان يسأل الله العافية دوما.. ولقد أدركها بفضل من الله ونعمة.. ولقي ربه مؤمنا، وآمنا ومثابا”.

رضي الله عن أُبَيّ، سيد المسلمين أمين كتاب الله.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى