رؤى

تساؤلات حول الانسحاب الأمريكي.. من العراق

يبدو أنَّ ما جرى خلال الأيام القليلة الأخيرة في العراق، ليس “انسحابا عاديا”؛ بل تسريعا مفاجئا لعملية انتقالٍ كان مُعلَنا أصلا أن تبلغ محطتها الفاصلة في بدايات سبتمبر المقبل. فقد تواترت تقارير محلية ودولية تفيد بأنّ القوات الأميركية بدأت إخلاءً سريعا ومنسّقا لقاعدتَي “عين الأسد” في الأنبار و”فيكتوريا” قرب مطار بغداد، مع إعادة نشرٍ لجزءٍ من القوات في أربيل وأخرى في “بلدٍ عربيٍّ مجاور”، من دون صدور إعلانٍ رسمي متزامن من واشنطن أو بغداد يشرح تفاصيل الخطوة وتوقيتها.

ويأتي الانسحاب الأمريكي ضمن اتفاق سابق بين بغداد وواشنطن، يهدف إلى إنهاء المهام العسكرية للتحالف الدولي في العراق، وتحويل الشراكة إلى تعاون أمني مدني، على أن تُقلص القوات الأمريكية تواجدها تدريجيا، لكي يقتصر التواجد على أقل من 500 عنصر في أربيل، مع نقل القوات المتبقية إلى قواعد أخرى داخل العراق وسوريا.

 

خلفية المشهد

خلفية المشهد تعود إلى المسار السياسي- الأمني الذي اتُّفق عليه قبل نحو عام؛ إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق على مرحلتين: الأولى تنتهي في سبتمبر 2025، بإغلاق وجود التحالف في بغداد وعين الأسد؛ والثانية، تمتد حتى أواخر عام 2026، مع تحوّل العلاقة إلى تعاونٍ ثنائيٍّ استشاري، مع بقاء بعض القوات في أربيل وارتباطات عملياتية تتصل باستمرار مهام مكافحة “داعش” في سوريا حتى 2026.

هذا الإطار العام أعلنته مصادر أمريكية وعراقية مرارا، ووثّقته وكالات كبرى وتقارير رسمية أمريكية. لذا، لا يجري الانسحاب في فراغ، بل ضمن جدول معلَن، حتى لو كان التسريع في خانة المفاجآت.

ومع ذلك، حملت أنباء الأيام الأخيرة عناصرَ غير متوقّعة؛ فبدل الإيقاع “المتدرج” الذي يفترض أن يُغلق عين الأسد في سبتمبر القادم، تحدَّثت التقارير الإعلامية عن نقل أفراد ومعدّات منذ مساء الخميس الماضي، وعن إخلاء أوسع يومي الأحد والإثنين الماضيين، بما أعطى الانطباع بأنّ واشنطن “تسابق الزمن” لتصفير وجودها في هاتين العقدتين (القاعدتين)، تحديدا.

وإلى جانب التسريبات الإعلامية، كررت بعض المنصّات أنّ جزءا من القوّات يتّجه إلى أربيل، وجزءا آخر يُعاد تموضعه خارج العراق. هذه الدلالات الميدانية صارت عماد الرواية الإعلامية، في غياب بيانٍ عسكريٍّ مشترك يقدّم الرواية الرسمية خطوةً بخطوة.

دوافع الانسحاب

لماذا الانسحاب الآن؟، أي: ما دوافع التسريع المفاجئ؟ ثم، لماذا لم يصدر إعلان رسمي بالانسحاب وخطواته؟

يمكن قراءة تسريع الانسحاب عبر أربعة اعتبارات متداخلة:

من جانب، هناك اعتبار أمني عملياتي؛ فمنذ مطلع العام الماضي تتكرّر ضربات واستهدافات متبادلة، بين فصائل مسلّحة وقواعد تحتضن الوجود الأميركي في العراق وسوريا. ومع اقتراب لحظة “إنهاء مهمة التحالف” رسميا، تُفضل واشنطن تقليص نقاط الاحتكاك الأكثر كُلفة -وعين الأسد وفيكتوريا في مقدمتها- والانتقال إلى ترتيبات أقل عرضةً للنيران؛ سواء عبر دمج القدرات في أربيل، أو عبر إعادة التموضع إقليميا؛ دعما للخطّ السوري. هذا المنطق يتسق مع التصوّر المُعلَن لمرحلة ما بعد سبتمبر المقبل. تعاون ثنائي، وقدرات موجّهة ضد خلايا “داعش”، مع خطوط دعم غير مكشوفة.

وبالتالي، من منظور الأمن العملياتي، فإن الإعلان المسبق عن تفاصيل خروج واسع النطاق من قاعدتين معروفتين، قد يعرِّض التحركات لاستهدافات أو لوجستيات معقّدة في طرق الإخلاء. لهذا تميل الجيوش، بوجه عام، إلى “إعلانِ ما تم” لا “ما سوف يتم”، خصوصا حين يكون جدول الانتقال العام معروفا سلفا ببيانات رسمية منذ 2024.

من جانب آخر، هناك اعتبار سياسي تفاوضي داخلي عراقي؛ إذ إن حكومة محمد شياع السوداني تبنّت مسار التفاوض على إنهاء مهمة التحالف، وقدّمت ذلك بوصفه مكسبا سياديا. لذا، فإن تسريع الانسحاب من قاعدتين داخل “عمق الدولة” العراقية – الأنبار وبغداد – يمنح الحكومة مكسبا رمزيا قبل الإعلان النهائي، ويخفّض التوتّر في العاصمة؛ ويحوِّل بؤرة الجدل من “الوجود الأميركي في بغداد”، إلى ترتيبات أقل استفزازا في الشمال. هذا يتوافق مع روح الاتفاق الذي تحدّث عن “إغلاق” في بغداد وعين الأسد بحلول سبتمبر 2025.

وبالتالي، من منظور الإطار السياسي المُعلَن فهو كافٍ نظريا؛ حيث إن واشنطن وبغداد سبق أن حدّدتا، في سبتمبر 2024، أن وجود التحالف سينتهي في مرحلته الأولى في سبتمبر 2025.

بهذا المعنى، ما يجري اليوم “تنفيذ ضمن السقف المُعلن”، وليس تغييرا في الاستراتيجية يستدعي بيانا جديدا.

دوافع جيوسياسية

من جانب ثالث، هناك اعتبار إقليمي؛ وهو اعتبار خاص بالتوتّر الممتد بين إيران وإسرائيل، وتحوّلات مسرح سوريا وممرّات الإمداد، بما يجعل القواعد “المكشوفة” في غرب العراق وبغداد أثقل كلفةً وأعلى مخاطرةً. ومن ثم، فإن إعادة الانتشار إلى أربيل أو قاعدة عربية قريبة يُبقي خطوط الإسناد لعمليات سوريا متاحة، من دون أعباء سياسية وأمنية لوجود ثقيل في وسط وغرب العراق. هذا التحوّل لمّحت إليه تقاريرُ متطابقة عن إعادة التموضع، حتى لو امتنعت الجهات الرسمية عن تثبيتِ الوجهة علنا.

وبالتالي، من منظور إدارة الرسائل الإقليمية، يأتي الصمت الجزئي ليوفر مرونةً في توجيه الرسائل إلى قوى إقليمية متقابلة، إلى طهران بأنّ الانسحاب ماضٍ، وإلى حلفاء واشنطن بأنّ ترتيبات “اليوم التالي” في سوريا والأمن الإقليمي محفوظة عبر بدائل تموضع هادئة.

ثم، من جانب أخير، هناك اعتبار إدارة المخاطر والإعلام؛ إذ قبيل محطّة “سبتمبر”، يبدو أن وشنطن رأت أن “العمل بصمت” أفضل من “إعلانٍ يُستثار عليه الخصوم”. حين يكون الهدف الوصول إلى نقطة سياسية إعلامية هي “إنهاء مهمة التحالف في موعدها”، مع أقل قدر من “الشوشرة” والاحتكاك، يُصبح الانسحاب الصامت من قاعدتي عين الأسد وفيكتوريا تكتيكا مفهوما.

وبالتالي، من منظور حساسية الداخل العراقي؛ فإن أي بيانٍ أمريكي صاخب قد يُحرج الحكومة العراقية، أو يُستثمر داخليا على نحو يُربك المشهد. لذا، فُضِّلَ أن يظل الإعلان النهائي بصيغة عراقية مشتركة، مع تثبيت “إنجاز السيادة” محليا، بدل ظهور المشهد كأنه “إملاء” أمريكي.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن ما حدث في عين الأسد وفيكتوريا، العراقيتين، هو “تسريعٌ صامت” لمرحلة مُعلنة سلفا: نهاية وجود التحالف في بغداد وغرب العراق، مع انتقال العلاقة الأمريكية العراقية إلى تعاون ثنائي أقل صخبا وأكثر تخصصا. ومن ثم، فغياب الإعلان الرسمي المتزامن ليس لُغزا بقدر ما هو خيار عملياتي سياسي، يوازن بين أمن التحركات وحساسية اللحظة داخل العراق.

لكن يبقى التساؤل الأساسي: إذا كانت الولايات المتحدة قد رفعت مرارا، خلال العقدين الأخيرين، سيناريو الانسحاب العسكري من العراق؛ ورغم ذلك لم تُغادره أبدا.. لذا، هل يمكن اعتبار ما يحدث الآن، بحسبانه انسحابا عسكريا، ما هو إلا مناورة سياسية تستهدف تخفيف الضغط على رئيس الوزراء العراقي من المجموعات الموالية لإيران؟ أو هو – على أقل تقدير-  إعادة تموضع للقوات العسكرية الأمريكية في العراق؟

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى