رؤى

معركة “طوفان الأقصى”.. وحصار الحصار

في ثمانينات القرن العشرين، صاغ الشاعر العربي الراحل محمود درويش قصيدته “مديح الظل العالي” التي بدأ فيها وكأنه يتنبأ بما يحدث اليوم على أرض قطاع غزة.

يخاطب درويش في قصيدته المقاتل الفلسطيني القابض على سلاحه بالقول:

“حاصِرْ حصَارَكَ.. لا مفرُّ

سقطتْ ذراعك فالتقطها

واضرب عَدُوَّك.. لا مفرُّ

وسقطتُ قربك، فالتقطني

واضرب عدوكَ بي.. فأنت الآن حُرُّ حُرٌّ وحُرُّ”.

يتبدى -في هذا القسم من القصيدة- إدراك درويش لحقيقة تاريخية، أثبتتها التجربة في معارك عدة، وهي أن الجيش الذي يحاصر شعبا ما بغرض ارغامه على التسليم، سرعان ما يشعر -خاصة إذا ما طالت مدة الحصار واستمر صمود الشعب المحاصر- أنه هو الاخر واقع تحت حصار.

هكذا شعر جنود ألمانيا النازية، حين طال حصارهم لمدينة لينينجراد السوفيتية، خلال الحرب العالمية الثانية، ورفضت المدينة التسليم رغم القصف والجوع.

وهكذا شعر الجنود الصهاينة، بعد حصار دام ١٠٠ يوم لمدينة السويس المصرية الباسلة، خلال حرب عام 1973، إذ أبت المدينة التراجع ومع استمرار الحصار استطاع الجيش المصري – حرفيا- أن يحاصر المحاصرين أو أن يطوق القوات الصهيونية.

لذا تنفس هؤلاء الجنود الصهاينة الصعداء، حين توصّل الطرفين إلى اتفاق أتاح للصهاينة الانسحاب، دون أن يحققوا أيًّا من أهداف حصارهم للسويس، التي فُكت قبضتهم عن محيطها في يناير من عام 1974.

ومع تزايد التصريحات من قبل الحكومة الصهيونية اليوم، عن قرب تنفيذها عملية عسكرية جديدة ضد مدينة غزة- يحذر عدد غير قليل من الكتاب والمعلقين الصهاينة من تبعات الحصار المرتقب.

حيث كتب الصحفي بن درور يميني في صحيفة يديعوت أحرونوت مقالا أوضح فيه أن قوات جيش الاحتلال حين “تطوق مدينة غزة بحلقة خانقة، فإن الحلقة تشتد حول إسرائيل نفسها”.

حيث إن الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر عام 2023، وفقا للكاتب “تحولت منذ زمن إلى حرب استنزاف” لجيش الاحتلال ولا يفهم حتى حلفاء الدولة العبرية الآن، سبب استمرارها في هذه الحرب العبثية.

وأشار الكاتب إلى جريمة الاحتلال في خان يونس، حين قصفت قواته مجمع ناصر الطبي وقتلت عددا من الكوادر الطبية، إضافة إلى عدد من الصحفيين بقوله “الحدث المؤسف في خان يونس هو محطة إضافية في الإضرار الذاتي، فقد كانت هناك أحداث مشابهة من قبل، ولا أي “توضيح” سيغير الوضع، لأن المشكلة هي في السياسة”.

وأضاف إن استهداف الصحفيين لن يغير من الأمر شيئا، حيث أن “كل غزي يحمل هاتفا هو بمثابة صحفي ومصور لوكالات الأنباء، الغزو البري لغزة سيؤدي إلى دورة جديدة من صور الفظائع، وكل صورة فظيعة تساوي أكثر من ألف توضيح”.

وأشار إلى أن الحكومة الصهيونية وقعت في تخبط خططت له المقاومة الفلسطينية بإعلانها قبولها لصفقة جزئية لتبادل الاسرى، حيث “نقلت ردا إيجابيا على مقترح ويتكوف، إسرائيل قالت نعم، لكن على ما يبدو في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، حدث تغيير استراتيجي عالمي، لم يسمع به أحد، وإسرائيل فجأة تتحفظ من الصفقة”.

وأضاف الكاتب أن ما أسماه التخبط الصهيوني، لا يقنع أحدا في الساحة الدولية، ومرة أخرى، فالانطباع في العالم الآن هو أن المقاومة الفلسطينية، هي تريد شكلا من أشكال التسوية في حين ترفضها الدولة الصهيونية.

وحذر الكاتب من أمرين: الأول هو نفاذ صبر الحليف الأمريكي على استمرار الحرب في غزة: “السؤال ليس إن كان سينقلب ضدنا، السؤال هو متى، وبدل أن نسبق الدواء للداء – نحن نسير برءوس مرفوعة نحو مزيد ومزيد من العقوبات ضدنا”.

والثاني هو أن تواجه دولة الاحتلال، مصيرا مشابها للنظام العنصري في جنوب أفريقيا، والذي كان حليفها ذات يوم٫ وقال “المقاطعة الاقتصادية الكاملة، على غرار جنوب إفريقيا، ليست سوى مسألة وقت”.

ويبدو أن الشعور بالحصار ليس قاصرا على الكتاب الصهاينة، وإنما امتد إلى المؤسسة العسكرية الصهيونية وقيادتها أيضا.

حيث كشفت صحيفة هآرتس، أن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، أوضح للقيادة السياسية اعتقاده بأن على الحكومة استخدام نفوذها المكتسب، للتوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الرهائن، حتى لو كان اتفاقا جزئيا.

وبرر زامير هذا بقوله، إن السعي إلى إعادة احتلال مدينة غزة سيستغرق وقتا طويلا، وسيؤدي إلى سقوط ضحايا بين الجنود والرهائن، وسيزيد من العبء الثقيل على قوات الاحتياط.

وأكد الجيش على ضرورة استنفاد إمكانية التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الرهائن الآن، قبل أي خطوة واسعة النطاق مثل محاولة احتلال مدينة غزة.

استنتاجات زامير أكدتها تصريحات نقلتها صحيفة يديعوت أحرونوت عن جنود من قوات المظليين في جيش الاحتلال٫ حيث قالوا: واجهنا حرب عصابات في غزة ونادرا ما رأينا العدو بالعين، لدى المقاتلين الفلسطينيين منظومة رصد واسعة بمسيّرات ومراقبين يبحثون عن ثغرات ويهاجمون كمجموعات صغيرة، قبل أسابيع خرج مقاتل فلسطيني من نفق تكتيكي لثوان فقط وفجّر عبوة ناسفة بناقلة جند من طراز “نمر” وقتل جنديا وأصاب 9 آخرين”.

مما سبق يتضح أن هناك إدراكا، بات يتعمق لدى كثير من الصهاينة، هو ذاته ما عبّر عنه الشاعر في قصيدته، المشار إليها في بداية هذا المقال، وهو أنهم بقدر ما يطوقون غزة، يطوقون أنفسهم أيضا.

يطوقون دولتهم بالعزلة الدولية، والرفض الشعبي المتزايد والمقاطعة الاقتصادية والأكاديمية، وبالانقسام الداخلي المتصاعد.

أما المقاومة في قطاع غزة، التي تترقب العدو وتعد لمواجهته، فتبدو وكأنها تطبق عمليا ما قاله درويش في قصيدته:

حاصرْ حصارَك بالجنونِ وبالجنونْ

ذهبَ الذين تحبُّهم، ذهبوا

فإمَّا أن تكونْ أَو لا تكونْ”.

زر الذهاب إلى الأعلى