رؤى

مصطلح “بلدة”.. ودلالة “الإحياء” الإلهي للإنسان

يحتل المكان في القرءان الكريم منزلة مركزية، سواء من حيث كونه مسرحا للأحداث التاريخية والقصص النبوية، أو باعتباره رمزا ودلالة على علاقة الإنسان بالوجود من حوله. ومن بين الألفاظ القرءانية التي تعكس هذا البعد المكاني يرد لفظ “البلدة”، وهو لفظ قليل الورود نسبيا مقارنة بغيره، مثل “البلد” أو “الدار” أو “الأرض”؛ لكنه يحمل خصوصية دلالية، إذ كثيرا ما يقترن بصفة الميت أو الميتة، ما يمنحه طابعا رمزيا يتجاوز المدلول المكاني المباشر إلى البعد الوجودي والمعنوي.

فالقرءان الكريم يستخدم لفظ “البلدة” للدلالة على قطعة محددة من الأرض، لكنها ليست مجرد موقع جغرافي، بل كيان له علاقة بالحياة والموت، بالجدب والخصب، بالعطاء والانقطاع.

البلد والبلدة

ورد لفظ “بلدة” في التنزيل الحكيم في خمسة مواضع، منها مرة واحدة وردت مُعرفة، ومرة واحدة لازمتها صفة “طَيِّبَةٞ”، وفي مرات ثلاث لازمتها صفة أخرى هي “مَّيۡتٗا”.

والمُلاحظ، أن التنزيل الحكيم يرد فيه مصطلح “البلد” بشكل يختلف من حيث المفهوم والدلالة عن ورود مصطلح “البلدة”. ففي قوله سبحانه: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 128].. وأيضًا، في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].. هنا، فإنه يستعمل “البلد” لا “البلدة”، في إشارة إلى وحدة حضارية أكبر ذات بعد ديني وأمني؛ حيث لا يُشار إلى مكة المكرمة بوصفها منطقة جغرافية فحسب، بل بلدا ينعم بالأمان والاستقرار أيضا.

وهنا، تبرز العلاقة بين لفظ “البلدة” ولفظ “البلد”؛ فالبلدة، في سياقها القرءاني، أقرب إلى قطعة محدودة من الأرض، ترتبط بالزراعة والخصب والموت والبعث. أما البلد فيحمل دلالة أوسع: هو الإقليم أو المجال “المكاني – الاجتماعي – الحضاري”، الذي يتسع للسكان والنظام والقانون. فالبلدة جزء، والبلد كل؛ البلدة تذكّرنا بالجدب والإحياء، بينما البلد يُذكّرنا بالهوية الجماعية والسيادة.

ولذلك، كان من اللافت أنّ القرءان الكريم حين تحدّث عن مكة بوصفها مركز الرسالة لم يقل “بلدة”، بل قال “بلد”. قال سبحانه: ﴿لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٭ وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2]؛ وقال تعالى: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ ٭ وَطُورِ سِينِينَ ٭ وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. فمكة ليست مجرد بقعة أرضية قد تُحيى أو تموت، بل هي بلد أمين، له رسالة وبُعد حضاري وروحي خالد. وهكذا، فإنّ الفرق بين “البلدة” و”البلد” يتجاوز الفروق اللغوية إلى فروق في مستوى الرمز والدلالة: البلدة كائن يحيى ويموت، أما البلد فكيان يستقر ويُبنى على الأمن والهوية.

ولعل التأكيد على ذلك، أن الموضع الوحيد الذي ورد فيه مصطلح “البلدة” مُعرفا، لزمته صفة “التحريم الإلهي”؛ وذلك في قوله عزَّ وجل: ﴿إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النمل: 91]. فهذه البلدة “ٱلَّذِي حَرَّمَهَا” هو رب العالمين تبارك وتعالى؛ الذي هو، في الوقت نفسه، “لَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ”. وهذا التحريم الإلهي يلتقي، بالتأكيد، مع وجود “البيت المُحرم” فيها؛ وهو ما يؤكده قوله عزَّ من قائل: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].

صفات البلدة

ورد اصطلاح “بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ” مرة واحدة في التنزيل الحكيم؛ في قوله سبحانه: ﴿لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ﴾ [سبإ: 15]. وكما يبدو، فإن التنزيل الحكيم يُخبرنا عما كان “لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ” من “جَنَّتَانِ”، “ءَايَةٞۖ” من رب العالمين؛ ومن ثم، جاء وصف “سَبَإٖ” بأنها “بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ”. إلا أن الحال قد تغير، كنتيجة حتمية لكون أهلها “أَعۡرَضُواْ” عن الأمر الإلهي “كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ”.. وبالتالي، كانت النتيجة التي وردت في الآيتين الكريمتين التاليتين، في قوله تعالى: ﴿فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ٭ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ﴾ [سبإ: 16-17].

هذا عن اصطلاح “بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ”.

أما عن اصطلاح “بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا”، فقد ورد في التنزيل الحكيم في مرات ثلاث. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٭ لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا﴾ [الفرقان: 48-49]. وهنا، لنا أن نُلاحظ التأكيد القرءاني على التحول الحاصل، وعلى سبب هذا التحول؛ إذ بعد أن كانت مجرد “بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا”، يحييها ربها سبحانه وتعالى من خلال “مَآءٗ طَهُورٗا”.

وهكذا، فإن لفظ “البلدة” حين يرد في القرءان الكريم متصلا بالموت لا يُقصد به الخراب العمراني فقط، بل يحمل معنى الانقطاع عن مصادر الحياة، سواء كانت مادية (المطر والنبات)، أو معنوية (الوحي والهداية). فحين يصف القرءان بلدة بأنها “مَّيۡتٗا”، ثم يُحييها بالماء، فهو يوجّه الأنظار إلى أن الموت الحقيقي ليس في جفاف الأرض؛ بل في انقطاع الصلة بالسماء. فالماء رمز للحياة المادية، كما أن الوحي رمز للحياة الروحية؛ وإحياء البلدة الميتة بالمطر هو صورة موازية لإحياء القلوب الميتة بالهداية.

هذا الترابط بين “الماء”، سواء تم التعبير عنه قرءانيًا بمصطلح “مَآءَۢ”، أو عبر اصطلاح “مَآءٗ طَهُورٗا”، أو من خلال اصطلاح “مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا”؛ وبين اصطلاح “بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا”، إنما المقصود منه “الإحياء الإلهي”؛ بل، ودفع الإنسان إلى تأمل كيف يتم “ٱلۡخُرُوجُ” الإنساني من حال الموت إلى حال الحياة. يقول سبحانه: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ﴾ [الزخرف: 11]؛ ويقول تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٭ وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ٭ رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ﴾ [ق: 9-11].

وبملاحظة خواتيم هذه الآيات الكريمة، “كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ” و”كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ”، يتأكد لدينا أن الحديث عن البلدة في التنزيل الحكيم، ليس مجرد وصف جغرافي، بل خطاب تربوي بليغ يربط بين الظواهر الكونية الكبرى (المطر، الجدب، الخصب)، وبين مصير الإنسان الروحي والأخلاقي. فالإنسان، مثل البلدة، قد يكون ميتا بلا وحي، فإذا نزل عليه الغيث الإلهي عاد إلى الحياة. وهنا تكمن عبقرية البيان القرءاني في مزج الحسّي بالمعنوي، والواقعي بالرمزي.

في هذا الإطار.. يمكن القول إذا نظرنا إلى العلاقة بين “البلدة” و”البلد”، نكتشف أن الأولى تمثل صورة مكثّفة لجدلية الموت والحياة في الأرض، بينما الثاني يمثل صورة للاستقرار الإنساني، حيث تُبنى الحضارات وتُمارَس السلطة وتُرسَم الهويات. والجامع بينهما أن كليهما يشير إلى أن الأرض ليست مجرد وعاء محايد، بل شريك في مصير الإنسان، تشهد على حياته كما تشهد على فنائه.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى