في مشهد شديد الدلالة من المسلسل التاريخي الإيراني “المختار الثقفي” يعقد مسلم بن عقيل بن أبي طالب٬ ابن عم الإمام الحسين بن علي، وسفيره إلى أهل الكوفة- العزم على أن يغتال والي الكوفة الأموي عبيد الله بن زياد.
لكن بن عقيل يتراجع في اللحظة الاخيرة عن خطته حين يتذكر ان عمه الامام علي بن ابي طالب لم يقتل أحدا يوما غيلة وغدرا، ولم يهاجم عدوا غفلة؛ بل كان “فارس الهيجاء” كما أسماه المؤمنون الأوائل، يقاتل عدوه وجها لوجه، كما فعل مع فارس المشركين عمرو بن ود، وفارس يهود خيبر “مرحب” والذي تمكن أن يصرعهما في المبارزة في كلتا المعركتين.
أتذكر هذه الثقافة التي يمثلها كلا الشهيدين مسلم بن عقيل، وعمه الإمام علي، كلما خرج على شاشة التلفاز أحد ساسة أو جنرالات دولة الاحتلال الصهيوني، ليتباهى بأن جيشه أو جهاز استخباراته، تمكن من اغتيال أحد قيادات أو رموز المقاومة، ويحاول أن يسوِّق هذا الاغتيال لجمهور المستوطنين الصهاينة بوصفه إنجازا.
تبدو الهوة واسعة بين ثقافة تعتبر الاغتيال، أو قل القتل غيلة وخفية وغدرا، أمر مستنكرا في الحد الأدنى، وفي الحد الاقصى أمرا يذهب بالشرف وينتقص من الرجولة، وبين ثقافة تعتبره إنجازا وتتباهى به.
والواقع أن الجمهور الصهيوني الذي تحاول قيادته تسويق هذا “الإنجاز” له، لم يعد معنيا به حيث أنه لا يعيد الأسرى المحتجزين لدى المقاومة ولا يغير في الحقيقة شيئا في ميدان المعركة.
لذا يبدو تسويق الاغتيالات من قبل قيادة العدو شكلا من أشكال الحفاظ على ماء الوجه، في ظل تذمر في الشارع الصهيوني من استمرار المعركة، دون هدف محدد. وفي ظل اعتراف عدد من المنتمين إلى المؤسسة العسكرية الصهيونية بإخفاق الحرب علي غزة.
حيث كشفت القناة 12 العبرية عن كتيب عسكري داخلي احتوى على اعترافات صريحة بالفشل في ما سمي بعملية مركبات جدعون.
حيث أكد الكتيب أن دولة ارتكبت “كل خطأ ممكن” وأدارت المعركة بما يتعارض مع عقيدتها القتالية، أي عقيدة “الحرب الخاطفة”.
وأضاف التقرير أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة امتلكت “كل الشروط اللازمة للصمود والانتصار”، من موارد وأنصار ودعم آمن وأسلوب قتال ملائم.
كما أقر الكتيب، خاض معركة استنزاف طويلة، من دون إدارة صحيحة للموارد، أو تحديد سقف زمني، وفقد إنجازاته التكتيكية لصالح المقاومة الفلسطينية.
وفي حين انتقد الكتيب بطء وتيرة بناء القوة لدى جيش الاحتلال، اعترف بأنها كانت أبطأ بكثير من وتيرة إعادة بناء قوة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وأن العمليات البرية لم تنجح في إنهاء التهديد الصاروخي الذي تمثله تلك المقاومة.
كما أكد الكتيب المذكور أعلاه، أن غياب القرار الاستراتيجي وتركيز الجهود قاد إلى فشل واضح، حيث أصبحت الكلفة أهم من المهمة، فيما نجحت المقاومة في فرض معادلة “الانتصار عبر البقاء” على حد تعبير الكتيب.
من ناحية أخرى، نقلت القناة 12 العبرية عن من أسمتهم مسئولين عسكريين، قولهم إن مقاتلي المقاومة في قطاع غزة يرممون أنفاق القتال في مناطق ينشط فيها جيش الاحتلال وأن خلايا مسلحة تطلق النار على قوات الجيش بغزة من فتحات أعلن الجيش تدميرها سابقا، وأن هذه الخلايا هاجمت قوات الاحتلال أكثر من 10 مرات من أنفاق تعامل معها الجيش سابقا.
كما أن مقاتلي المقاومة وفقا لهؤلاء المسئولين العسكريين أعادوا ترميم ما بين 15% و20% من أنفاق القتال في قطاع غزة.
صمود المقاومة في قطاع غزة؛ اضطر الجنرال الصهيوني المتقاعد غيرشون هكوهن، إلى الاعتراف في مقال له بصحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، بأن المقاومة تقاتل بشكل يدل على قدرتها على التغير والتكيف، وأشار إلى التهديد الذي تمثّله هذه المقاومة على دولة الاحتلال، إذا ما نجحت في نهاية الحرب في أن تبقى كمنظمة مسلحة.
وتحت عنوان فرعي في مقاله هو “ثمن الجهاد” قال هكوهن، أن المقاومة رغم كل ما تعرضت له من ضربات “لم تنكسر روحها” وأن لديها “قدرة تحمل المعاناة بصبر إيماني و بقراءة الواقع بتفسير ديني”.
وأضاف أن مقاتلي المقاومة “يتمسكون بالأمل بأنه بقوة صمودهم شيء ما سيحصل والإسرائيليون، رغم قوتهم سينكسرون أولا”.
ما وصل إليه الجنرال المتقاعد في مقاله يبدو أنه أصبح يشكل قناعة حتى لدى بعض الوزراء الصهاينة، حيث كشفت صحيفة هارتس، عن أمر بالغ الأهمية حدث في جلسة المجلس الوزاري الصهيوني المصغر “الكابينت” وهو أن جميع ممثلي المنظومة الأمنية عرضوا موقفا واضحا مؤيدا لصفقة جزئية للأسرى.
حيث أجمع ممثلو الأجهزة الأمنية، وفقا للصحيفة على أن العملية العسكرية الحالية في غزة ستكلف جيش الاحتلال ثمنا فادحا.
ووفقا تقدير جميع قادة وهيئات المنظومة الأمنية، فإن عملية عسكرية واسعة في غزة لن تؤدي إلى تراجع المقاومة ولن ترغمها على قبول شروط صفقة كاملة لتبادل الأسرى، بالمقابل، ستفاقم العملية وضع دولة الاحتلال مع خطر متزايد لتصعيد أمني آخر في الضفة الغربية.
كما حذر رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، من أن العملية الجديدة في غزة قد تستمر عاما كاملا.
وانضم إلى هذا الرأي بعض الوزراء مثل وزير الخارجية ساعر، ووزيرة العلوم غمليئيل، ووزير التعاون الإقليمي أمسالم، وحتى وزير القضاء ليفين٬ حيث حذر أمسالم من أن قطاع غزة يمكن أن يتحول تدريجيا بالنسبة لجيش الاحتلال إلى نسخة مما عانته الولايات المتحدة في فيتنام، وأما ساعر فاستعرض بالتفصيل تدهور مكانة دولة الاحتلال الدولية في ظل استمرار الحرب.
أما خارج أسوار المجلس الوزاري المصغر وتحديدا في الشارع حيث تتظاهر عائلات الأسرى الصهاينة المحتجزين في غزة، فلخصت روحاما بوحبوت، والدة أحد الجنود الأسرى الوضع بقولها: “نحن متعبون، متعبون جدا جدا، ليس سهلا، أن تستيقظ كل يوم، تبحث عن الأخبار، تبحث عن العنوان الذي نريد أن نسمعه، والنفس، النفس متعبة جدا، والجسد أيضا بدأ يتعب، أشعر أن أنفاسي بدأت تصبح ثقيلة جدا، قدماي لم أعد أستطيع أن أحملهما، أنا أريد، ابني الآن، أعتقد أن أياما كافية قد مرت، وقد تعرضنا لتعذيب كاف، وهذا يكفي، كفى، ليعد الجميع إلى البيت”.
إن نهج الاغتيالات الذي ينتهجه العدو الصهيوني منذ نشأة “دولته” على أرض فلسطين عام ١٩٤٨ لم يجلب له الأمن المنشود، ولم يهدأ من روع مستوطنيه المطالبين بوقف الحرب ولم ينجح – وهذا الاهم- في وقف المقاومة.
وأن اعتبار الساسة الصهاينة عمليات الاغتيال إنجازا يدل أنهم ورغم كون دولتهم جاثمة على أرض عربية منذ أكثر من ٧٠ عاما، لم يفهموا بعد ثقافة من يقاتلونهم.
لم يفهموا الثقافة المشار إليها في بداية هذا المقال، التي لا تعتبر الموت على يد العدو عقابا، بل شرفا ولا تعتبره نهاية؛ بل شهادة.. وسرعان ما يحل محل الشهيد من هو أكثر منه راديكالية ورغبة في نيل إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.








